العدد : ١٧٤٧٦ - الثلاثاء ٢٧ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٦ - الثلاثاء ٢٧ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

التعليم الذي يسكن الذاكرة

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ٢٧ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬اجتماعية‭ ‬للأقارب،‭ ‬لمحت‭ ‬إحدى‭ ‬معلماتي‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬المتوسطة‭ ‬موجودة‭ ‬بين‭ ‬الحضور،‭ ‬فوجدتني‭ ‬أتحرك‭ ‬نحوها‭ ‬بلا‭ ‬تفكير‭. ‬كانت‭ ‬معلمة‭ ‬للتربية‭ ‬البدنية،‭ ‬عندما‭ ‬كنتُ‭ ‬حينها‭ ‬ضمن‭ ‬فريق‭ ‬كرة‭ ‬السلة‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بيننا‭ ‬حديث‭ ‬طويل،‭ ‬فقط‭ ‬سلام‭ ‬سريع‭ ‬أعاد‭ ‬إحساسًا‭ ‬قديمًا،‭ ‬وامتنانًا‭ ‬ظلّ‭ ‬حاضرًا‭ ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭.‬

لم‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬بدافع‭ ‬الحنين‭ ‬فحسب،‭ ‬ولا‭ ‬لأن‭ ‬الذاكرة‭ ‬تعيدني‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬بعينها،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬أثرًا‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬حيًا‭ ‬كما‭ ‬أعتقد‭. ‬أثر‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بمادة‭ ‬دراسية،‭ ‬وإنما‭ ‬بشعور‭ ‬تشكّل‭ ‬مبكرًا،‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل،‭ ‬وفي‭ ‬مساحة‭ ‬أُعطيت‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أطلبها،‭ ‬جعلتني‭ ‬أرى‭ ‬نفسي‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬وأنا‭ ‬أتعلم‭.‬

غالبا‭ ‬ما‭ ‬نتذكر‭ ‬معلّما‭ ‬واحدا،‭ ‬وأحيانا‭ ‬معلّمتين،‭ ‬بينما‭ ‬تمرّ‭ ‬سنوات‭ ‬الصفوف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نعلق‭ ‬عندها‭ ‬كثيرًا،‭ ‬كأنها‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬ثم‭ ‬مضت‭ ‬بلا‭ ‬علامة‭ ‬واضحة،‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬قويا،‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نتوقف‭ ‬عندها‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.‬

الذي‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يتركه‭ ‬المعلم‭ ‬في‭ ‬حضوره‭ ‬اليومي،‭ ‬في‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬يتيحها‭ ‬للطالب‭ ‬كي‭ ‬يكون‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضغط‭ ‬أو‭ ‬تصنيف؛‭ ‬كأن‭ ‬يسمح‭ ‬لطالب‭ ‬خجول‭ ‬بالإجابة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استعجال،‭ ‬أو‭ ‬يلتفت‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬بدا‭ ‬للآخرين‭ ‬غير‭ ‬مهم‭ ‬فيعطيه‭ ‬وزنه‭ ‬الحقيقي‭. ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬يمتد‭ ‬لاحقًا‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭ ‬والتصرّف،‭ ‬وفي‭ ‬مستوى‭ ‬الثقة‭ ‬عند‭ ‬مواجهة‭ ‬المواقف‭ ‬الجديدة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد،‭ ‬تلعب‭ ‬البيئة‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭: ‬طبيعة‭ ‬المكان،‭ ‬وحدود‭ ‬السؤال،‭ ‬ومساحة‭ ‬الخطأ،‭ ‬ومدى‭ ‬تقبّل‭ ‬المشاركة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تقليل‭ ‬أو‭ ‬إحراج‭.‬

وربما‭ ‬لهذا‭ ‬ظلّ‭ ‬قول‭ ‬قديم‭ ‬لأحد‭ ‬الفلاسفة‭ ‬حاضرًا‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭: ‬إن‭ ‬ما‭ ‬نتعلّمه‭ ‬في‭ ‬طريقنا‭ ‬اليومي‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أعمق‭ ‬مما‭ ‬نتعلّمه‭ ‬داخلها،‭ ‬لأنه‭ ‬يتشكّل‭ ‬في‭ ‬الاحتكاك‭ ‬بالحياة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الدرس‭ ‬وحده‭.‬

أحيانًا‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬التعليم‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالمعرفة‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬علاقتنا‭ ‬بصوتنا،‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نتحدث‭ ‬بها،‭ ‬وفي‭ ‬استعدادنا‭ ‬للمشاركة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تراجعنا‭ ‬حين‭ ‬نشعر‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬أكثر‭ ‬أمانًا‭.‬

هذا‭ ‬الفرق‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الدرجات‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الشهادات،‭ ‬لكنه‭ ‬يظهر‭ ‬لاحقًا‭ ‬عبر‭ ‬النقاش،‭ ‬والاستعداد‭ ‬للتعبير،‭ ‬والاستعداد‭ ‬للمشاركة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خوف،‭ ‬داخل‭ ‬الصف،‭ ‬والبيت،‭ ‬والمساحات‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬نتقاسمها‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭.‬

هذا‭ ‬الأثر‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الفرد،‭ ‬ويمتد‭ ‬ليشكّل‭ ‬نسيج‭ ‬المجتمع‭ ‬نفسه‭. ‬حين‭ ‬ينشأ‭ ‬جيل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تعليمية‭ ‬تحترم‭ ‬صوته‭ ‬وتشجع‭ ‬تساؤلاته،‭ ‬فإنه‭ ‬يحمل‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬محيطه‭ ‬الأوسع،‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬للاستماع،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الحوار،‭ ‬وأقل‭ ‬ميلاً‭ ‬للإسكات‭ ‬أو‭ ‬الإقصاء‭. ‬بينما‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تعليمية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬التلقين‭ ‬والصمت،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬هذه‭ ‬الأنماط‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬وأسرته‭ ‬ومجتمعه،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬يكرر‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬التعليم‭ ‬مسألة‭ ‬فردية‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬استثمارا‭ ‬حقيقيا‭ ‬في‭ ‬نوعية‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬سنعيشها‭ ‬جميعاً‭.‬

الفرد‭ ‬يتشكّل‭ ‬عبر‭ ‬تداخل‭ ‬تجارب‭ ‬صغيرة‭: ‬البيت،‭ ‬الشارع،‭ ‬المدرسة‭.. ‬بعضها‭ ‬يمرّ‭ ‬سريعًا،‭ ‬وبعضها‭ ‬يستقر‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭. ‬ومع‭ ‬السنوات،‭ ‬يتضح‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تعلّمناه‭ ‬كمعرفة،‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬شكّل‭ ‬طريقتنا‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬لأنفسنا‭ ‬وللآخرين،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تعليم‭ ‬مباشر‭.‬

وربما‭ ‬لهذا،‭ ‬تبقى‭ ‬بعض‭ ‬الوجوه‭ ‬حاضرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬درسناه،‭ ‬لأنها‭ ‬ارتبطت‭ ‬بشعور‭ ‬ما،‭ ‬بطريقة‭ ‬نظر،‭ ‬أو‭ ‬بلحظة‭ ‬جعلتنا‭ ‬نرى‭ ‬أنفسنا‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف،‭ ‬ثم‭ ‬مضت‭ ‬وبقي‭ ‬أثرها‭.‬

وهذا‭ ‬كافٍ‭ ‬لأن‭ ‬التعليم‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بما‭ ‬حفظناه،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬أصبحنا‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننتبه‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا