منذ سنوات، وفي واحدة من المؤتمرات البيئية التقيت بشخصية قيادية فذة، كان هذا الشخص هو من قام بالتخطيط للمؤتمر وقام بالتنفيذ مع فريق عمل متناسق ومتكامل. خلال ثلاثة أيام كنت أراقب من بعيد هذا التنسيق وهذا التكامل في الاتصال والتواصل بين تلك الشخصية وفريق العمل، الجميع كان يعمل كخلية نحل، بهدوء ومن غير كلل أو ضعف في الأداء.
كنت أحاول التقرب من هذا الشخص بطريقة أو بأخرى حتى أتحدث معه، وأتعرف على سر هذه القدرة في إدارة هذا الفريق، وكل هذا التنسيق، وبالفعل في اليوم الثالث وجدته على وجبة الفطور جالسا لوحده يتناول فطوره، اقتربت منه واستأذنت بالجلوس معه، فسمح لي، وجلست، بدأنا نتبادل أطراف الحديث من هنا وهناك، وبعد لحظات وصلت معه بالحديث إلى موضوع المؤتمر والتنظيم وفريق العمل وما إلى ذلك، فتبسم وقال: كنت أنتظر منك أن تصل إلى هذه النقطة، لأني كنتُ ألاحظ نظراتك وانتباهك لكل ما يجري في المؤتمر، وشعرتُ أن لديك بعض التساؤلات لذلك كنتُ في انتظارك.
سكت لحظة وقال: ماذا تريد أن تعرف؟
قلت: لا أريد أن أعرف كيف قمت بتنظيم هذا المؤتمر، فهذا الموضوع لا يهمني، ولكن أريد أن أعرف كيف تمكنت من قيادة وإدارة هذا الفريق؟
بدأ في سرد تاريخ حياته الإدارية – وهذا موضوع آخر لا أريد التحدث فيه الآن – ومن ثم وصلنا إلى الجزئية التي أريدها منه، وهي علامات الإداري القائد الحقيقي، فقال: وجدتُ أنه من خلال كل النظريات والأفكار التي درستها وعاصرتها وتعلمتها من أساتذتي أن هناك العديد من العلامات التي تسهم في تطوير القدرات القيادية عند الإنسان، ودعني ألخصها لك في سبع علامات.
قلت: هاتها، تفضل.
دعوني هنا أخرج بملخص هذا الحوار في طرح هذه العلامات، وهي كالتالي:
الصدق: وهي قيمة وربما تُعد من أهم القيم التي يجب أن يتحلّى بها الإنسان بصورة عامة، وبالذات الإداري القائد، لما له من تأثير مباشر على الثقة والمصداقية داخل بيئة العمل، فالقيادة الحقيقية ليست مجرد سلطة، وإنما هي وعي وصدق، فالقائد الحقيقي لا يُظهر (الصدق) بقدر ما يجب أن يكون صادقًا من الداخل، فهو يبني الثقة ليس بالكلام، بل بالسلوك اليومي.
ومن أبرز ملامح الصدق في القيادة الإدارية، الوضوح في التواصل، وتقديم المعلومات الصحيحة من دون إخفاء أو تحريف، والوفاء بالالتزامات وتنفيذ الوعود والقرارات التي يتم إعلانها، والاتساق بين القول والفعل بمعنى أن تكون أفعال الإداري القائد متوافقة مع أقواله وقيمه، بالإضافة إلى الأمانة الفكرية والاعتراف بالأخطاء وتحمل المسؤولية عنها.
واعيًا بذاته ونفسه: لا يمكن للمرء أن يدير ويقود الآخرين بنجاح وإلى النجاح إلا أن يكون عارفًا بنفسه وقدراته وإمكاناته، فمفهوم معرفة النفس والذات يشيران إلى إدراك الفرد لذاته بشكل عميق، بما يشمل فهم نقاط القوة والضعف، القيم، المعتقدات، والدوافع التي تحركه. هذا المفهوم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوعي الذاتي والذكاء العاطفي، حيث يساعد الإنسان على التحكم في مشاعره وفهم مشاعر الآخرين، ما ينعكس إيجابًا على حياته الشخصية والمهنية.
والحقيقة تقول: إن 79% من الموظفين يثقون بالإداري القائد الذي يعرف نفسه، فالتالي يصغي للآخرين، ولا يبالغ في تقدير نفسه، ودائمًا يبدأ يومه بهذا السؤال: «ماذا أريد أن أتعلم اليوم؟».
ممارسة الشفافية العاطفية: وتعني قدرة الفرد على التعبير عن مشاعره وأفكاره الداخلية بصدق ووضوح، من دون إخفاء أو تزييف، وبطريقة تحترم الذات والآخرين، وهذا المفهوم يرتبط بالوعي الذاتي والذكاء العاطفي والإداري، ويهدف إلى بناء علاقات قائمة على الثقة والتفاهم.
ومن أبرز عناصر الشفافية العاطفية؛ الصدق في التعبير عن المشاعر، ومشاركة ما نشعر به بوضوح، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا، الوضوح في النوايا، وتجنب الغموض أو الإيحاءات غير المباشرة عند التواصل، وكذلك التوازن بين الإفصاح والخصوصية، والتعبير عن المشاعر من دون الإفراط الذي قد يضر بالعلاقة أو يسبب حرجًا، ويجب أن يتم كل ذلك مع احترام مشاعر الآخرين، فالشفافية لا تعني القسوة أو النقد الجارح، بل الصراحة مع مراعاة الطرف الآخر.
والحقيقة تقول: إن 65% من الناس يشعرون بالسعادة في العمل عندما يكون قادتهم صادقين ومنفتحين، فينبغي على الإداري القائد ألا يخاف من قول: «أنا لا أعرف»، لأن هذا يُظهر نضجًا.
المعالجة المتوازنة للأمور: وتعني التعامل مع المواقف والقرارات بطريقة عادلة وموضوعية، بحيث يتم النظر إلى جميع الجوانب والاعتبارات قبل اتخاذ أي إجراء، وهذا المفهوم يقوم على التوازن بين العقل والعاطفة، وبين مصلحة المؤسسة ومصلحة الأفراد، لضمان تحقيق أفضل النتائج من دون الإضرار بأي طرف.
ومن أبرز عناصر المعالجة المتوازنة؛ الحياد والموضوعية وتجنب التحيّز الشخصي أو العاطفي عند تقييم المواقف، وشمولية النظر، بحيث يتم أخذ جميع الحقائق والآراء في الاعتبار قبل اتخاذ القرار، وكذلك التوازن بين السرعة والدقة وعدم التسرّع في القرارات، مع الحرص على عدم التأخير الذي قد يضر بالمصلحة العامة، بالإضافة إلى المرونة، وهذا يعني القدرة على تعديل الموقف عند ظهور معلومات جديدة أو تغيّر الظروف.
والحقيقة تقول: إن الإداري القائد الذي يصغي إلى وجهات النظر المختلفة بنسبة 4 إلى 5 مرات أكثر احتمالًا أن يُعتبر إداريًا قائدًا جيدًا، لذلك فعلى الإداري القائد أن يسأل نفسه كلما عرضت عليه قضية: «هل فكرت في كل زوايا القضية؟».
المنظور الأخلاقي الداخلي: هو الإطار القيمي والمبادئ التي يستند إليها الإنسان في توجيه سلوكه واتخاذ قراراته من منطلق داخلي، وليس فقط بسبب القوانين أو الضغوط الخارجية، وبمعنى آخر، هو الالتزام الأخلاقي الذي ينبع من الضمير والوعي الشخصي، ويعكس قناعة الفرد بما هو صحيح وعادل.
ومن أبرز ملامح المنظور الأخلاقي الداخلي للإداري القائد؛ الالتزام الذاتي بالقيم والتصرف وفقًا للمبادئ حتى في ظل غياب الرقابة أو العقوبات، والاستقلالية في اتخاذ القرار وعدم الانصياع للضغوط الخارجية إذا كانت تتعارض مع القيم الأخلاقية، بالإضافة إلى الانسجام بين الفكر والسلوك وتوافق القرارات والأفعال مع المعتقدات الشخصية، وكذلك المسؤولية الشخصية بمعنى إدراك أثر القرارات على الآخرين والمجتمع.
والحقيقة تقول: إن 93% من الموظفين يريدون البقاء في الوظيفة إذا اتفقت قيم القائد مع قيمهم، لذلك فإن على الإداري القائد أن يكتب قائمة بنحو 3 قيم أساسية له، ويسأل نفسه باستمرار: «هل أعمل بحسبها؟».
الذكاء العاطفي: وكما قلنا في مقال سابق إن الذكاء العاطفي هو القدرة على فهم المشاعر الذاتية ومشاعر الآخرين، والتحكم فيها والتعامل معها بشكل فعّال لتحقيق تواصل أفضل وعلاقات أكثر نجاحًا، ويُعتبر الذكاء العاطفي مزيجًا من المهارات التي تساعد الفرد على التفاعل الإيجابي في بيئة العمل والحياة الشخصية.
ومن أبرز مكونات الذكاء العاطفي بالنسبة إلى الإداري القائد: الوعي الذاتي، بمعنى إدراك الفرد لمشاعره هو وتأثيرها على سلوكه وقراراته، والتحكم في تلك المشاعر والانفعالات، والقدرة على إدارة المشاعر السلبية مثل الغضب أو التوتر، والتعاطف أو بالأحرى فهم مشاعر الآخرين والتفاعل معها بطريقة بنّاءة، وكذلك من علامتها المهارات الاجتماعية، بمعنى بناء علاقات قوية قائمة على الثقة والتعاون، بالإضافة إلى التحفيز الذاتي، والقدرة على الحفاظ على الدافعية لتحقيق الأهداف على الرغم من التحديات.
والحقيقة تقول: إن القادة ذوي الذكاء العاطفي العالي هم أكثر قدرة على النجاح من غيرهم، لذلك فإن على الإداري القائد قبل أن يتحدث أو يتخذ قرارًا ما أن يسأل نفسه: «كيف أشعر حيال هذا الأمر وهذا الإنسان؟ وكيف قد يشعر الآخر؟».
ملتزم بالنمو والتطوير: يعني ببساطة حرص الإداري القائد على تحسين مهاراته ومعارفه بشكل مستمر لمواكبة التغيرات وتحقيق النجاح المستدام، وهذا المفهوم يقوم على فكرة أن التعلم والتطوير ليسا حدثًا مؤقتًا، بل هي عملية دائمة تهدف إلى تعزيز القدرات الشخصية والمهنية.
ومن أبرز ملامح الالتزام بالنمو والتطور: التعلم المستمر، بمعنى السعي لاكتساب مهارات جديدة ومعرفة أحدث الممارسات، والتكيف مع التغيير والمتغيرات، والاستعداد لمواجهة التحديات والتطورات في بيئة العمل، وكذلك تطوير الذات والقيادة وتحسين مهارات القيادة والإدارة لتحقيق أداء أفضل، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار، والانفتاح على الأفكار الجديدة وتطبيقها في العمل، وكذلك الاستثمار في المستقبل، والنظر إلى التطوير كوسيلة لضمان الاستدامة المهنية.
والحقيقة تقول: إن الإداري القائد الملتزم بتطوير نفسه، يسعى دائمًا إلى تطوير فريقه، فلا يهدأ ولا يدع فريقه يهدأ، لذلك فهو إداري قائد ناجح، وحتى يحقق الإداري القائد ذلك عليه أن يحدد هدفًا شهريًا لتعلم شيء جديد لو كانت مهارة صغيرة.
بعدما انتهى صديقي القائد من حواره، وانتهى الفطور، شكرته، وحملت كل تلك العلامات معي طوال تلك السنوات، وها أنا أضعها بين يديك أيها الإداري القائد، فكر فيها وحاول تطبيقها، لعلنا نكون أفضل حالاً.
وفي الختام أقول: «كن نفسك مهما تغير الأحوال حولك، فعندما تكون نفسك في عالم يحاول دائمًا أن يجعلك شيئًا آخر، هو أعظم إنجاز».
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك