العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

جرينلاند واستراتيجية ترامب الجديدة للهيمنة على العالم ومصادره الحيوية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬توليه‭ ‬منصب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أظهر‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬اهتمامًا‭ ‬لافتًا‭ ‬بجرينلاند،‭ ‬وهي‭ ‬جزيرة‭ ‬تتمتع‭ ‬بحكم‭ ‬ذاتي‭ ‬وتابعة‭ ‬للدنمارك‭. ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬محصورًا‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬أو‭ ‬الأمني،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مواردها‭ ‬الطبيعية‭ ‬الهائلة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة،‭ ‬والنفط،‭ ‬والغاز‭. ‬

وعندما‭ ‬تصاعدت‭ ‬التوترات‭ ‬مع‭ ‬فنزويلا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬طموحات‭ ‬ترامب‭ ‬تتجاوز‭ ‬المسائل‭ ‬الأمنية‭ ‬التقليدية،‭ ‬لتشمل‭ ‬الهيمنة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬وهي‭ ‬سياسة‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬عدوانيته‭ ‬تجاه‭ ‬حلفائه‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬على‭ ‬رأسهم‭ ‬الدنمارك‭.‬

إن‭ ‬هوس‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بالاستيلاء‭ ‬على‭ ‬جرينلاند‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬رغبة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬وفي‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬حلفائها‭ ‬وخصومها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬عقب‭ ‬الهجوم‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬واختطاف‭ ‬رئيسها‭ ‬نيكولاس‭ ‬مادورو‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬أشار‭ ‬الدكتور‭ ‬آدم‭ ‬كوين،‭ ‬الأستاذ‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬والدراسات‭ ‬الدولية‭ ‬بجامعة‭ ‬برمنغهام،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬‮«‬استحضر‭ ‬مبدأ‭ ‬مونرو‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬مبدأ‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬عمره‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬عام،‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ستعارض‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬عظمى‭ ‬خارج‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬لتأسيس‭ ‬موطئ‭ ‬قدم‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

على‭ ‬النقيض،‭ ‬قدم‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬مبدأ‭ ‬دونرو‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعارض‭ ‬التدخلات‭ ‬الأجنبية‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬الأمريكتين‭ ‬بل‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تحول‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الأمريكية‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬أوليفر‭ ‬إيغلتون‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬نيو‭ ‬ستيتسمان‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬مستعدًا‭ ‬لاستخدام‭ ‬وسائل‭ ‬قاسية‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والأعداء‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬أمريكا‭. ‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬فنزويلا،‭ ‬عندما‭ ‬حول‭ ‬ترامب‭ ‬اهتمامه‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬جرينلاند،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬إقليم‭ ‬ذاتي‭ ‬الحكم‭ ‬تابع‭ ‬للدنمارك،‭ ‬العضو‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬جرينلاند‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الدنمارك،‭ ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬ترامب‭ ‬رغبة‭ ‬شديدة‭ ‬في‭ ‬ضمها‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬رئاسته‭ ‬الأولى‭. ‬وعندما‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬2025‭ ‬جدد‭ ‬ادعاءه‭ ‬بأن‭ ‬امتلاك‭ ‬جرينلاند‭ ‬‮«‬ضروري‭ ‬للغاية‮»‬‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وبعد‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬المناورة‭ ‬في‭ ‬فنزويلا‭ ‬تصاعدت‭ ‬جهود‭ ‬ترامب‭ ‬للترهيب‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬السياسيين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬يعترفون‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬تهدد‭ ‬مستقبل‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬ونظام‭ ‬التحالف‭ ‬الغربي‭ ‬بشكل‭ ‬أوسع‭.‬

وقد‭ ‬شهد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬لماذا‭ ‬تحتاج‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬جرينلاند‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬فنزويلا،‭ ‬مع‭ ‬اعتقادهم‭ ‬أن‭ ‬الدافع‭ ‬الحقيقي‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وخاصة‭ ‬المعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭. ‬ووفقًا‭ ‬لهيئة‭ ‬المسح‭ ‬الجيولوجي‭ ‬الأمريكية،‭ ‬تمتلك‭ ‬جرينلاند‭ ‬ثامن‭ ‬أكبر‭ ‬احتياطي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعادن‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭.‬

مثلما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬فنزويلا،‭ ‬تشير‭ ‬تقييمات‭ ‬الخبراء‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬طموحات‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تجاه‭ ‬جرينلاند‭ ‬تظل‭ ‬مجرد‭ ‬طموحات‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬صرح‭ ‬مؤخرًا‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬لست‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬نية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الهيمنة‭ ‬الكاملة،‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬حلفائها‭ ‬القدامى،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التأثيرات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تضر‭ ‬بالأمن‭ ‬العالمي‭.‬

بعد‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬فنزويلا،‭ ‬واصل‭ ‬ترامب‭ ‬عدوانه،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تطالب‭ ‬بالسيطرة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬جرينلاند‭ ‬‮«‬من‭ ‬منظور‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحتفظ‭ ‬بوجود‭ ‬عسكري‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قاعدة‭ ‬بيتوفيك‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1943،‭ ‬وتحت‭ ‬اتفاقية‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬مع‭ ‬كوبنهاغن‭ ‬في‭ ‬1951،‭ ‬فقد‭ ‬رفض‭ ‬ترامب‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الوجود،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬امتلاك‮»‬‭ ‬جرينلاند‭ ‬لحمايتها‭. ‬

في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق،‭ ‬تم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬جرينلاند‭ ‬‮«‬مُغطاة‭ ‬بسفن‭ ‬روسية‭ ‬وصينية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ادعاء‭ ‬غير‭ ‬مدعوم‭ ‬بأي‭ ‬دليل‭. ‬ورد‭ ‬الباحث‭ ‬أندرياس‭ ‬أوستاجين،‭ ‬الباحث‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي‭ ‬بواشنطن،‭ ‬متسائلًا‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ترامب‭ ‬قلقًا‭ ‬بشأن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الهيمنة‭ ‬المزعومة‮»‬‭ ‬على‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي،‭ ‬فيجب‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬التركيز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬أوروبا‮»‬‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬سواحل‭ ‬ألاسكا‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الادعاءات‭ ‬الأمنية،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬دوافع‭ ‬ترامب‭ ‬للاستيلاء‭ ‬على‭ ‬جرينلاند‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬وجود‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬الهائلة‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭. ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬انتهاء‭ ‬صلاحية‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬الموقعة‭ ‬مع‭ ‬حكومة‭ ‬جرينلاند‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬أشار‭ ‬مستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬مايك‭ ‬والتز‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬السابق‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نوايا‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تجاه‭ ‬جرينلاند‭ ‬‮«‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية‮»‬‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬‮«‬مواردها‭ ‬الطبيعية‮»‬‭.‬

وتعتبر‭ ‬المعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬السبعة‭ ‬عشر‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬بالغة‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬تقنيات‭ ‬متقدمة‭ ‬مثل‭ ‬البطاريات‭ ‬والمركبات‭ ‬الكهربائية‭ ‬وأنظمة‭ ‬الأسلحة‭. ‬ووفقًا‭ ‬لما‭ ‬ذكرته‭ ‬كريستينا‭ ‬لو‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬بوليسي‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬‮«‬ليست‭ ‬نادرة‮»‬‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬ولكن‭ ‬التحدي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬تراكيز‭ ‬اقتصادية‭ ‬قابلة‭ ‬للاستخراج‭. ‬

وفي‭ ‬حالة‭ ‬جرينلاند،‭ ‬توثق‭ ‬غرايسلين‭ ‬باسكران‭ ‬وميريديث‭ ‬شوارتز،‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والدولية،‭ ‬غنى‭ ‬الجزيرة‭ ‬بخامات‭ ‬مثل‭ ‬خام‭ ‬الحديد،‭ ‬والجرافيت،‭ ‬والتنغستن،‭ ‬والبلاديوم،‭ ‬والفاناديوم،‭ ‬والزنك،‭ ‬والذهب،‭ ‬واليورانيوم‭ ‬والنحاس‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الخبراء‭ ‬مثل‭ ‬جوناثان‭ ‬بول‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرواسب‭ ‬تحمل‭ ‬‮«‬إمكانات‭ ‬هائلة‮»‬‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬البطاريات‭ ‬والمكونات‭ ‬الكهربائية‭ ‬الأساسية‭ ‬لانتقال‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬اهتمام‭ ‬أكبر‭ ‬بالهيدروكربونات‭ ‬التي‭ ‬تقدر‭ ‬احتياطياتها‭ ‬في‭ ‬جرينلاند‭ ‬بـ31‭ ‬مليار‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬المؤكدة‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬دعوة‭ ‬الباحثة‭ ‬شوارتز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مع‭ ‬جرينلاند‭ ‬بشكل‭ ‬تعاوني‭ ‬مع‭ ‬حلفائها‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬فإن‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬ترامب‭ ‬تبنى‭ ‬خطابًا‭ ‬أكثر‭ ‬عدائية‭ ‬تجاه‭ ‬الدنمارك‭ ‬وصناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬جرينلاند‭. ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصريحات‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان،‭ ‬ستيفن‭ ‬ميلر،‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أحد‭ ‬سيقاتل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جرينلاند‮»‬،‭ ‬أكد‭ ‬ترامب‭ ‬أنه‭ ‬سيتم‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراء‭ ‬‮«‬سواء‭ ‬أعجبهم‭ ‬ذلك‭ ‬أم‭ ‬لا‮»‬،‭ ‬ليعلن‭ ‬لاحقًا‭ ‬أن‭ ‬حل‭ ‬المسألة‭ ‬سيكون‭ ‬‮«‬إما‭ ‬بالطريقة‭ ‬اللطيفة‭ ‬أو‭ ‬بالطريقة‭ ‬الأكثر‭ ‬صعوبة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬أسلوب‭ ‬يذكرنا‭ ‬بتصريحاته‭ ‬السابقة‭ ‬بشأن‭ ‬تدمير‭ ‬حماس‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬تدمير‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭.‬

ومع‭ ‬تزايد‭ ‬الضغوط،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تجاهل‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تستولي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬جرينلاند‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭. ‬وهذا‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تداعيات‭ ‬خطرة‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬التحالف‭ ‬الغربي‭. ‬كما‭ ‬حذرت‭ ‬رئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬الدنماركية‭ ‬ميتي‭ ‬فريدريكسن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬تدير‭ ‬ظهرها‭ ‬للحلف‭ ‬الغربي‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬تهديد‭ ‬حليف‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الأكاديميون‭ ‬في‭ ‬تشاتام‭ ‬هاوس‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬مبالغة‮»‬،‭ ‬مشيرين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬التعافي‭ ‬من‭ ‬‮«‬خرق‭ ‬معاهدة‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬قامت‭ ‬دولة‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬الحلف‭ ‬بمهاجمة‭ ‬أخرى‭ ‬للاستيلاء‭ ‬على‭ ‬أراضٍ‭.‬

رغم‭ ‬الرفض‭ ‬القاطع‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬حكومتي‭ ‬الدنمارك‭ ‬وجرينلاند‭ ‬للضم‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أشار‭ ‬الباحث‭ ‬أوستاجين‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬من‭ ‬المستبعد‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬كوبنهاغن‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬‮«‬التنازلات‭ ‬المكلفة‮»‬،‭ ‬نظرًا‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬مارستها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬الأوروبية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬حظر‭ ‬التنقيب‭ ‬عن‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬في‭ ‬جرينلاند‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬الضغط‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬تخفيف‭ ‬هذه‭ ‬القيود،‭ ‬ما‭ ‬يسهل‭ ‬منح‭ ‬تراخيص‭ ‬جديدة‭ ‬لاستغلال‭ ‬الموارد‭ ‬لشركات‭ ‬أمريكية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬منح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬امتيازات‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬موارد‭ ‬جرينلاند‭ ‬الطبيعية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬استفادتها‭ ‬اقتصاديًا؛‭ ‬فقد‭ ‬شككت‭ ‬التحليلات‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬استغلال‭ ‬ترامب‭ ‬لصادرات‭ ‬النفط‭ ‬الفنزويلي،‭ ‬كما‭ ‬أثار‭ ‬الباحث‭ ‬باسكران‭ ‬سؤالًا‭ ‬حول‭ ‬أن‭ ‬‮«‬امتلاك‭ ‬المعادن‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬الدولة‭ ‬بالضرورة‭ ‬منطقة‭ ‬تعدين‭ ‬تنافسية‮»‬‭.‬

فظروف‭ ‬جرينلاند‭ ‬الجغرافية‭ ‬غير‭ ‬مناسبة‭ ‬لعمليات‭ ‬التعدين‭ ‬المكثفة‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬أراضيها‭ ‬مغطاة‭ ‬بالجليد،‭ ‬وتصل‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ -‬40‭ ‬درجة‭ ‬فهرنهايت،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭. ‬ولذا،‭ ‬أوضح‭ ‬كريس‭ ‬بيري،‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬هاوس‭ ‬ماونتن‭ ‬بارتنرز‭ ‬الاستشارية‭ ‬لتحليل‭ ‬المعادن‭ ‬ومقرها‭ ‬واشنطن،‭ ‬أن‭ ‬تهيئة‭ ‬الظروف‭ ‬اللازمة‭ ‬للتعدين‭ ‬المكثف‭ ‬في‭ ‬جرينلاند‭ ‬‮«‬ستكون‭ ‬باهظة‭ ‬الكلفة‭ ‬للغاية‮»‬‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه،‭ ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬غير‭ ‬مهمة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الرسالة‭ ‬الأوسع‭ ‬نطاقًا‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬هيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬هي‭ ‬الرسالة‭ ‬الأبرز‭ ‬من‭ ‬عدوانه‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬سواء‭ ‬ضد‭ ‬خصومها‭ ‬القدامى‭ ‬أو‭ ‬حلفائها‭ ‬التاريخيين‭. ‬

في‭ ‬حين‭ ‬حاول‭ ‬أكاديميون‭ ‬غربيون‭ ‬مثل‭ ‬كريس‭ ‬أيلت،‭ ‬وهو‭ ‬زميل‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬البيئة‭ ‬والمجتمع‭ ‬في‭ ‬تشاتام‭ ‬هاوس،‭ ‬أن‭ ‬يستنتجوا‭ ‬أن‭ ‬جذور‭ ‬عدوان‭ ‬ترامب‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬دوافع‭ ‬تتراوح‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬الهش‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬فرصة‭ ‬ممارسة‭ ‬النفوذ‭ ‬على‭ ‬الخصوم‭ ‬الجيوسياسيين‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬لوكاس‭ ‬سلوثوس،‭ ‬وهو‭ ‬زميل‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬العالمية‭ ‬بجامعة‭ ‬ساسكس،‭ ‬فإن‭ ‬محاولة‭ ‬ترهيب‭ ‬الحلفاء‭ ‬بشأن‭ ‬مستقبل‭ ‬جرينلاند،‭ ‬في‭ ‬أبسط‭ ‬صورها،‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬فصلاً‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬عودة‮»‬‭ ‬‮«‬الطموحات‭ ‬الإمبريالية‮»‬‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

إن‭ ‬سعي‭ ‬ترامب‭ ‬المستمر‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬جرينلاند‭ ‬يعكس‭ ‬تحولًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬مفهوم‭ ‬الهيمنة‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬العسكري‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬وممارسة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬حلفاء‭ ‬أمريكا‭. ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬استقرار‭ ‬التحالفات‭ ‬الدولية،‭ ‬يعكس‭ ‬تزايد‭ ‬النزعة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬المعاصرة‭ ‬ويطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا