لم يكن اندلاع الاحتجاجات في إيران مستغربا ولم تكن هذه الاحتجاجات هي الأولى ولن تكون الأخيرة في ظل الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها الشعب الإيراني منذ فترة في ظل إصرار القيادة الإيرانية على انتهاج سياسة لا تراعي مصالح المواطن الإيراني الذي يرزح تحت وطأة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية وغيرها وغياب الدعم الحكومي وزيادة نسبة التضخم ووصولها إلى مستويات قياسية وفي ظل ارتفاع معدلات البطالة وخصوصا بين الشباب من خريجي الجامعات في مختلف التخصصات، فخلال فترة بسيطة فقدت العملة الإيرانية 25% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي حيث خسرت أعدادا كبيرة من المواطنين الإيرانيين مدخراتهم ولذلك لم يكن مستغربا أن ينتفض الشعب الإيراني ضد هذه الأوضاع السيئة ويخرج إلى الشوارع يوم 28 ديسمبر الماضي للتعبير عن سخطهم لانهيار العملة الوطنية ورفضهم ارتفاع الأسعار وغياب الخدمات الأساسية متزامنا ذلك مع إضراب تجار وأصحاب بازار طهران الذين هم أيضا تضرروا من تدهور الأوضاع المالية وسرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات إلى انتفاضة شعبية اجتماعية عمت البلاد بأكملها وشملت مختلف المحافظات الإيرانية رافعين شعارات اقتصادية ومن ثم تحولت إلى شعارات سياسية تنادي بإسقاط النظام الديني الذي يحكم البلاد بقبضة حديدية وبالحديد والنار منذ عام 1979 بعد انتصار الثورة الإيرانية وإسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي بقيادة الخميني.
احتجاجات إيران اختلفت هذه المرة عن الاحتجاجات السابقة التي شهدتها البلاد وفي فترات مختلفة من حيث قوتها وحجم المشاركة فيها سواء من جانب المواطنين أو تجار التجزئة أو مؤسسات المجتمع المدني، ما يعكس مستوى الاستياء بين مكونات المجتمع الإيراني وعدم الرضا من السياسات الحكومية التي أدت إلى تدهور الأوضاع المعيشية بصورة سريعة ودراماتيكية ومن ثم زيادة نسبة الفقر التي طالت حتى الفئات الوسطى.
لقد تعاملت قوات الأمن الإيرانية كما في الاحتجاجات السابقة مع الاحتجاجات الأخيرة بكل قساوة وعنف مستخدمة مختلف والوسائل القمعية بما فيها إطلاق الرصاص الحي على المحتجين السلميين المجردين من أبسط وسائل الدفاع عن النفس ما أدى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى بلغ عددهم 12 ألف قتيل وجريح واعتقال أكثر من 40 ألف شخص بحسب قناة المعارضة الإيرانية التي تبث من الخارج ضمن حملة دموية نفذتها القوات الأمن الإيرانية التي انتشرت بكثافة في الشوارع والطرقات والمحافظات والأقاليم الإيرانية وبعد قطع خدمة الانترنت والاتصالات في إيران وعزلها عن العالم للتستر على جرائم النظام ضد المحتجين العزل في ظل عدم التزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوعوده بحماية المتظاهرين السلميين والتدخل في حالة استعمال القوة ضدهم أو قتلهم بل على العكس من ذلك تماما فقد شكر الرئيس الأمريكي القيادة الإيرانية لإلغائها كل عمليات الإعدام المقررة على المتظاهرين رغم عدم إعلان إيران تنفيذ مثل هذه الإعدامات ورغم عدم إعلانها إلغاءها ورغم اتهام المرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي للولايات المتحدة الأمريكية بإشعال الاضطرابات والفتنة في إيران لخدمة أهدافها الخاصة مؤكدا أن إيران لن تتسامح مع المجرمين.
وبحسب العديد من المحليين السياسيين والمتابعين للشأن الإيراني فإن تراجع الرئيس الأمريكي عن موقفه بناء على ضغوطات إقليمية ودولية ودعوات بعض العواصم المؤثرة في السياسة الدولية خوفا من أن يؤدي التدخل الأمريكي إلى فوضى داخلية في إيران وصراعات طائفية وعرقية ودموية في ظل تعدد التركيبة السكانية الإيرانية قد تتحول إلى حرب أهلية بسبب عدم وجود قوى إيرانية بديلة، أو قد لا يؤدي هذا التدخل إلى إسقاط النظام ما يعني دخول الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة مفتوحة طويلة الأمد مع النظام تكون مكلفة لأمريكا.
إن عودة الهدوء إلى إيران رغم الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الإيراني من دمه وحياته لا يعني أن الشعب الإيراني سوف يتراجع عن المطالبة بحقوقه المشروعة، وبناء عليه لا خيار أمام النظام الإيراني والقيادة الإيرانية إلا الاستماع إلى المطالب الشعبية وتسخير خيرات البلاد لرفاهية الشعب الإيراني لأن الشعب الإيراني مصر على حقوقه مهما كلف ذلك بدلا من صرفها لتحقيق أهداف وأجندات خارجية على حساب الشعب الإيراني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك