العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

«الكرامة الرقمية».. حدود جديدة لحياتنا اليومية

بقلم: نبيلة رجب

الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬كل‭ ‬مناسبة‭ ‬تستحضر‭ ‬العالم‭ ‬بقيمة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬يتقدم‭ ‬معنى‭ ‬الكرامة‭ ‬باعتباره‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تُبنى‭ ‬عليه‭ ‬بقية‭ ‬الحقوق‭: ‬الخصوصية،‭ ‬الحرية،‭ ‬وصون‭ ‬المساحة‭ ‬الشخصية‭. ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬وُضعت‭ ‬لحماية‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭ ‬بدأت‭ ‬اليوم‭ ‬تأخذ‭ ‬أشكالا‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬الصورة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬القانون‭.‬

هناك‭ ‬جوانب‭ ‬في‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬تبدو‭ ‬خفيفة‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬لكنها‭ ‬تمسّ‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬نقطة‭: ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يومه‭ ‬له،‭ ‬وأن‭ ‬تفاصيله‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬فجأة‭ ‬إلى‭ ‬مشهد‭ ‬يراه‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭. ‬ومع‭ ‬تغيّر‭ ‬عاداتنا‭ ‬السريع،‭ ‬أصبحت‭ ‬الكاميرا‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬لم‭ ‬نتصوّر‭ ‬يوما‭ ‬أنها‭ ‬ستجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬العلن‭.‬

وأنا‭ ‬أتصفح‭ ‬تطبيق‭ ‬‮«‬تيك‭ ‬توك‮»‬،‭ ‬ظهر‭ ‬أمامي‭ ‬مقطع‭ ‬احتجت‭ ‬ثانية‭ ‬لأستوعب‭ ‬أن‭ ‬صالة‭ ‬بيتي‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬فيه‭. ‬العاملة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬معنا‭ ‬كانت‭ ‬ترقص‭ ‬ببراءة‭ ‬على‭ ‬أنغام‭ ‬أغنية‭. ‬فعلها‭ ‬شأنها،‭ ‬لكن‭ ‬ظهور‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬منشور‭ ‬منحني‭ ‬إحساسا‭ ‬بأن‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬يومنا‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬نطاقه‭ ‬الطبيعي‭.‬

وقبل‭ ‬أيام،‭ ‬كنا‭ ‬نجلس‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬نعرفه‭ ‬جيدًا،‭ ‬أنا‭ ‬وإحدى‭ ‬الصديقات‭. ‬حديث‭ ‬عادي‭ ‬يمضي‭ ‬بهدوء‭ ‬بيننا‭.. ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬رفعت‭ ‬شابة‭ ‬تجلس‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬قريبة‭ ‬منا‭ ‬هاتفها‭ ‬وبدأت‭ ‬بثًا‭ ‬مباشرًا‭. ‬لم‭ ‬تنتبه‭ ‬لمن‭ ‬حولها،‭ ‬لكن‭ ‬توجيه‭ ‬الكاميرا‭ ‬نحو‭ ‬المكان‭ ‬غيّر‭ ‬شعور‭ ‬الجلسة‭. ‬وجود‭ ‬الكاميرا‭ ‬وحده‭ ‬كان‭ ‬كافيًا‭ ‬ليغيّر‭ ‬الجو،‭ ‬ويجعلنا‭ ‬أكثر‭ ‬انتباهًا‭ ‬مما‭ ‬أردنا‭.‬

هذه‭ ‬المشاهد‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬استثناء‭. ‬الهاتف‭ ‬صار‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الطاولة‭ ‬والطريق‭ ‬والمقهى؛‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وقت‭. ‬لقطة‭ ‬عابرة‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬يتداولها‭ ‬الناس،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الانتباه‭.‬

وأحيانا‭ ‬أتأمل‭ ‬كيف‭ ‬يتعامل‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الإيقاع‭ ‬الجديد‭. ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬لحظة‭ ‬هادئة‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭ ‬إلى‭ ‬عيون‭ ‬مجهولة‭ ‬قد‭ ‬تربكهم‭. ‬وكذلك‭ ‬الأطفال؛‭ ‬لا‭ ‬يفهمون‭ ‬لماذا‭ ‬تظهر‭ ‬لحظة‭ ‬لعب‭ ‬بسيطة‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬لا‭ ‬يعرفونه‭. ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬عاديا‭ ‬للكبار‭ ‬قد‭ ‬يترك‭ ‬أثرا‭ ‬مختلفا‭ ‬تماما‭ ‬عليهم‭.‬

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬بعدٌ‭ ‬آخر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تفكير‭ ‬أعمق؛‭ ‬فالأطفال‭ ‬الذين‭ ‬ظهروا‭ ‬عرَضيا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬ينشأون‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يفصل‭ ‬كثيرا‭ ‬بين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭. ‬وبينما‭ ‬يحاول‭ ‬الكبار‭ ‬حماية‭ ‬مساحتهم،‭ ‬يعيش‭ ‬الصغار‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتحرك‭ ‬فيها‭ ‬الصور‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتمل‭ ‬وعيهم‭ ‬بها‭.‬

ومع‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل،‭ ‬يصبح‭ ‬مهمًّا‭ ‬أن‭ ‬نعلّمهم‭ ‬أن‭ ‬لهم‭ ‬حقا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يختاروا‭ ‬كيف‭ ‬يظهرون،‭ ‬وأن‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬الظهور‭ ‬خيار‭ ‬أصيل‭ ‬أيضا‭. ‬فالحدود‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نعتبرها‭ ‬بديهية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬واضحة‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهذا‭ ‬يضع‭ ‬مسؤولية‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬البيوت‭ ‬والمدارس‭ ‬لتأسيس‭ ‬وعي‭ ‬يحفظ‭ ‬لهم‭ ‬مساحة‭ ‬آمنة‭ ‬تكبر‭ ‬معهم‭.‬

وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬تغيّر‭ ‬دور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬حياتنا؛‭ ‬فقد‭ ‬ساعدتنا‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والتواصل‭ ‬وحفظ‭ ‬الذكريات،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضا‭ ‬جعلت‭ ‬انتشار‭ ‬أي‭ ‬تفصيلة‭ ‬أسرع‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬نستطيع‭ ‬التحكم‭ ‬به‭. ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل،‭ ‬برزت‭ ‬حاجة‭ ‬جديدة‭: ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬رسم‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬استخدام‭ ‬طبيعي‭ ‬للهاتف،‭ ‬واحترام‭ ‬النطاق‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬الناس‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬به‭ ‬لأنفسهم‭. ‬هذا‭ ‬الخط‭ ‬لا‭ ‬تضعه‭ ‬التطبيقات،‭ ‬بل‭ ‬يضعه‭ ‬إدراك‭ ‬الإنسان‭ ‬لحدود‭ ‬الآخرين،‭ ‬وإحساسه‭ ‬بأن‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬خصوصيته‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للعبور‭.‬

خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بدأ‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الدولية‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الكرامة‭ ‬الرقمية‮»‬‭. ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬مصطلحا‭ ‬جديدًا،‭ ‬لكنه‭ ‬يلامس‭ ‬واقعا‭ ‬نعرفه‭ ‬جيدا،‭ ‬حيث‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬شعور‭ ‬قديم‭: ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬للإنسان‭ ‬مساحة‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بعيون‭ ‬تتبعه‭.‬

وهو‭ ‬امتداد‭ ‬طبيعي‭ ‬لفكرة‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬المادة‭ (‬12‭) ‬من‭ ‬الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬التعسفي‭. ‬لكن‭ ‬الفارق‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬تتحرك‭ ‬بسرعة‭ ‬تفوق‭ ‬قدرة‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬ضبطها،‭ ‬وقد‭ ‬تبقى‭ ‬أطول‭ ‬مما‭ ‬يتوقع‭ ‬صاحبها‭.‬

وفي‭ ‬البحرين،‭ ‬جاء‭ ‬تعديل‭ ‬قانون‭ ‬العقوبات‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬ليشدد‭ ‬عقوبة‭ ‬نشر‭ ‬الصور‭ ‬والمقاطع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إذن‭. ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬وواقعية،‭ ‬لأن‭ ‬الموضوع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالذوق‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إنما‭ ‬بشعور‭ ‬الإنسان‭ ‬بالأمان‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومه‭.‬

أي‭ ‬مجتمع‭ ‬صغير‭ ‬مثل‭ ‬مجتمعنا،‭ ‬تتحول‭ ‬أي‭ ‬لقطة‭ ‬عابرة‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُفسَّر‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتُساء‭ ‬نسبتها‭ ‬لأصحابها‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬خرجت‭ ‬بالصدفة‭ ‬فقط‭. ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬البعد‭ ‬الحقوقي‭ ‬بوضوح‭: ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬نطاق‭ ‬يريد‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه،‭ ‬ومساحة‭ ‬يفضّل‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬له،‭ ‬وحيّز‭ ‬شخصي‭ ‬يفضّل‭ ‬أن‭ ‬يعيشه‭ ‬على‭ ‬سجيّته،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬حاضر‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة‭.‬

لا‭ ‬يبحث‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬الاختفاء،‭ ‬ولا‭ ‬يرفضون‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬ذاتها،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬الطمأنينة‭ ‬بأن‭ ‬لحظاتهم‭ ‬اليومية‭ ‬لن‭ ‬تُنتزع‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انتباه‭. ‬هذا‭ ‬الإحساس‭ ‬البسيط‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الحياة‭ ‬أخفّ،‭ ‬ويمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬راحة‭ ‬لا‭ ‬يوفّرها‭ ‬أي‭ ‬نص‭ ‬قانوني‭ ‬وحده‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا