يردد المسلمون في صلواتهم، وفي تلاوتهم للقرآن الكريم قوله تعالى: «إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفًواجًا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3)» سورة النصر.
من خلال تدبر بعض كلمات هذه السورة المباركة نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد عنون السورة باسم «النصر»، وكأنه بهذا العنوان أكد حتمية النصر، وعَبَّر عنه بصيغة الماضي التي تفيد التحقق، وأنه لا مجال لوقف زحفه، أو النكوص عنه، والدليل على استمرارية الحدث وهو النصر عَبَّر عن هذه الاستمرارية بفعل مضارع وهو قوله تعالى: «ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا» النصر/2. ومن عظمة البيان القرآني أنه جعل الواسطة بين مجيء النصر بعد تحققه وتواصل دخول الناس في دين الله تعالى فعل ماض آخر وهو قوله تعالى: «ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا» سورة النصر/2.
كل ذلك بشارات يقدمها الله تعالى بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليزداد رسول الله ثقة في موعود الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وسلم) وتشجيعًا له على مواجهة الأحداث، والصبر على الابتلاءات، ولقد تعهد الحق سبحانه وتعالى بنصر رسله، قال جل جلاله: «إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» غافر/51.
وما دام الله تعالى قد وعد بنصر الرسل والذين آمنوا، فعلى المؤمنين أن يأخذوا الأسباب، وأن يستفرغوا أقصى جهدهم، وألا يتحرجوا بأنهم قلة وخصومهم كثرة ألم ينصرهم الله تعالى في بدر وهم أذلة أي قلة، قال تعالى: «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون» آل عمران / 123.
إن الله تعالى لم يطلب من المؤمنين ما يعجزون عنه، بل قال لهم «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون» الأنفال/60.
إذًا، فالثقة بالله تعالى، وحسن الظن به سبحانه، هو السلاح الذي لا يملك أعداؤنا نظيرًا له، ألم يقل سيدنا أبوبكر الصديق ( رضي الله عنه ) وهو يودع الجيش الإسلامي المتوجه إلى ساحة الجهاد: احرصوا على الموت توهب لكم الحياة، وأين نحن من قول الفاروق الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): أيها الناس إنكم لا تنتصرون على عدوكم بكثرة عددكم وعدتكم بل تنتصرون عليهم بطاعتكم لله تعالى، ومعصيتهم له سبحانه، فإذا تساويتم معهم في المعصية كانت الغلبة لهم لأنهم أكثر منكم عدة وعددا، لكنكم تنتصرون عليهم بطاعتكم لله ومعصيتهم له، واعلموا أن الله تعالى قد أعزّنا بالإسلام ولو طلبنا العزة في غيره لم يزدكم الله إلا ذلًا .أما القائد الملهم الذي ما دخل في معركة إلا وانتصر فيها، إنه سيف الله المسلول خالد بن الوليد (رضي الله عنه )، فكان يقول لقائد الرومان : (جئتك بجنود يحبون الموت كما تحبون الحياة، ولقد نقل عنه وهو على فراش المرض قوله: دخلت مائة زحف أو زهاءها، وما في جسدي إلا : ضربة سيف أو طعنة رمح، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
إن الإسلام العظيم الذي صنع هؤلاء القادة قادر وبنفس الكفاءة أن يصنع أمثالهم، ويسدد على طريق المجد غيرهم لأن المنهاج الذي صنعهم هو عين المنهاج الذي لا يزال بين أيدينا، وهو القرآن الحكيم الذي حفظه الله تعالى لنا، وضمن له كل أسباب الرعاية والحماية والدوام.
وبعد، فالنصر الذي جاءت به سورة النصر، والذي نردده في صلواتنا، وفي تلاوتنا للقرآن نتقرب به إلى مولانا سبحانه وتعالى، هو النصر وجودا، وهو النصر تحققًا وظهورًا على أرض الواقع ليزداد المسلمون ثقة بنصر الله .. أليس نصر الله قريبا؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك