العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

النصر.. وجودا وظهورا

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

يردد‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬صلواتهم،‭ ‬وفي‭ ‬تلاوتهم‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬جاء‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬والفتح‭ (‬1‭) ‬ورأيت‭ ‬الناس‭ ‬يدخلون‭ ‬في‭ ‬دين‭ ‬الله‭ ‬أفًواجًا‭ (‬2‭) ‬فسبح‭ ‬بحمد‭ ‬ربك‭ ‬واستغفره‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬توابا‭ (‬3‭)‬‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬النصر‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬تدبر‭ ‬بعض‭ ‬كلمات‭ ‬هذه‭ ‬السورة‭ ‬المباركة‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬قد‭ ‬عنون‭ ‬السورة‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬النصر‮»‬،‭ ‬وكأنه‭ ‬بهذا‭ ‬العنوان‭ ‬أكد‭ ‬حتمية‭ ‬النصر،‭ ‬وعَبَّر‭ ‬عنه‭ ‬بصيغة‭ ‬الماضي‭ ‬التي‭ ‬تفيد‭ ‬التحقق،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬لوقف‭ ‬زحفه،‭ ‬أو‭ ‬النكوص‭ ‬عنه،‭ ‬والدليل‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬الحدث‭ ‬وهو‭ ‬النصر‭ ‬عَبَّر‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الاستمرارية‭ ‬بفعل‭ ‬مضارع‭ ‬وهو‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬ورأيت‭ ‬الناس‭ ‬يدخلون‭ ‬في‭ ‬دين‭ ‬الله‭ ‬أفواجا‮»‬‭ ‬النصر‭/‬2‭.  ‬ومن‭ ‬عظمة‭ ‬البيان‭ ‬القرآني‭ ‬أنه‭ ‬جعل‭ ‬الواسطة‭ ‬بين‭ ‬مجيء‭ ‬النصر‭ ‬بعد‭ ‬تحققه‭ ‬وتواصل‭ ‬دخول‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬دين‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬فعل‭ ‬ماض‭ ‬آخر‭ ‬وهو‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬ورأيت‭ ‬الناس‭ ‬يدخلون‭ ‬في‭ ‬دين‭ ‬الله‭ ‬أفواجا‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬النصر‭/‬2‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬بشارات‭ ‬يقدمها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬ليزداد‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬موعود‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لرسوله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬وتشجيعًا‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأحداث،‭ ‬والصبر‭ ‬على‭ ‬الابتلاءات،‭ ‬ولقد‭ ‬تعهد‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬بنصر‭ ‬رسله،‭ ‬قال‭ ‬جل‭ ‬جلاله‭: ‬‮«‬إنّا‭ ‬لننصر‭ ‬رسلنا‭ ‬والذين‭ ‬آمنوا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬ويوم‭ ‬يقوم‭ ‬الأشهاد‮»‬‭ ‬غافر‭/‬51‭.‬

وما‭ ‬دام‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬قد‭ ‬وعد‭ ‬بنصر‭ ‬الرسل‭ ‬والذين‭ ‬آمنوا،‭ ‬فعلى‭ ‬المؤمنين‭ ‬أن‭ ‬يأخذوا‭ ‬الأسباب،‭ ‬وأن‭ ‬يستفرغوا‭ ‬أقصى‭ ‬جهدهم،‭ ‬وألا‭ ‬يتحرجوا‭ ‬بأنهم‭ ‬قلة‭ ‬وخصومهم‭ ‬كثرة‭ ‬ألم‭ ‬ينصرهم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬بدر‭ ‬وهم‭ ‬أذلة‭ ‬أي‭ ‬قلة،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬ولقد‭ ‬نصركم‭ ‬الله‭ ‬ببدر‭ ‬وأنتم‭ ‬أذلة‭ ‬فاتقوا‭ ‬الله‭ ‬لعلكم‭ ‬تشكرون‮»‬‭ ‬آل‭ ‬عمران‭ / ‬123‭.‬

إن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لم‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬المؤمنين‭ ‬ما‭ ‬يعجزون‭ ‬عنه،‭ ‬بل‭ ‬قال‭ ‬لهم‭ ‬‮«‬وأعدّوا‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬استطعتم‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬ومن‭ ‬رباط‭ ‬الخيل‭ ‬ترهبون‭ ‬به‭ ‬عدو‭ ‬الله‭ ‬وعدوكم‭ ‬وآخرين‭ ‬من‭ ‬دونهم‭ ‬لا‭ ‬تعلمونهم‭ ‬الله‭ ‬يعلمهم‭ ‬وما‭ ‬تنفقوا‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬يوف‭ ‬إليكم‭ ‬وأنتم‭ ‬لا‭ ‬تظلمون‮»‬‭ ‬الأنفال‭/‬60‭.‬

إذًا،‭ ‬فالثقة‭ ‬بالله‭ ‬تعالى،‭ ‬وحسن‭ ‬الظن‭ ‬به‭ ‬سبحانه،‭ ‬هو‭ ‬السلاح‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أعداؤنا‭ ‬نظيرًا‭ ‬له،‭ ‬ألم‭ ‬يقل‭ ‬سيدنا‭ ‬أبوبكر‭ ‬الصديق‭ ( ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ) ‬وهو‭ ‬يودع‭ ‬الجيش‭ ‬الإسلامي‭ ‬المتوجه‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬الجهاد‭: ‬احرصوا‭ ‬على‭ ‬الموت‭ ‬توهب‭ ‬لكم‭ ‬الحياة،‭ ‬وأين‭ ‬نحن‭ ‬من‭ ‬قول‭ ‬الفاروق‭ ‬الخليفة‭ ‬الراشد‭ ‬الثاني‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭): ‬أيها‭ ‬الناس‭ ‬إنكم‭ ‬لا‭ ‬تنتصرون‭ ‬على‭ ‬عدوكم‭ ‬بكثرة‭ ‬عددكم‭ ‬وعدتكم‭ ‬بل‭ ‬تنتصرون‭ ‬عليهم‭ ‬بطاعتكم‭ ‬لله‭ ‬تعالى،‭ ‬ومعصيتهم‭ ‬له‭ ‬سبحانه،‭ ‬فإذا‭ ‬تساويتم‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬المعصية‭ ‬كانت‭ ‬الغلبة‭ ‬لهم‭ ‬لأنهم‭ ‬أكثر‭ ‬منكم‭ ‬عدة‭ ‬وعددا،‭ ‬لكنكم‭ ‬تنتصرون‭ ‬عليهم‭ ‬بطاعتكم‭ ‬لله‭ ‬ومعصيتهم‭ ‬له،‭ ‬واعلموا‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬قد‭ ‬أعزّنا‭ ‬بالإسلام‭ ‬ولو‭ ‬طلبنا‭ ‬العزة‭ ‬في‭ ‬غيره‭ ‬لم‭ ‬يزدكم‭ ‬الله‭ ‬إلا‭ ‬ذلًا‭ .‬أما‭ ‬القائد‭ ‬الملهم‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬إلا‭ ‬وانتصر‭ ‬فيها،‭ ‬إنه‭ ‬سيف‭ ‬الله‭ ‬المسلول‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ )‬،‭ ‬فكان‭ ‬يقول‭ ‬لقائد‭ ‬الرومان‭ : (‬جئتك‭ ‬بجنود‭ ‬يحبون‭ ‬الموت‭ ‬كما‭ ‬تحبون‭ ‬الحياة،‭ ‬ولقد‭ ‬نقل‭ ‬عنه‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬فراش‭ ‬المرض‭ ‬قوله‭: ‬دخلت‭ ‬مائة‭ ‬زحف‭ ‬أو‭ ‬زهاءها،‭ ‬وما‭ ‬في‭ ‬جسدي‭ ‬إلا‭ : ‬ضربة‭ ‬سيف‭ ‬أو‭ ‬طعنة‭ ‬رمح،‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬ذا‭ ‬أموت‭ ‬على‭ ‬فراشي‭ ‬كما‭ ‬يموت‭ ‬البعير،‭ ‬فلا‭ ‬نامت‭ ‬أعين‭ ‬الجبناء‭.‬

إن‭ ‬الإسلام‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬صنع‭ ‬هؤلاء‭ ‬القادة‭ ‬قادر‭ ‬وبنفس‭ ‬الكفاءة‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬أمثالهم،‭ ‬ويسدد‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬المجد‭ ‬غيرهم‭ ‬لأن‭ ‬المنهاج‭ ‬الذي‭ ‬صنعهم‭ ‬هو‭ ‬عين‭ ‬المنهاج‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بين‭ ‬أيدينا،‭ ‬وهو‭ ‬القرآن‭ ‬الحكيم‭ ‬الذي‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لنا،‭ ‬وضمن‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬أسباب‭ ‬الرعاية‭ ‬والحماية‭ ‬والدوام‭.‬

وبعد،‭ ‬فالنصر‭ ‬الذي‭ ‬جاءت‭ ‬به‭ ‬سورة‭ ‬النصر،‭ ‬والذي‭ ‬نردده‭ ‬في‭ ‬صلواتنا،‭ ‬وفي‭ ‬تلاوتنا‭ ‬للقرآن‭ ‬نتقرب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مولانا‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬هو‭ ‬النصر‭ ‬وجودا،‭ ‬وهو‭ ‬النصر‭ ‬تحققًا‭ ‬وظهورًا‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬ليزداد‭ ‬المسلمون‭ ‬ثقة‭ ‬بنصر‭ ‬الله‭ .. ‬أليس‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬قريبا؟‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا