العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مدرسة «الهداية الخليفية» ودورها الرائد في مسيرة المحرق الثقافية

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

للتعليم‭ ‬مكانة‭ ‬جوهرية‭ ‬وتاريخية‭ ‬لدى‭ ‬أهل‭ ‬المحرق؛‭ ‬فهي‭ ‬‮«‬أم‭ ‬المدن‮»‬‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬أولى‭ ‬بذور‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فبادر‭ ‬أهالي‭ ‬المحرق‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬لتأسيس مدرسة‭ ‬الهداية‭ ‬الخليفية عام‭ ‬1919‭ ‬كأول‭ ‬مدرسة‭ ‬نظامية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬ما‭ ‬عكس‭ ‬وعياً‭ ‬مبكراً‭ ‬بضرورة‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الكتاتيب‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬العصري‭.‬

وتُعتبر‮ ‬مدرسة‭ ‬الهداية‭ ‬الخليفية‭ ‬الركيزة‭ ‬الأولى‭ ‬للتعليم‭ ‬النظامي‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬فصول‭ ‬دراسية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مركزاً‭ ‬ثقافياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬ومقراً‭ ‬للمحاضرات‭ ‬والمسرح‭ ‬والأنشطة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬محطة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬أهالي‭ ‬مدينة‭ ‬المحرق‭ ‬العريقة‭ ‬حيث‭ ‬ارتبط‭ ‬بها‭ ‬مفهوم‭ ‬الوجاهة‭ ‬بالعلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وكذلك‭ ‬باقي‭ ‬مدارس‭ ‬مدينة‭ ‬المحرق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬فصول‭ ‬للدرس‭ ‬بل‭ ‬مراكز‭ ‬إشعاع‭ ‬ثقافي؛‭ ‬فالمربي‭ ‬والمدير‭ ‬كان‭ ‬يُعامل‭ ‬كواحد‭ ‬من وجهاء‭ ‬المدينة‭ ‬وتعتبر‭ ‬المدرسة‭ ‬محطة‭ ‬اجتماعية‭ ‬فارقة‭ ‬تربط‭ ‬العائلات‭ ‬ببعضها‭ ‬وتغرس‭ ‬فيهم‭ ‬قيم‭ ‬العلم‭ ‬والثقافة‭ ‬والأدب‭.‬

أما‭ ‬مدير‭ ‬مدرسة‭ ‬الهداية‭ ‬الخليفة‭ ‬فكان‭ ‬يحظى‭ ‬بمكانة‭ ‬اجتماعية‭ ‬مرموقة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬باقي‭ ‬مديري‭ ‬المدارس‭ ‬توازي‭ ‬كبار‭ ‬الوجهاء‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬التنويري‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬المدرسة،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬كان‭ ‬المدير‭ ‬شخصية‭ ‬قيادية‭ ‬ومؤثرة‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬المحرق،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬المدرسة‭ ‬هي‭ ‬القلب‭ ‬النابض‭ ‬للمدينة‭ ‬ومصنعاً‭ ‬للنخب‭ ‬المثقفة‭ ‬التي‭ ‬أدارت‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة‭ ‬لاحقاً‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬المربي‭ ‬الراحل‭ ‬الأستاذ‭ ‬خليفة‭ ‬حسين‭ ‬الشوملي‭ ‬الذي‭ ‬تولى‭ ‬إدارة‭ ‬مدرسة‭ ‬الهداية‭ ‬الخليفية‭ ‬للبنين‭ ‬في‭ ‬الفترة‮ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1994‭ ‬إلى‭ ‬1997م،‭ ‬وكان‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬القياديين‭ ‬التربويين‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المحرق‭ ‬فقط‭ ‬إنما‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬كافة،‭ ‬يُعد‭ ‬الشوملي‭ ‬من‭ ‬الرواد‭ ‬الذين‭ ‬كرسوا‭ ‬حياتهم‭ ‬للتربية‭ ‬والتعليم‭ ‬وتعكس‭ ‬مقولته‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬المدير‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ورمزاً‭ ‬يحظى‭ ‬بتقدير‭ ‬كل‭ ‬العائلات‭ ‬في‭ ‬المحرق‭.‬

كما لم‭ ‬يقتصر‭ ‬شغف‭ ‬أهل‭ ‬المحرق‭ ‬بالتعليم‭ ‬على‭ ‬البنين،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬للفتيات‭ ‬حيث‭ ‬افتتحت‭ ‬مدرسة‭ ‬خديجة‭ ‬الكبرى‭ ‬بالمحرق‭ ‬عام‭ ‬1928‭ ‬كأول‭ ‬مدرسة‭ ‬نظامية‭ ‬للبنات‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬البحرين‭ ‬رائدة‭ ‬خليجياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

ما‭ ‬يُميز‭ ‬أهل‭ ‬المحرق‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬مبادرين‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬فأسهموا‭ ‬بمبادرات‭ ‬مالية‭ ‬ومعنوية‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وصيانة‭ ‬المدارس‭ ‬التاريخية،‭ ‬إيماناً‭ ‬منهم‭ ‬بأن‭ ‬التعليم‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬النهضة‭ ‬البشرية‭ ‬والحضارية،‭ ‬وفي‭ ‬قناعتهم‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مسؤولية‭ ‬رسمية‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬مشروعاً‭ ‬وطنياً‭ ‬تشارك‭ ‬فيه‭ ‬العائلات‭ ‬والوجهاء،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬المحرق‭ ‬مركزاً‭ ‬للنوادي‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية‭ ‬والمكتبات،‭ ‬مثل نادي‭ ‬البحرين‭ ‬الأدبي‮ ‬الذي‭ ‬تأسس‭ ‬عام‭ ‬1920‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬منبراً‭ ‬للشعراء‭ ‬والمثقفين‭ ‬والكُتّاب‭ ‬وحلقة‭ ‬وصل‭ ‬ثقافية‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬مكانة‭ ‬المدينة‭ ‬كعاصمة‭ ‬للعلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬ومهد‭ ‬للنهضة‭ ‬التعليمية‭ ‬ومقراً‭ ‬للنخب‭ ‬الفكرية‭.‬

كما‭ ‬شهدت‭ ‬المحرق‭ ‬ولادة‭ ‬أولى‭ ‬المحاولات‭ ‬الصحفية‭ ‬والأدبية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬مجالسها‭ ‬مثل‭ ‬مجلس‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬مراكز‭ ‬للنقاشات‭ ‬الأدبية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬الوعي‭ ‬العام،‭ ‬كذلك‭ ‬بيت‭ ‬عبدالله‭ ‬الزايد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مجلساً‭ ‬ومقراً‭ ‬لمؤسس‭ ‬أول‭ ‬جريدة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والخليج‭ ‬‮«‬جريدة‭ ‬البحرين‮»‬‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ويعتبر‭ ‬رمزاً‭ ‬لرواد الصحافة‭ ‬والثقافة،‭ ‬وكذلك‭ ‬مجلس‭ ‬بيت‭ ‬سيادي‭ ‬الذي‮ ‬ارتبط‭ ‬بتجارة‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬وكان‭ ‬يستقبل‭ ‬كبار‭ ‬التجار‭ ‬والمفكرين‭ ‬ويتميز‭ ‬بطرازه‭ ‬المعماري‭ ‬الفريد‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬حقبة‭ ‬ازدهار‭ ‬المحرق‭ ‬وتقدمها،‭ ‬وبيت‭ ‬بن‭ ‬مطر‭ ‬بمكانته‭ ‬التاريخية‮ ‬‭ ‬لعائلة‭ ‬عريقة‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬ثقافي‭ ‬‮«‬ذاكرة‭ ‬المكان‮»‬‭ ‬يوثق‭ ‬تاريخ‭ ‬المحرق‭ ‬وتراثها‭ ‬وبمكتسباتها‭ ‬التاريخية‭ ‬العريقة‭ ‬التي‭ ‬عكست‭ ‬أهمية‭ ‬مكانتها‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬العالم‭ ‬الثقافية‭ ‬بفضل‭ ‬هذا‭ ‬الإرث،‭ ‬تخرجت‭ ‬من‭ ‬المحرق‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬الرواد‭ ‬الذين‭ ‬قادوا‭ ‬مسيرة‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬قطاعات‭ ‬الدولة‭ ‬وتظل‭ ‬المحرق‭ ‬اليوم،‭ ‬بمبانيها‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬رُممت‭ ‬لتصبح‭ ‬متاحف‭ ‬ومعارض‭ ‬توثق‭ ‬مسيرة‭ ‬التعليم‭ ‬والثقافة‭ ‬والترابط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الفريد‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬مجتمع‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬ركيزة‭ ‬لهويته‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا