الأسبوع الماضي، في مناسبة اجتماعية للأقارب، لمحت إحدى معلماتي من المرحلة المتوسطة موجودة بين الحضور، فوجدتني أتحرك نحوها بلا تفكير. كانت معلمة للتربية البدنية، عندما كنتُ حينها ضمن فريق كرة السلة في المدرسة. في ذلك اللقاء، لم يكن بيننا حديث طويل، فقط سلام سريع أعاد إحساسًا قديمًا، وامتنانًا ظلّ حاضرًا منذ تلك السنوات.
لم أفعل ذلك بدافع الحنين فحسب، ولا لأن الذاكرة تعيدني إلى تفاصيل بعينها، وإنما لأن أثرًا ما بقي حيًا كما أعتقد. أثر لا يرتبط بمادة دراسية، وإنما بشعور تشكّل مبكرًا، في طريقة التعامل، وفي مساحة أُعطيت لي من دون أن أطلبها، جعلتني أرى نفسي جزءًا من المكان وأنا أتعلم.
غالبا ما نتذكر معلّما واحدا، وأحيانا معلّمتين، بينما تمرّ سنوات الصفوف من دون أن نعلق عندها كثيرًا، كأنها كانت موجودة ثم مضت بلا علامة واضحة، لم يظهر فيها ما يترك أثرًا قويا، ولا ما يجعلنا نتوقف عندها بعد مرور الوقت.
الذي يبقى هو ما يتركه المعلم في حضوره اليومي، في المساحة التي يتيحها للطالب كي يكون نفسه من دون ضغط أو تصنيف؛ كأن يسمح لطالب خجول بالإجابة من دون استعجال، أو يلتفت إلى سؤال بدا للآخرين غير مهم فيعطيه وزنه الحقيقي. هذا الأثر يمتد لاحقًا في طريقة التفكير والتصرّف، وفي مستوى الثقة عند مواجهة المواقف الجديدة.
في هذا الامتداد، تلعب البيئة دورًا مهمًا: طبيعة المكان، وحدود السؤال، ومساحة الخطأ، ومدى تقبّل المشاركة من دون تقليل أو إحراج.
وربما لهذا ظلّ قول قديم لأحد الفلاسفة حاضرًا عبر الزمن: إن ما نتعلّمه في طريقنا اليومي إلى المدرسة قد يكون أعمق مما نتعلّمه داخلها، لأنه يتشكّل في الاحتكاك بالحياة لا في الدرس وحده.
أحيانًا لا يترك التعليم أثره في علاقتنا بالمعرفة فقط، وإنما في علاقتنا بصوتنا، في الطريقة التي نتحدث بها، وفي استعدادنا للمشاركة، أو في تراجعنا حين نشعر أن الصمت أكثر أمانًا.
هذا الفرق لا يظهر في الدرجات ولا في الشهادات، لكنه يظهر لاحقًا عبر النقاش، والاستعداد للتعبير، والاستعداد للمشاركة من دون خوف، داخل الصف، والبيت، والمساحات العامة التي نتقاسمها مع الآخرين.
هذا الأثر لا يتوقف عند حدود الفرد، ويمتد ليشكّل نسيج المجتمع نفسه. حين ينشأ جيل في بيئة تعليمية تحترم صوته وتشجع تساؤلاته، فإنه يحمل هذه القيم معه إلى محيطه الأوسع، يصبح أكثر استعداداً للاستماع، وأكثر قدرة على الحوار، وأقل ميلاً للإسكات أو الإقصاء. بينما الجيل الذي نشأ في بيئة تعليمية قائمة على التلقين والصمت، غالباً ما يعيد إنتاج هذه الأنماط في عمله وأسرته ومجتمعه، من دون أن يدرك أنه يكرر ما عاشه. من هنا، لا يكون التعليم مسألة فردية فحسب، وإنما استثمارا حقيقيا في نوعية العلاقات الإنسانية التي سنعيشها جميعاً.
الفرد يتشكّل عبر تداخل تجارب صغيرة: البيت، الشارع، المدرسة.. بعضها يمرّ سريعًا، وبعضها يستقر بمرور الوقت. ومع السنوات، يتضح الفرق بين ما تعلّمناه كمعرفة، وبين ما شكّل طريقتنا في النظر لأنفسنا وللآخرين، من غير تعليم مباشر.
وربما لهذا، تبقى بعض الوجوه حاضرة أكثر من كل ما درسناه، لأنها ارتبطت بشعور ما، بطريقة نظر، أو بلحظة جعلتنا نرى أنفسنا بشكل مختلف، ثم مضت وبقي أثرها.
وهذا كافٍ لأن التعليم الحقيقي لا يُقاس بما حفظناه، وإنما بما أصبحنا عليه من دون أن ننتبه.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك