للتعليم مكانة جوهرية وتاريخية لدى أهل المحرق؛ فهي «أم المدن» التي احتضنت أولى بذور المعرفة في المنطقة، فبادر أهالي المحرق بالتعاون مع الحكومة لتأسيس مدرسة الهداية الخليفية عام 1919 كأول مدرسة نظامية في البحرين، ما عكس وعياً مبكراً بضرورة الانتقال من الكتاتيب التقليدية إلى التعليم العصري.
وتُعتبر مدرسة الهداية الخليفية الركيزة الأولى للتعليم النظامي الحديث في مملكة البحرين، حيث لم تكن مجرد فصول دراسية، بل كانت مركزاً ثقافياً واجتماعياً ومقراً للمحاضرات والمسرح والأنشطة الوطنية، ما جعلها محطة فارقة في وجدان أهالي مدينة المحرق العريقة حيث ارتبط بها مفهوم الوجاهة بالعلم والمعرفة، وكذلك باقي مدارس مدينة المحرق لم تكن مجرد فصول للدرس بل مراكز إشعاع ثقافي؛ فالمربي والمدير كان يُعامل كواحد من وجهاء المدينة وتعتبر المدرسة محطة اجتماعية فارقة تربط العائلات ببعضها وتغرس فيهم قيم العلم والثقافة والأدب.
أما مدير مدرسة الهداية الخليفة فكان يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة من دون باقي مديري المدارس توازي كبار الوجهاء نظراً إلى الدور التنويري الذي تلعبه المدرسة، في تلك الحقبة كان المدير شخصية قيادية ومؤثرة في مجتمع المحرق، حيث كانت المدرسة هي القلب النابض للمدينة ومصنعاً للنخب المثقفة التي أدارت مفاصل الدولة لاحقاً.
وهذا ما أكده المربي الراحل الأستاذ خليفة حسين الشوملي الذي تولى إدارة مدرسة الهداية الخليفية للبنين في الفترة من عام 1994 إلى 1997م، وكان أحد أبرز القياديين التربويين ليس في المحرق فقط إنما في البحرين كافة، يُعد الشوملي من الرواد الذين كرسوا حياتهم للتربية والتعليم وتعكس مقولته كيف كان المدير شريكاً في صنع القرار الاجتماعي ورمزاً يحظى بتقدير كل العائلات في المحرق.
كما لم يقتصر شغف أهل المحرق بالتعليم على البنين، بل امتد للفتيات حيث افتتحت مدرسة خديجة الكبرى بالمحرق عام 1928 كأول مدرسة نظامية للبنات ما جعل البحرين رائدة خليجياً في هذا المجال.
ما يُميز أهل المحرق أنهم كانوا مبادرين في دعم العلم والمعرفة فأسهموا بمبادرات مالية ومعنوية مباشرة في بناء وصيانة المدارس التاريخية، إيماناً منهم بأن التعليم هو أساس النهضة البشرية والحضارية، وفي قناعتهم أن التعليم لم يكن مسؤولية رسمية فحسب بل مشروعاً وطنياً تشارك فيه العائلات والوجهاء، كما كانت المحرق مركزاً للنوادي الأدبية والثقافية والمكتبات، مثل نادي البحرين الأدبي الذي تأسس عام 1920 الذي كان منبراً للشعراء والمثقفين والكُتّاب وحلقة وصل ثقافية مع العالم العربي، ما عزز مكانة المدينة كعاصمة للعلم والمعرفة ومهد للنهضة التعليمية ومقراً للنخب الفكرية.
كما شهدت المحرق ولادة أولى المحاولات الصحفية والأدبية، حيث كانت مجالسها مثل مجلس الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، مراكز للنقاشات الأدبية والاجتماعية العميقة التي شكلت الوعي العام، كذلك بيت عبدالله الزايد الذي كان مجلساً ومقراً لمؤسس أول جريدة في البحرين والخليج «جريدة البحرين» في ثلاثينيات القرن الماضي ويعتبر رمزاً لرواد الصحافة والثقافة، وكذلك مجلس بيت سيادي الذي ارتبط بتجارة اللؤلؤ، وكان يستقبل كبار التجار والمفكرين ويتميز بطرازه المعماري الفريد الذي يعكس حقبة ازدهار المحرق وتقدمها، وبيت بن مطر بمكانته التاريخية لعائلة عريقة في تجارة اللؤلؤ الذي تحول اليوم إلى مركز ثقافي «ذاكرة المكان» يوثق تاريخ المحرق وتراثها وبمكتسباتها التاريخية العريقة التي عكست أهمية مكانتها على خارطة العالم الثقافية بفضل هذا الإرث، تخرجت من المحرق أجيال من الرواد الذين قادوا مسيرة التحديث في مختلف قطاعات الدولة وتظل المحرق اليوم، بمبانيها التاريخية التي رُممت لتصبح متاحف ومعارض توثق مسيرة التعليم والثقافة والترابط الاجتماعي الفريد شاهدة على مجتمع جعل من المعرفة ركيزة لهويته.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك