في مطلع عام 2026، شكل الهجوم الأمريكي على فنزويلا حدثًا مفصليًا في الجغرافيا السياسية العالمية، ألقى بظلاله على مستقبل النظام الدولي. كانت تلك العملية العسكرية التي أقدمت عليها إدارة ترامب ضد نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي، بمثابة جرس إنذار لمجتمع الأمم، ليس فقط من حيث قانونية الأعمال الحربية، ولكن أيضًا من خلال إشاراتها إلى تحول جوهري في السياسة الخارجية الأمريكية.
وبينما يبدو أن الفوضى التي أعقبت هذا الهجوم ستؤثر بشكل واضح على الدول المعادية للولايات المتحدة، فإن تداعياتها تصل إلى ما هو أبعد من فنزويلا، وتستشعرها مناطق متعددة في العالم، خاصة في الشرق الأوسط.
ومع اقتراب عام 2025 من نهايته، قدم خبراء غربيون في الشؤون الدولية العديد من التوقعات حول ما قد يحدث في عام 2026، مُقيّمين مستقبل الصراعات الكبرى من غزة إلى أوكرانيا، إضافةً إلى التطورات المرتقبة في الجغرافيا السياسية والاقتصاد والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، شدد روبرت أ. مانينغ وماثيو بوروز، وهما زميلان متميزان في مركز ستيمسون، على عواقب أحدث استراتيجية للأمن القومي الأمريكي الصادرة في نوفمبر 2025، التي أعلنت أن «أيام الولايات المتحدة التي تدعم النظام العالمي برمته كأطلس قد ولت».
وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح بعد ثلاثة أيام فقط من بداية العام الجديد، حين اختطفت القوات الخاصة الأمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مجمعه الرئاسي، تزامنًا مع هجوم واسع شنّته الطائرات الأمريكية على كاراكاس ومدن رئيسية في البلاد.
إن ما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه «إعادة تأكيد للقوة الأمريكية» في نصف الكرة الغربي، واجه استنكارًا واسعًا من مراقبين خبراء اعتبروه انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي. وأكد البروفيسور مارك ويلر، رئيس قسم القانون الدولي بجامعة كامبريدج، أنه «لا مبرر له»، بينما أقرّ دونالد روثويل، أستاذ القانون الدولي في الجامعة الوطنية الأسترالية، بأنه مثال آخر على «التاريخ الطويل للولايات المتحدة في التعامل مع سيادة القانون العالمي بصفة استثنائية».
يثير هذا الهجوم تساؤلات ملحة حول الدور المستقبلي للولايات المتحدة في الجغرافيا السياسية العالمية، وقائمة الحكومات المعادية التي قد تكون الهدف التالي لغضب إدارة ترامب. وقد حذر جيريمي بوين، المحرر الدولي في بي بي سي، من أن تصرفات الرئيس الأمريكي ستشكل «سابقة للقوى الاستبدادية» في جميع أنحاء العالم لاستخدام العنف بالمثل للإطاحة بأعدائها.
علاوة على ذلك، ورغم أن إيما آش فورد، الباحثة في مركز ستيمسون، أشارت إلى أن الضربة على فنزويلا «قد تُشير في نهاية المطاف إلى أن إدمان أمريكا لتغيير الأنظمة كارثي في نصف الكرة الغربي كما كان في الشرق الأوسط»، فإن مصير النظام الإيراني بعد مصير مادورو سيكون عاملًا مهيمنًا على الحسابات الإقليمية خلال العام المقبل وما بعده.
منذ دخول ترامب البيت الأبيض في يناير 2017، ركّز على فنزويلا بوصفها الخصم الرئيسي للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، واستجاب للأصوات العسكرية والسياسية المرتفعة التي تطالب بتغيير النظام بفرض أمريكي، مواصلاً بذلك عقودًا من التدخلات الأمريكية العنيفة في شؤون أقرب جيرانها.
بعد أن رصد مكافأة قدرها 50 مليون دولار لمن يُلقي القبض على مادورو في أغسطس 2025، لجأ ترامب إلى العمليات السرية، فوّض وكالة الاستخبارات المركزية لمحاولة إسقاط النظام داخل فنزويلا، وتبع ذلك ترهيبًا شاملًا ممثلًا في نشر أكبر حاملة طائرات أمريكية، يو إس إس جيرالد آر فورد، في منطقة الكاريبي.
رغم القبض على مادورو، بقي بقية نظامه سليمًا، ما أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة التي تنوي إدارة ترامب التعامل بها مع كاراكاس مستقبلًا. ولكن سرعان ما تمت الإجابة على هذا السؤال؛ فبعد أن استبعد ترامب شخصية المعارضة البارزة ماريا كورينا ماتشادو، أضاف أن الهدف طويل الأمد لإدارته هو «إدارة» فنزويلا بشكل مباشر إلى حين حدوث «انتقال آمن وسليم وحكيم» للسلطة. ومن الواضح أن ما يفسر هذا الدافع هو امتلاك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية في العالم.
فيما يتعلق بالتداعيات الدولية الأوسع، يُمثل هجوم البيت الأبيض في عهد ترامب على فنزويلا واختطاف زعيمها عودةً واضحة إلى شعار «تغيير النظام» الذي اتبعته الإدارات السابقة بنتائج كارثية. خلال حملتيه الرئاسيتين الناجحتين في الولايات المتحدة، انتقد ترامب بشدة عقودًا من إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية، وشعار «أمريكا أولًا» الذي يتمحور حول رفض التدخلات الخارجية. ومع ذلك، عندما يُقرن الضربة على فنزويلا بالدعم الاقتصادي والعسكري لإسرائيل في غزة، فضلًا عن قصف إيران في يونيو 2025، تساءل راجان مينون عن استعداد ترامب «ليس أقل من أسلافه للجوء إلى التدخلات العسكرية».
كما هو الحال مع دعم الولايات المتحدة لجرائم الحرب الإسرائيلية والهجمات الجوية على إيران، فقد ندد خبراء القانون الدولي باعتقال مادورو واعتبروه غير قانوني. وأوضح ويلر أن العملية التي قيل إنها مهمة «استخراج» كانت في الواقع «عملية عسكرية واسعة النطاق» تمحورت حول «الاختطاف القسري لرئيس في منصبه على يد القوات الخاصة الأمريكية»، وبالتالي كان «انتهاكًا صارخًا للسيادة الفنزويلية» وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة ضد «السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي» لأي دولة أخرى.
والأهم من ذلك، سلط روثويل الضوء على أن إدارة ترامب «لم تحاول تبرير ضرباتها بالقانون الدولي»، بل استشهدت بالقوانين الأمريكية المحلية «لتجاهل القواعد الدولية تمامًا». في الواقع، فإن طموحات واشنطن لإزاحة النظام الفنزويلي من السلطة معروفة منذ عقود، وتصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن «النظام الحالي لا يعتبر شرعيًا» تشير إلى حقيقة الهجوم الأمريكي.
بعد عامين من حكم المحكمة العليا الأمريكية بأن الرئيس يتمتع بحصانة شبه مطلقة عن الأفعال التي يرتكبها أثناء توليه منصبه، من اللافت أن البيت الأبيض شنّ هجومه من دون إخطار الكونجرس الأمريكي، ناهيك عن الحصول على موافقته، مما يرسخ سابقة مفادها أن السلطة التنفيذية الأمريكية قادرة على شنّ هجمات مدمرة للغاية من دون أي رقابة.
وكما أشار روثويل ساخرًا، فإن موقف الحكومة الأمريكية القائل بأن «قوانينها تسمو على جميع القوانين الأخرى» يستند أيضًا «إلى افتراض إمكانية إدارة أي استنكار دولي قد تواجهه أو تجاهله بأمان». وقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الهجوم على فنزويلا ووصفه بأنه «سابقة خطيرة» تدعو إلى القلق من الانتهاكات الدولية المتكررة.
بينما أشار ويلر إلى أن هذه الحادثة «قد تكون اللحظة التي تدرك فيها أوروبا الغربية أن الولايات المتحدة قد تخلت بشكل حاسم عن القيم الأساسية التي وحدتها على مدى القرن الماضي»، أوضح دانيال دبليو دريزنر، أستاذ السياسة الدولية في جامعة تافتس وزميل أول غير مقيم في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، أن البيت الأبيض من المرجح أن يستخدم الإطاحة بمادورو «لتهديد قادة» كل من «الحلفاء المتمردين والخصوم الضعفاء» للتماشي مع مطالب واشنطن الجيوسياسية والاقتصادية.
ينطبق هذا بشكل خاص على النظام الإيراني في طهران، الذي طور علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع مادورو. ورغم أن مينون أشار إلى أنه «ليس من المؤكد أن مناورة ترامب في فنزويلا ستغري إيران بمحاولة تغيير النظام فيها»، كما ذكر توماس إس. واريك، الزميل في المجلس الأطلسي، أن عملية اختطاف مادورو «استغرقت شهورًا من التخطيط»، إلا أن تهديد هجوم أمريكي بالتنسيق مع إسرائيل يُخيّم بثقله على منطقة الشرق الأوسط.
وقد سلطت كيرستن فونتينروز، الزميلة البارزة غير المقيمة في مبادرة أمن الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، الضوء على أن الهجوم على فنزويلا «يُشير إلى إيران بأن واشنطن تزداد ثقة في قدرتها على العمل ضد أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، التي تعتمد عليها طهران». كما أشارت إلى أن «العروض الدبلوماسية الحالية» لتخفيف العقوبات لن توفر حماية ضد المزيد من الضربات العسكرية.
في الوقت الذي اختطف فيه ترامب مادورو، هددت إيران بالقوة العسكرية لقمع الاحتجاجات الداخلية. ومع ذلك، في مواجهة مطالب واشنطن بـ«الاستسلام التام»، خلصت نيجار مرتضوي، الباحثة في مركز السياسة الدولية، إلى أن النظام الإيراني لا يزال «غير مهتم بالتفاوض مع إدارة ترامب».
في أعقاب الضربة الأمريكية على فنزويلا، أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بسخرية إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجب أن يكون الهدف التالي لعملية اختطاف سرية، لكن أولويات ترامب في السياسة الخارجية تظهر أن حلفاء الولايات المتحدة التاريخيين هم أكثر عرضة للترهيب العسكري والعمل العنيف المحتمل.
في هذا السياق، أشار ويلر إلى أن إعلان ترامب «إدارة» الشؤون الداخلية لفنزويلا يمكن مقارنته بالغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، الذي سعى إلى «إزاحة» الحكومة المعترف بها دوليًا وتحويل كييف إلى «دولة تابعة». بناءً على ذلك، أدان الأخير تصرفات الجمهوريين التي «تزيد من تآكل الثقة الدولية في المبدأ الذي تم الاتفاق عليه بعد أهوال الحربين العالميتين في القرن العشرين، والذي ينص على أنه لا يجوز للدول فرض مطالبها القانونية أو السياسية باستخدام القوة».
إن هذا المعيار الجديد في الشؤون الدولية، الذي يسمح للرئيس الأمريكي بشن عمليات عسكرية لإطاحة الأنظمة المعادية حول العالم من دون عواقب قانونية أو إدانات من حلفاء واشنطن، من المرجح أن يؤدي إلى عواقب وخيمة في الشرق الأوسط.
بينما يواصل العالم تأمل تداعيات الهجوم الأمريكي على فنزويلا، تبرز حقيقة واحدة: إن تزايد تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة لن يؤدي فقط إلى زعزعة الاستقرار في القارة الأمريكية، بل سيعيد رسم ملامح النظام الدولي برمته. فالمستقبل الذي يبدو الآن مشوهًا بمصير الدول المتمردة قد يفتح الأفق لمرحلة جديدة من التوترات العسكرية والإقليمية، خصوصًا في الشرق الأوسط. عواقب هذه السياسات قد تكون أكثر عمقًا مما يعتقده البعض، إذ إن القيم التي قام عليها النظام الدولي قد أصبحت على المحك، ما يستدعي مواجهة عالمية جديدة، تحكمها قوانين القوة لا قوانين الحق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك