العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الحملة الأمريكية على فنزويلا وإعادة رسم ملامح السياسة العالمية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬شكل‭ ‬الهجوم‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬حدثًا‭ ‬مفصليًا‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬العالمية،‭ ‬ألقى‭ ‬بظلاله‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬أقدمت‭ ‬عليها‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬ضد‭ ‬نيكولاس‭ ‬مادورو،‭ ‬الرئيس‭ ‬الفنزويلي،‭ ‬بمثابة‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬لمجتمع‭ ‬الأمم،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قانونية‭ ‬الأعمال‭ ‬الحربية،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إشاراتها‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭.‬

وبينما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬ستؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬المعادية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فإن‭ ‬تداعياتها‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬فنزويلا،‭ ‬وتستشعرها‭ ‬مناطق‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬من‭ ‬نهايته،‭ ‬قدم‭ ‬خبراء‭ ‬غربيون‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الدولية‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التوقعات‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬مُقيّمين‭ ‬مستقبل‭ ‬الصراعات‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬التطورات‭ ‬المرتقبة‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬شدد‭ ‬روبرت‭ ‬أ‭. ‬مانينغ‭ ‬وماثيو‭ ‬بوروز،‭ ‬وهما‭ ‬زميلان‭ ‬متميزان‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬ستيمسون،‭ ‬على‭ ‬عواقب‭ ‬أحدث‭ ‬استراتيجية‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025،‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أيام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬برمته‭ ‬كأطلس‭ ‬قد‭ ‬ولت‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬تجلّى‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬بوضوح‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬الجديد،‭ ‬حين‭ ‬اختطفت‭ ‬القوات‭ ‬الخاصة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الرئيس‭ ‬الفنزويلي‭ ‬نيكولاس‭ ‬مادورو‭ ‬من‭ ‬مجمعه‭ ‬الرئاسي،‭ ‬تزامنًا‭ ‬مع‭ ‬هجوم‭ ‬واسع‭ ‬شنّته‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬كاراكاس‭ ‬ومدن‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬

إن‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬تأكيد‭ ‬للقوة‭ ‬الأمريكية‮»‬‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي،‭ ‬واجه‭ ‬استنكارًا‭ ‬واسعًا‭ ‬من‭ ‬مراقبين‭ ‬خبراء‭ ‬اعتبروه‭ ‬انتهاكًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭. ‬وأكد‭ ‬البروفيسور‭ ‬مارك‭ ‬ويلر،‭ ‬رئيس‭ ‬قسم‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬بجامعة‭ ‬كامبريدج،‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬مبرر‭ ‬له‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬أقرّ‭ ‬دونالد‭ ‬روثويل،‭ ‬أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الوطنية‭ ‬الأسترالية،‭ ‬بأنه‭ ‬مثال‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬‮«‬التاريخ‭ ‬الطويل‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬العالمي‭ ‬بصفة‭ ‬استثنائية‮»‬‭.‬

يثير‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬تساؤلات‭ ‬ملحة‭ ‬حول‭ ‬الدور‭ ‬المستقبلي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬العالمية،‭ ‬وقائمة‭ ‬الحكومات‭ ‬المعادية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الهدف‭ ‬التالي‭ ‬لغضب‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭. ‬وقد‭ ‬حذر‭ ‬جيريمي‭ ‬بوين،‭ ‬المحرر‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تصرفات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ستشكل‭ ‬‮«‬سابقة‭ ‬للقوى‭ ‬الاستبدادية‮»‬‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬لاستخدام‭ ‬العنف‭ ‬بالمثل‭ ‬للإطاحة‭ ‬بأعدائها‭. ‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬إيما‭ ‬آش‭ ‬فورد،‭ ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬ستيمسون،‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الضربة‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬‮«‬قد‭ ‬تُشير‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إدمان‭ ‬أمريكا‭ ‬لتغيير‭ ‬الأنظمة‭ ‬كارثي‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬مصير‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بعد‭ ‬مصير‭ ‬مادورو‭ ‬سيكون‭ ‬عاملًا‭ ‬مهيمنًا‭ ‬على‭ ‬الحسابات‭ ‬الإقليمية‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬المقبل‭ ‬وما‭ ‬بعده‭.‬

منذ‭ ‬دخول‭ ‬ترامب‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2017،‭ ‬ركّز‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬بوصفها‭ ‬الخصم‭ ‬الرئيسي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي،‭ ‬واستجاب‭ ‬للأصوات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬المرتفعة‭ ‬التي‭ ‬تطالب‭ ‬بتغيير‭ ‬النظام‭ ‬بفرض‭ ‬أمريكي،‭ ‬مواصلاً‭ ‬بذلك‭ ‬عقودًا‭ ‬من‭ ‬التدخلات‭ ‬الأمريكية‭ ‬العنيفة‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬أقرب‭ ‬جيرانها‭. ‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬رصد‭ ‬مكافأة‭ ‬قدرها‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬لمن‭ ‬يُلقي‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬مادورو‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025،‭ ‬لجأ‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬العمليات‭ ‬السرية،‭ ‬فوّض‭ ‬وكالة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬المركزية‭ ‬لمحاولة‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬داخل‭ ‬فنزويلا،‭ ‬وتبع‭ ‬ذلك‭ ‬ترهيبًا‭ ‬شاملًا‭ ‬ممثلًا‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬أكبر‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬أمريكية،‭ ‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬جيرالد‭ ‬آر‭ ‬فورد،‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الكاريبي‭.‬

رغم‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬مادورو،‭ ‬بقي‭ ‬بقية‭ ‬نظامه‭ ‬سليمًا،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تنوي‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬التعامل‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬كاراكاس‭ ‬مستقبلًا‭. ‬ولكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تمت‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السؤال؛‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬استبعد‭ ‬ترامب‭ ‬شخصية‭ ‬المعارضة‭ ‬البارزة‭ ‬ماريا‭ ‬كورينا‭ ‬ماتشادو،‭ ‬أضاف‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬لإدارته‭ ‬هو‭ ‬‮«‬إدارة‮»‬‭ ‬فنزويلا‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬حدوث‭ ‬‮«‬انتقال‭ ‬آمن‭ ‬وسليم‭ ‬وحكيم‮»‬‭ ‬للسلطة‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬هذا‭ ‬الدافع‭ ‬هو‭ ‬امتلاك‭ ‬فنزويلا‭ ‬أكبر‭ ‬احتياطيات‭ ‬نفطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتداعيات‭ ‬الدولية‭ ‬الأوسع،‭ ‬يُمثل‭ ‬هجوم‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬واختطاف‭ ‬زعيمها‭ ‬عودةً‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬تغيير‭ ‬النظام‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬اتبعته‭ ‬الإدارات‭ ‬السابقة‭ ‬بنتائج‭ ‬كارثية‭. ‬خلال‭ ‬حملتيه‭ ‬الرئاسيتين‭ ‬الناجحتين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬انتقد‭ ‬ترامب‭ ‬بشدة‭ ‬عقودًا‭ ‬من‭ ‬إخفاقات‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وشعار‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولًا‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬رفض‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬عندما‭ ‬يُقرن‭ ‬الضربة‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬بالدعم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والعسكري‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬قصف‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬تساءل‭ ‬راجان‭ ‬مينون‭ ‬عن‭ ‬استعداد‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬أسلافه‭ ‬للجوء‭ ‬إلى‭ ‬التدخلات‭ ‬العسكرية‮»‬‭.‬

كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬دعم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لجرائم‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والهجمات‭ ‬الجوية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬فقد‭ ‬ندد‭ ‬خبراء‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬باعتقال‭ ‬مادورو‭ ‬واعتبروه‭ ‬غير‭ ‬قانوني‭. ‬وأوضح‭ ‬ويلر‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬قيل‭ ‬إنها‭ ‬مهمة‭ ‬‮«‬استخراج‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬‮«‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‮»‬‭ ‬تمحورت‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الاختطاف‭ ‬القسري‭ ‬لرئيس‭ ‬في‭ ‬منصبه‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬القوات‭ ‬الخاصة‭ ‬الأمريكية‮»‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬كان‭ ‬‮«‬انتهاكًا‭ ‬صارخًا‭ ‬للسيادة‭ ‬الفنزويلية‮»‬‭ ‬وميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الذي‭ ‬يحظر‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬السلامة‭ ‬الإقليمية‭ ‬أو‭ ‬الاستقلال‭ ‬السياسي‮»‬‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬سلط‭ ‬روثويل‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬لم‭ ‬تحاول‭ ‬تبرير‭ ‬ضرباتها‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬استشهدت‭ ‬بالقوانين‭ ‬الأمريكية‭ ‬المحلية‭ ‬‮«‬لتجاهل‭ ‬القواعد‭ ‬الدولية‭ ‬تمامًا‮»‬‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬فإن‭ ‬طموحات‭ ‬واشنطن‭ ‬لإزاحة‭ ‬النظام‭ ‬الفنزويلي‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬معروفة‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬وتصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬ماركو‭ ‬روبيو‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الحالي‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬شرعيًا‮»‬‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬الهجوم‭ ‬الأمريكي‭.‬

بعد‭ ‬عامين‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬الأمريكية‭ ‬بأن‭ ‬الرئيس‭ ‬يتمتع‭ ‬بحصانة‭ ‬شبه‭ ‬مطلقة‭ ‬عن‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬أثناء‭ ‬توليه‭ ‬منصبه،‭ ‬من‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬شنّ‭ ‬هجومه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إخطار‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬موافقته،‭ ‬مما‭ ‬يرسخ‭ ‬سابقة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬الأمريكية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬شنّ‭ ‬هجمات‭ ‬مدمرة‭ ‬للغاية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬رقابة‭.‬

وكما‭ ‬أشار‭ ‬روثويل‭ ‬ساخرًا،‭ ‬فإن‭ ‬موقف‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬القائل‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬قوانينها‭ ‬تسمو‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬القوانين‭ ‬الأخرى‮»‬‭ ‬يستند‭ ‬أيضًا‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬افتراض‭ ‬إمكانية‭ ‬إدارة‭ ‬أي‭ ‬استنكار‭ ‬دولي‭ ‬قد‭ ‬تواجهه‭ ‬أو‭ ‬تجاهله‭ ‬بأمان‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬أدان‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬أنطونيو‭ ‬غوتيريش،‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬ووصفه‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬سابقة‭ ‬خطيرة‮»‬‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الدولية‭ ‬المتكررة‭.‬

بينما‭ ‬أشار‭ ‬ويلر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬‮«‬قد‭ ‬تكون‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬فيها‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬تخلت‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬وحدتها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‮»‬،‭ ‬أوضح‭ ‬دانيال‭ ‬دبليو‭ ‬دريزنر،‭ ‬أستاذ‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬تافتس‭ ‬وزميل‭ ‬أول‭ ‬غير‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬شيكاغو‭ ‬للشؤون‭ ‬العالمية،‭ ‬أن‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ ‬الإطاحة‭ ‬بمادورو‭ ‬‮«‬لتهديد‭ ‬قادة‮»‬‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحلفاء‭ ‬المتمردين‭ ‬والخصوم‭ ‬الضعفاء‮»‬‭ ‬للتماشي‭ ‬مع‭ ‬مطالب‭ ‬واشنطن‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

ينطبق‭ ‬هذا‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬الذي‭ ‬طور‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬وثيقة‭ ‬مع‭ ‬مادورو‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬مينون‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬مناورة‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬فنزويلا‭ ‬ستغري‭ ‬إيران‭ ‬بمحاولة‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬فيها‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬توماس‭ ‬إس‭. ‬واريك،‭ ‬الزميل‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬الأطلسي،‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬اختطاف‭ ‬مادورو‭ ‬‮«‬استغرقت‭ ‬شهورًا‭ ‬من‭ ‬التخطيط‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تهديد‭ ‬هجوم‭ ‬أمريكي‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬يُخيّم‭ ‬بثقله‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وقد‭ ‬سلطت‭ ‬كيرستن‭ ‬فونتينروز،‭ ‬الزميلة‭ ‬البارزة‭ ‬غير‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭ ‬أمن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬التابعة‭ ‬للمجلس‭ ‬الأطلسي،‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬‮«‬يُشير‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬بأن‭ ‬واشنطن‭ ‬تزداد‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬ضد‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬متعددة‭ ‬الطبقات،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬طهران‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العروض‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الحالية‮»‬‭ ‬لتخفيف‭ ‬العقوبات‭ ‬لن‭ ‬توفر‭ ‬حماية‭ ‬ضد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭. ‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬اختطف‭ ‬فيه‭ ‬ترامب‭ ‬مادورو،‭ ‬هددت‭ ‬إيران‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لقمع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الداخلية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مطالب‭ ‬واشنطن‭ ‬بـ«الاستسلام‭ ‬التام‮»‬،‭ ‬خلصت‭ ‬نيجار‭ ‬مرتضوي،‭ ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬‮«‬غير‭ ‬مهتم‭ ‬بالتفاوض‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‮»‬‭.‬

في‭ ‬أعقاب‭ ‬الضربة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬فنزويلا،‭ ‬أشار‭ ‬الرئيس‭ ‬الأوكراني‭ ‬فولوديمير‭ ‬زيلينسكي‭ ‬بسخرية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬التالي‭ ‬لعملية‭ ‬اختطاف‭ ‬سرية،‭ ‬لكن‭ ‬أولويات‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬تظهر‭ ‬أن‭ ‬حلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التاريخيين‭ ‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للترهيب‭ ‬العسكري‭ ‬والعمل‭ ‬العنيف‭ ‬المحتمل‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أشار‭ ‬ويلر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إعلان‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬إدارة‮»‬‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬لفنزويلا‭ ‬يمكن‭ ‬مقارنته‭ ‬بالغزو‭ ‬الروسي‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إزاحة‮»‬‭ ‬الحكومة‭ ‬المعترف‭ ‬بها‭ ‬دوليًا‭ ‬وتحويل‭ ‬كييف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬تابعة‮»‬‭. ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬أدان‭ ‬الأخير‭ ‬تصرفات‭ ‬الجمهوريين‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تزيد‭ ‬من‭ ‬تآكل‭ ‬الثقة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬المبدأ‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬أهوال‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬والذي‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬للدول‭ ‬فرض‭ ‬مطالبها‭ ‬القانونية‭ ‬أو‭ ‬السياسية‭ ‬باستخدام‭ ‬القوة‮»‬‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬المعيار‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الدولية،‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬بشن‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬لإطاحة‭ ‬الأنظمة‭ ‬المعادية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عواقب‭ ‬قانونية‭ ‬أو‭ ‬إدانات‭ ‬من‭ ‬حلفاء‭ ‬واشنطن،‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عواقب‭ ‬وخيمة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

بينما‭ ‬يواصل‭ ‬العالم‭ ‬تأمل‭ ‬تداعيات‭ ‬الهجوم‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬فنزويلا،‭ ‬تبرز‭ ‬حقيقة‭ ‬واحدة‭: ‬إن‭ ‬تزايد‭ ‬تدخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للدول‭ ‬ذات‭ ‬السيادة‭ ‬لن‭ ‬يؤدي‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بل‭ ‬سيعيد‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬برمته‭. ‬فالمستقبل‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬الآن‭ ‬مشوهًا‭ ‬بمصير‭ ‬الدول‭ ‬المتمردة‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الأفق‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التوترات‭ ‬العسكرية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬عواقب‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬مما‭ ‬يعتقده‭ ‬البعض،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬عليها‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬على‭ ‬المحك،‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬مواجهة‭ ‬عالمية‭ ‬جديدة،‭ ‬تحكمها‭ ‬قوانين‭ ‬القوة‭ ‬لا‭ ‬قوانين‭ ‬الحق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا