أثارت ردود الفعل على الخطاب التحريضي الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى جانب إعلانه توسيع ما يُعرف بـ«مجلس السلام» الخاص بإدارة قطاع غزة، جدلًا واسعًا وانتقادات حادة على المستويين الأوروبي والدولي.
ويُعقد المنتدى الاقتصادي العالمي سنويًا في شهر يناير منذ تأسيسه عام 1971 على يد الخبير الاقتصادي الألماني كلاوس شواب، الذي كان يشغل آنذاك منصب أستاذ في جامعة جنيف. ويستضيف منتجع دافوس في سويسرا هذا الحدث العالمي، الذي يجمع مئات القادة السياسيين وكبار المسؤولين الحكوميين، إلى جانب آلاف من رؤساء الشركات العملاقة ورواد التكنولوجيا، ليُعد أول تجمع دولي رفيع المستوى مع بداية كل عام جديد.
وانطلاقًا من ذلك، استقطبت نسخة عام 2026 شخصيات بارزة تمثل مختلف القارات والقطاعات الاستراتيجية، إلا أن أجندة القمة، رغم ما تضمنته من جلسات مُعدة بعناية حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي والمعادن الحيوية، تراجعت أمام قضية واحدة طغت على النقاش العام. وكما لخص رافي أغراوال، رئيس تحرير مجلة «فورين بوليسي»، فإن «القضية التي شغلت أذهان الجميع» كانت تلك التي حوّلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى «أزمة دولية حقيقية ومباشرة»، المتمثلة في تهديداته المتكررة والمتصاعدة باستيلاء الولايات المتحدة على جرينلاند، واستعداده الواضح لإعادة تشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والعلاقات الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي لتحقيق هذا الهدف.
وفي هذا السياق، أفاد كل من ستيفن إرلانجر وجينا سمياليك في صحيفة «نيويورك تايمز» بأن «عمق الخلاف» بين ترامب وحلفاء واشنطن الأوروبيين كان «جليًا تمامًا» في الخطابات التي ألقاها كل من ترامب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. ورغم تراجع القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية عن تهديداته بفرض تعريفات جمركية أعلى على الدول الأوروبية، وتصريحه بأنه «لن يستخدم القوة» للاستيلاء على جرينلاند، وحديثه عن التوصل إلى «إطار عمل» عقب مناقشات مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، فإن آدم كانكرين وكيفن ليبتاك من شبكة «سي إن إن» شددا على أن هذه التطورات «لا تُبدد المخاوف من أن التحالف الغربي بات على شفا الانهيار».
وكان من أبرز المستجدات الأخرى في دافوس، أواخر يناير 2026، الإعلان الرسمي لـ«مجلس السلام» الذي شكّله ترامب لإدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة. وعلى الرغم من انضمام مسؤولين من 19 دولة، من بينها عدد من الدول العربية، إلى هذا المجلس، فإن مراقبين غربيين واصلوا التحذير من العقبات الجوهرية التي تحول دون تحقيق أي سلام أو استقرار حقيقي، في ظل الواقع الإنساني القاسي الذي يرزح تحته ملايين الفلسطينيين النازحين.
وبدا شعار المنتدى الاقتصادي العالمي لهذا العام، «روح الحوار»، أقرب إلى السخرية، عند النظر إلى سياسات البيت الأبيض خلال الأسابيع الثلاثة الأولى فقط من عام 2026، التي شملت هجومًا سياسيًا حادًا على فنزويلا واختطاف رئيسها، وتهديدات بحرب مدمرة جديدة مع إيران، وتصعيدًا غير مسبوق في الضغوط والتنمر على الحلفاء الأوروبيين، في إطار السعي للاستيلاء على جرينلاند من الدنمارك. وبعد خطاب مطوّل وصفه أغراوال بأنه «عرض تلقيني استعرض فيه إنجازات داخلية متعددة»، سارع ترامب إلى التأكيد أن البيت الأبيض «يسعى إلى مفاوضات فورية لمناقشة ضم جرينلاند».
ورغم نفيه في نهاية المطاف التهديد باستخدام القوة العسكرية ضد دولة عضو في حلف الناتو، وهو تهديد سبق أن تجاهله هو ومستشاروه، لاحظ كانكرين وليبتاك أن الرئيس الأمريكي واصل شكواه مما وصفه باستغلال أوروبا للولايات المتحدة، مكررًا خطابه الناري ضد «الهجرة غير المنضبطة» و«السياسات الاقتصادية الراديكالية».
وعلى الرغم من تراجع حدة التحذيرات المتعلقة بانهيار حلف الناتو عقب اجتماع ترامب مع مارك روته، الذي ادعى فيه الرئيس الأمريكي أن «الحل» المتفق عليه سيكون «عظيمًا للولايات المتحدة وجميع دول الناتو»، فضلًا عن تراجع واشنطن عن فرض تعريفات جمركية جديدة بنسبة 10% على عدد من الدول الأوروبية، من بينها المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، فإن تساؤلات عديدة حول مستقبل جرينلاند لا تزال بلا إجابات واضحة، ولا سيما في ظل إصرار ترامب على أنه «لا توجد دولة أو مجموعة دول قادرة على تأمين» الجزيرة «باستثناء الولايات المتحدة».
وبناءً على ذلك، ورغم أن بعض المراقبين الغربيين، مثل دانيال فريد، الزميل في المجلس الأطلسي، كتبوا أن ترامب، بتحقيقه ما وصفه بـ«الانتصار في جرينلاند»، قد «وضع الأمن الأمريكي وأمن حلفائه في القطب الشمالي على مسار أفضل»، فإن آخرين يؤكدون أن القضية لم تُحسم بعد. وكما لخص جاكوب فونك كيركيغارد، الزميل في معهد بروجيل للأبحاث في بروكسل، فإن «العلاقات الأوروبية الأمريكية، حتى إن لم تكن في مواجهة مباشرة الآن، لا تزال في وضع حرج للغاية».
وفيما يخص «مجلس السلام» الذي أطلقه ترامب، تزعم الإدارة الأمريكية أن نحو 35 دولة من أصل 60 تلقت دعوات للانضمام قد وافقت على المشاركة. وخلال اجتماعات دافوس، ضمت قائمة الأعضاء الحاضرين رؤساء حكومات ووزراء خارجية من دول في أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا، إلى جانب ممثلين عن دول الخليج العربي، تشمل السعودية والإمارات والبحرين وقطر، فضلًا عن مسؤولين من تركيا والمغرب والأردن.
وزاد من حدة الانتقادات استمرار غياب أي تمثيل فلسطيني حقيقي في إدارة شؤون المدنيين الفلسطينيين، في الوقت الذي وافق فيه بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، على المشاركة بدعوة مباشرة من الحكومة الأمريكية.
وبينما تباهى ترامب خلال الحفل بأن «مجلس السلام» هذا «قادر على فعل ما يشاء»، شدد معلقون غربيون على الطبيعة الهرمية الصارمة للمجلس، وعلى حجم التحديات التي تواجه تحقيق أهدافه المعلنة. ومع تشكيل الدائرة المقربة من مستشاري ترامب، التي تضم شريكه السابق في لعبة الغولف ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق ومهندس حرب العراق توني بلير، لما يشبه «مجلسًا تنفيذيًا» يتولى دورًا محوريًا في إدارة غزة، انتقد ستيفان وولف، أستاذ الأمن الدولي بجامعة برمنغهام، هذا الترتيب، معتبرًا أنه «يبدو وكأنه نسخة خاصة من الأمم المتحدة» يكون فيها الرئيس الأمريكي «الممول والمتحكم الوحيد». وهو تقييم يتقاطع مع رأي الدكتور ديفيد ويرنغ، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة ساسكس، الذي رأى أن «مجلس السلام» يمثل «محاولة واضحة لتهميش الأمم المتحدة»، عبر وضع ترامب في «موقع أشبه بالمنصب الملكي أو الإمبراطوري كرئيس لهذه الأمم المتحدة الجديدة».
وفي سياق حديثه عن التحديات العملية المرتبطة بتنفيذ بنود خطة النقاط العشرين لمستقبل غزة، أكد بول آر. بيلار، الزميل في معهد كوينسي للحكم الرشيد، أن «مجلس السلام» لا يمكنه أن يتجاوز «الواقع القائم في غزة»، المتمثل في وقف إطلاق نار غير مُلتزم به، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، والنقص الحاد في المساعدات الإنسانية، وغياب حل جذري لمسألة نزع سلاح حركة حماس. وأضاف أن «خطة ترامب، ولا أي خطة سلام أخرى، لن تكون قادرة على تحقيق سلام أو أمن أو ازدهار حقيقي في غزة» طالما أن «إسرائيل تظل القوة المسيطرة على الأرض» وتعارض أي مسار قد يفضي إلى حكم ذاتي فلسطيني فعلي.
واتفقت مجلة «الإيكونوميست» مع هذا التقييم، معتبرة أن تشكيل «مجلس السلام» يُعد «تشتيتًا للانتباه عن العمل الحقيقي المطلوب في غزة»، المتمثل في توفير الخدمات الإنسانية الأساسية، وإزالة مئات الأطنان من الأنقاض، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية. وعلى صعيد الأمن، أشار بيلار إلى أن «تجنيد المشاركين» فيما يسمى «قوة الاستقرار الدولية» المنصوص عليها في خطة ترامب ذات العشرين نقطة بات «أكثر تعقيدًا»، مؤكدًا أن حكومات المنطقة والعالم لا ترغب في الزج بقواتها في بيئة قتالية مفتوحة.
وفي ختام تحليلهما لأعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير 2026، تساءل إرلانجر وسمياليك عن مدى وضوح «الحقيقة الأبرز» التي كشفتها القمة، والمتمثلة في «ضآلة القواسم المشتركة بين الولايات المتحدة وأوروبا»، رغم كونهما حليفين تاريخيين. ورغم إشارة وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، إلى أن يوم خطاب ترامب في دافوس انتهى «بشكل أفضل مما بدأ»، فإن قضايا التهديدات الأمريكية لجرينلاند، وضغوطها على حلفائها في الناتو، وإمكانية اللجوء إلى إجراءات عقابية اقتصادية، لا تزال تشكل مخاطر حقيقية. وبينما رأى دانيال فريد أن ترامب «قد يدعي بحق» أن أي اتفاق يمنح وصولًا أوسع إلى جرينلاند يمثل «مكسبًا لأمن الولايات المتحدة وحلفائها في القطب الشمالي»، طرح رافي أغراوال السؤال الأهم للمستقبل القريب: «كيف ستبدو مفاوضات ترامب مع أوروبا؟».
وقد امتدت تداعيات التوتر في العلاقات الأمريكية الأوروبية لتشمل مشروع «مجلس السلام» في غزة، إذ رفضت فرنسا وألمانيا وإيطاليا الانضمام إليه، في حين أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر عن تحفظ لندن، خشية انضمام روسيا بقيادة فلاديمير بوتين. وفي ضوء نية ترامب الواضحة لتهميش دور الأمم المتحدة وتحديد مصير ملايين المدنيين الفلسطينيين بالتشاور مع دائرته الضيقة من المستشارين، يُنظر إلى غياب المشاركة الأوروبية في هذا المجلس باعتباره عاملًا إضافيًا يعزز النفوذ العالمي المتنامي للرئيس الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك