مع كل مناسبة تستحضر العالم بقيمة حقوق الإنسان، يتقدم معنى الكرامة باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه بقية الحقوق: الخصوصية، الحرية، وصون المساحة الشخصية. هذه المبادئ التي وُضعت لحماية الإنسان قبل عقود بدأت اليوم تأخذ أشكالا جديدة في عالم تتحرك فيه الصورة أسرع من القانون.
هناك جوانب في حقوق الإنسان تبدو خفيفة للوهلة الأولى، لكنها تمسّ حياة الناس من أقرب نقطة: أن يشعر الإنسان أن يومه له، وأن تفاصيله لا تتحول فجأة إلى مشهد يراه من لا يعرفه. ومع تغيّر عاداتنا السريع، أصبحت الكاميرا حاضرة في لحظات لم نتصوّر يوما أنها ستجد طريقها إلى العلن.
وأنا أتصفح تطبيق «تيك توك»، ظهر أمامي مقطع احتجت ثانية لأستوعب أن صالة بيتي هي التي تظهر فيه. العاملة التي تعيش معنا كانت ترقص ببراءة على أنغام أغنية. فعلها شأنها، لكن ظهور جزء من البيت في تسجيل منشور منحني إحساسا بأن شيئا من يومنا خرج من نطاقه الطبيعي.
وقبل أيام، كنا نجلس في مقهى نعرفه جيدًا، أنا وإحدى الصديقات. حديث عادي يمضي بهدوء بيننا.. إلى أن رفعت شابة تجلس إلى طاولة قريبة منا هاتفها وبدأت بثًا مباشرًا. لم تنتبه لمن حولها، لكن توجيه الكاميرا نحو المكان غيّر شعور الجلسة. وجود الكاميرا وحده كان كافيًا ليغيّر الجو، ويجعلنا أكثر انتباهًا مما أردنا.
هذه المشاهد لم تعد استثناء. الهاتف صار جزءًا من الطاولة والطريق والمقهى؛ حاضرا في كل وقت. لقطة عابرة قد تتحول إلى مادة يتداولها الناس، حتى لو لم يكن فيها ما يدعو إلى الانتباه.
وأحيانا أتأمل كيف يتعامل كبار السن مع هذا الإيقاع الجديد. فكرة أن تنتقل لحظة هادئة من حياتهم إلى عيون مجهولة قد تربكهم. وكذلك الأطفال؛ لا يفهمون لماذا تظهر لحظة لعب بسيطة أمام جمهور لا يعرفونه. ما يبدو عاديا للكبار قد يترك أثرا مختلفا تماما عليهم.
وهنا يظهر بعدٌ آخر يحتاج إلى تفكير أعمق؛ فالأطفال الذين ظهروا عرَضيا في تلك اللحظة ينشأون اليوم في عالم لا يفصل كثيرا بين العام والخاص. وبينما يحاول الكبار حماية مساحتهم، يعيش الصغار في بيئة تتحرك فيها الصور قبل أن يكتمل وعيهم بها.
ومع هذا التحوّل، يصبح مهمًّا أن نعلّمهم أن لهم حقا في أن يختاروا كيف يظهرون، وأن الامتناع عن الظهور خيار أصيل أيضا. فالحدود التي كنا نعتبرها بديهية لم تعد واضحة للأجيال الجديدة، وهذا يضع مسؤولية إضافية على البيوت والمدارس لتأسيس وعي يحفظ لهم مساحة آمنة تكبر معهم.
وفي موازاة ذلك، تغيّر دور التكنولوجيا في حياتنا؛ فقد ساعدتنا في العمل والتواصل وحفظ الذكريات، لكنها أيضا جعلت انتشار أي تفصيلة أسرع بكثير مما نستطيع التحكم به. ومع هذا التحوّل، برزت حاجة جديدة: أن نعيد رسم الخط الفاصل بين استخدام طبيعي للهاتف، واحترام النطاق الذي يريد الناس الاحتفاظ به لأنفسهم. هذا الخط لا تضعه التطبيقات، بل يضعه إدراك الإنسان لحدود الآخرين، وإحساسه بأن لكل فرد خصوصيته غير القابلة للعبور.
خلال السنوات الأخيرة بدأ يظهر في النقاشات الدولية مصطلح «الكرامة الرقمية». قد يبدو مصطلحا جديدًا، لكنه يلامس واقعا نعرفه جيدا، حيث يعبر عن شعور قديم: أن تكون للإنسان مساحة يمكنه أن يعيش فيها من دون أن يشعر بعيون تتبعه.
وهو امتداد طبيعي لفكرة وردت في المادة (12) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تحمي الحياة الخاصة من التدخل التعسفي. لكن الفارق اليوم أن الصورة تتحرك بسرعة تفوق قدرة الناس على ضبطها، وقد تبقى أطول مما يتوقع صاحبها.
وفي البحرين، جاء تعديل قانون العقوبات العام الماضي ليشدد عقوبة نشر الصور والمقاطع من دون إذن. خطوة مهمة وواقعية، لأن الموضوع لم يعد مرتبطا بالذوق الاجتماعي، إنما بشعور الإنسان بالأمان في تفاصيل يومه.
أي مجتمع صغير مثل مجتمعنا، تتحول أي لقطة عابرة إلى قصة يمكن أن تُفسَّر بطرق مختلفة، وتُساء نسبتها لأصحابها رغم أنها خرجت بالصدفة فقط. هنا يظهر البعد الحقوقي بوضوح: لكل إنسان نطاق يريد الحفاظ عليه، ومساحة يفضّل أن تبقى له، وحيّز شخصي يفضّل أن يعيشه على سجيّته، من دون أن يشعر بأنه حاضر على مدار الساعة.
لا يبحث الناس عن الاختفاء، ولا يرفضون الصورة في ذاتها، بقدر ما يحتاجون إلى الطمأنينة بأن لحظاتهم اليومية لن تُنتزع منهم من دون انتباه. هذا الإحساس البسيط هو ما يجعل الحياة أخفّ، ويمنح الإنسان راحة لا يوفّرها أي نص قانوني وحده.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك