منذ توليه منصب الرئيس الأمريكي، أظهر دونالد ترامب اهتمامًا لافتًا بجرينلاند، وهي جزيرة تتمتع بحكم ذاتي وتابعة للدنمارك. هذا الاهتمام لم يكن محصورًا في بعدها الاستراتيجي أو الأمني، بل امتد إلى رغبة واضحة في السيطرة على مواردها الطبيعية الهائلة، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة، والنفط، والغاز.
وعندما تصاعدت التوترات مع فنزويلا في بداية عام 2026، تبين أن طموحات ترامب تتجاوز المسائل الأمنية التقليدية، لتشمل الهيمنة الاقتصادية والجيوسياسية على نطاق أوسع، وهي سياسة أصبحت أكثر وضوحًا مع تزايد عدوانيته تجاه حلفائه الأوروبيين، على رأسهم الدنمارك.
إن هوس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستيلاء على جرينلاند نابع من رغبة الولايات المتحدة في التحكم في الموارد الطبيعية وفي الهيمنة على حلفائها وخصومها على حد سواء. عقب الهجوم الأمريكي على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو في 3 يناير 2026، أشار الدكتور آدم كوين، الأستاذ المشارك في قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة برمنغهام، إلى أن هذا الهجوم «استحضر مبدأ مونرو»، الذي يعد مبدأ استراتيجيًا عمره أكثر من 200 عام، ينص على أن الولايات المتحدة ستعارض أي محاولة من قوى عظمى خارج نصف الكرة الغربي لتأسيس موطئ قدم استراتيجي في المنطقة.
على النقيض، قدم ترامب «مبدأ دونرو»، الذي لا يعارض التدخلات الأجنبية الأخرى في الأمريكتين بل يشير إلى «تحول الإمبريالية الأمريكية»، كما وصفه أوليفر إيغلتون في مجلة «نيو ستيتسمان»، حيث أصبح البيت الأبيض مستعدًا لاستخدام وسائل قاسية للضغط على الأصدقاء والأعداء على حد سواء لتحقيق أهداف أمريكا.
إن هذه السياسة أصبحت أكثر وضوحًا بعد يوم واحد فقط من الهجوم على فنزويلا، عندما حول ترامب اهتمامه بسرعة إلى جرينلاند، التي هي إقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، العضو في حلف الناتو. وعلى الرغم من أن جرينلاند جزء من الدنمارك، فقد أظهر ترامب رغبة شديدة في ضمها منذ بداية رئاسته الأولى. وعندما عاد إلى البيت الأبيض في 2025 جدد ادعاءه بأن امتلاك جرينلاند «ضروري للغاية» للولايات المتحدة. وبعد نجاحه في المناورة في فنزويلا تصاعدت جهود ترامب للترهيب في بداية عام 2026، ما جعل السياسيين الأوروبيين يعترفون بأن هذه السياسات تهدد مستقبل حلف الناتو ونظام التحالف الغربي بشكل أوسع.
وقد شهد العديد من المراقبين بأنه «ليس من الواضح لماذا تحتاج واشنطن إلى السيطرة الكاملة على جرينلاند للدفاع عن نفسها»، كما هو الحال في فنزويلا، مع اعتقادهم أن الدافع الحقيقي وراء ذلك هو السيطرة على الموارد الطبيعية، وخاصة المعادن الأرضية النادرة. ووفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تمتلك جرينلاند ثامن أكبر احتياطي من هذه المعادن في العالم، بالإضافة إلى كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي.
مثلما كان الحال في فنزويلا، تشير تقييمات الخبراء إلى أن طموحات الحكومة الأمريكية الاقتصادية تجاه جرينلاند تظل مجرد طموحات في أحسن الأحوال. ومع ذلك، بالنسبة إلى رئيس صرح مؤخرًا قائلاً: «لست بحاجة إلى القانون الدولي»، فإن هذه السياسات تشير إلى نية الولايات المتحدة لتحقيق الهيمنة الكاملة، حتى على حلفائها القدامى، من دون النظر إلى التأثيرات التي قد تضر بالأمن العالمي.
بعد الهجوم على فنزويلا، واصل ترامب عدوانه، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تطالب بالسيطرة الكاملة على جرينلاند «من منظور الأمن القومي». ورغم أن الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري في الجزيرة من خلال قاعدة بيتوفيك منذ عام 1943، وتحت اتفاقية الدفاع المشترك مع كوبنهاغن في 1951، فقد رفض ترامب استمرار هذا الوجود، مؤكدًا أنه يجب على الولايات المتحدة «امتلاك» جرينلاند لحمايتها.
في وقت لاحق، تم الكشف عن الادعاء بأن جرينلاند «مُغطاة بسفن روسية وصينية»، وهو ادعاء غير مدعوم بأي دليل. ورد الباحث أندرياس أوستاجين، الباحث البارز في معهد القطب الشمالي بواشنطن، متسائلًا: إذا كان ترامب قلقًا بشأن هذه «الهيمنة المزعومة» على القطب الشمالي، فيجب عليه «التركيز على ما تفعله روسيا في شمال أوروبا» أو على سواحل ألاسكا.
على الرغم من الادعاءات الأمنية، يمكن فهم دوافع ترامب للاستيلاء على جرينلاند بشكل أفضل في سياق وجود الموارد الطبيعية الهائلة في الجزيرة. مع اقتراب انتهاء صلاحية مذكرة التفاهم الموقعة مع حكومة جرينلاند لعام 2025، أشار مستشار الأمن القومي مايك والتز في العام السابق إلى أن نوايا الولايات المتحدة تجاه جرينلاند «ترتكز على المعادن الحيوية» والسيطرة على «مواردها الطبيعية».
وتعتبر المعادن الأرضية النادرة السبعة عشر ذات أهمية بالغة في تصنيع تقنيات متقدمة مثل البطاريات والمركبات الكهربائية وأنظمة الأسلحة. ووفقًا لما ذكرته كريستينا لو من مجلة «فورين بوليسي»، فإن هذه الموارد «ليست نادرة» حول العالم، ولكن التحدي يكمن في العثور عليها في تراكيز اقتصادية قابلة للاستخراج.
وفي حالة جرينلاند، توثق غرايسلين باسكران وميريديث شوارتز، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، غنى الجزيرة بخامات مثل خام الحديد، والجرافيت، والتنغستن، والبلاديوم، والفاناديوم، والزنك، والذهب، واليورانيوم والنحاس. ومع أن بعض الخبراء مثل جوناثان بول يعتقدون أن هذه الرواسب تحمل «إمكانات هائلة» في تصنيع البطاريات والمكونات الكهربائية الأساسية لانتقال الطاقة العالمي، إلا أن سياسات الطاقة في عهد ترامب تشير إلى اهتمام أكبر بالهيدروكربونات التي تقدر احتياطياتها في جرينلاند بـ31 مليار برميل من النفط والغاز الطبيعي، وهو ما يعادل الاحتياطيات المؤكدة من النفط الخام في الولايات المتحدة.
على الرغم من دعوة الباحثة شوارتز إلى أن تتعامل الولايات المتحدة مع جرينلاند بشكل تعاوني مع حلفائها الأوروبيين، فإن البيت الأبيض تحت قيادة ترامب تبنى خطابًا أكثر عدائية تجاه الدنمارك وصناع القرار في جرينلاند. في ظل تصريحات نائب رئيس الأركان، ستيفن ميلر، بأن «لا أحد سيقاتل الولايات المتحدة من أجل جرينلاند»، أكد ترامب أنه سيتم اتخاذ إجراء «سواء أعجبهم ذلك أم لا»، ليعلن لاحقًا أن حل المسألة سيكون «إما بالطريقة اللطيفة أو بالطريقة الأكثر صعوبة»، وهو أسلوب يذكرنا بتصريحاته السابقة بشأن تدمير حماس في غزة أو تدمير البرنامج النووي الإيراني.
ومع تزايد الضغوط، لم يعد من الممكن تجاهل احتمال أن تستولي الولايات المتحدة على جرينلاند بالقوة العسكرية. وهذا سيؤدي إلى تداعيات خطرة على منظومة التحالف الغربي. كما حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن من أن الحكومة الأمريكية «تدير ظهرها للحلف الغربي» من خلال «تهديد حليف»، وهو ما يراه الأكاديميون في تشاتام هاوس «ليس مبالغة»، مشيرين إلى أن حلف الناتو لن يستطيع التعافي من «خرق معاهدة» إذا قامت دولة عضو في الحلف بمهاجمة أخرى للاستيلاء على أراضٍ.
رغم الرفض القاطع من قبل حكومتي الدنمارك وجرينلاند للضم الأمريكي، أشار الباحث أوستاجين إلى أنه «ليس من المستبعد» أن تتخلى كوبنهاغن في النهاية عن بعض «التنازلات المكلفة»، نظرًا إلى القوة الاقتصادية التي مارستها الولايات المتحدة على الدولة الأوروبية. وفي ظل حظر التنقيب عن الوقود الأحفوري في جرينلاند منذ عام 2021، قد يؤدي الضغط الأمريكي إلى تخفيف هذه القيود، ما يسهل منح تراخيص جديدة لاستغلال الموارد لشركات أمريكية.
ومع ذلك، حتى إذا تم منح الولايات المتحدة امتيازات في الوصول إلى موارد جرينلاند الطبيعية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة استفادتها اقتصاديًا؛ فقد شككت التحليلات الغربية في كيفية استغلال ترامب لصادرات النفط الفنزويلي، كما أثار الباحث باسكران سؤالًا حول أن «امتلاك المعادن لا يجعل الدولة بالضرورة منطقة تعدين تنافسية».
فظروف جرينلاند الجغرافية غير مناسبة لعمليات التعدين المكثفة مع أن 80% من أراضيها مغطاة بالجليد، وتصل درجات الحرارة فيها إلى ما دون -40 درجة فهرنهايت، بالإضافة إلى نقص في البنية التحتية. ولذا، أوضح كريس بيري، من شركة هاوس ماونتن بارتنرز الاستشارية لتحليل المعادن ومقرها واشنطن، أن تهيئة الظروف اللازمة للتعدين المكثف في جرينلاند «ستكون باهظة الكلفة للغاية».
أما بالنسبة إلى ترامب نفسه، فمن الواضح أن هذه التفاصيل غير مهمة، إذ إن الرسالة الأوسع نطاقًا المتمثلة في هيمنة الولايات المتحدة على الدول الأخرى هي الرسالة الأبرز من عدوانه في جميع أنحاء العالم، سواء ضد خصومها القدامى أو حلفائها التاريخيين.
في حين حاول أكاديميون غربيون مثل كريس أيلت، وهو زميل باحث في مركز البيئة والمجتمع في تشاتام هاوس، أن يستنتجوا أن جذور عدوان ترامب تكمن في دوافع تتراوح من أمن الطاقة الهش للولايات المتحدة إلى «فرصة ممارسة النفوذ على الخصوم الجيوسياسيين»، كما أشار لوكاس سلوثوس، وهو زميل باحث في كلية الدراسات العالمية بجامعة ساسكس، فإن محاولة ترهيب الحلفاء بشأن مستقبل جرينلاند، في أبسط صورها، تمثل «فصلاً آخر في عودة» «الطموحات الإمبريالية» للولايات المتحدة.
إن سعي ترامب المستمر للسيطرة على جرينلاند يعكس تحولًا كبيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث أصبح مفهوم الهيمنة لا يقتصر فقط على الردع العسكري أو الدفاع عن المصالح الاستراتيجية، بل يشمل أيضًا السيطرة على الموارد الطبيعية وممارسة الضغط على حلفاء أمريكا. هذا التوجه، الذي يهدد استقرار التحالفات الدولية، يعكس تزايد النزعة الإمبريالية في السياسة الأمريكية المعاصرة ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين القوى الكبرى في العالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك