العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٥ - الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ماذا بعد قمع الاحتجاجات الإيرانية؟

بقلم: د. نبيل العسومي

الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يكن‭ ‬اندلاع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬مستغربا‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬هي‭ ‬الأولى‭ ‬ولن‭ ‬تكون‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأوضاع‭ ‬المعيشية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إصرار‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬انتهاج‭ ‬سياسة‭ ‬لا‭ ‬تراعي‭ ‬مصالح‭ ‬المواطن‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬يرزح‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭ ‬وغيرها‭ ‬وغياب‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬وزيادة‭ ‬نسبة‭ ‬التضخم‭ ‬ووصولها‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬وخصوصا‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬خريجي‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬التخصصات،‭ ‬فخلال‭ ‬فترة‭ ‬بسيطة‭ ‬فقدت‭ ‬العملة‭ ‬الإيرانية‭ ‬25‭% ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬أمام‭ ‬الدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬حيث‭ ‬خسرت‭ ‬أعدادا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬الإيرانيين‭ ‬مدخراتهم‭ ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستغربا‭ ‬أن‭ ‬ينتفض‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬ضد‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬السيئة‭ ‬ويخرج‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬يوم‭ ‬28‭ ‬ديسمبر‭ ‬الماضي‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬سخطهم‭ ‬لانهيار‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية‭ ‬ورفضهم‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬وغياب‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬متزامنا‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬إضراب‭ ‬تجار‭ ‬وأصحاب‭ ‬بازار‭ ‬طهران‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬أيضا‭ ‬تضرروا‭ ‬من‭ ‬تدهور‭ ‬الأوضاع‭ ‬المالية‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬إلى‭ ‬انتفاضة‭ ‬شعبية‭ ‬اجتماعية‭ ‬عمت‭ ‬البلاد‭ ‬بأكملها‭ ‬وشملت‭ ‬مختلف‭ ‬المحافظات‭ ‬الإيرانية‭ ‬رافعين‭ ‬شعارات‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬شعارات‭ ‬سياسية‭ ‬تنادي‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬البلاد‭ ‬بقبضة‭ ‬حديدية‭ ‬وبالحديد‭ ‬والنار‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬بعد‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬وإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الشاه‭ ‬محمد‭ ‬رضا‭ ‬بهلوي‭ ‬بقيادة‭ ‬الخميني‭.‬

احتجاجات‭ ‬إيران‭ ‬اختلفت‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬عن‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬البلاد‭ ‬وفي‭ ‬فترات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قوتها‭ ‬وحجم‭ ‬المشاركة‭ ‬فيها‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬المواطنين‭ ‬أو‭ ‬تجار‭ ‬التجزئة‭ ‬أو‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬مستوى‭ ‬الاستياء‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني‭ ‬وعدم‭ ‬الرضا‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تدهور‭ ‬الأوضاع‭ ‬المعيشية‭ ‬بصورة‭ ‬سريعة‭ ‬ودراماتيكية‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬زيادة‭ ‬نسبة‭ ‬الفقر‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬حتى‭ ‬الفئات‭ ‬الوسطى‭.‬

لقد‭ ‬تعاملت‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬الإيرانية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬السابقة‭ ‬مع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بكل‭ ‬قساوة‭ ‬وعنف‭ ‬مستخدمة‭ ‬مختلف‭ ‬والوسائل‭ ‬القمعية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬إطلاق‭ ‬الرصاص‭ ‬الحي‭ ‬على‭ ‬المحتجين‭ ‬السلميين‭ ‬المجردين‭ ‬من‭ ‬أبسط‭ ‬وسائل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬آلاف‭ ‬القتلى‭ ‬والجرحى‭ ‬بلغ‭ ‬عددهم‭  ‬12‭ ‬ألف‭ ‬قتيل‭ ‬وجريح‭ ‬واعتقال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬بحسب‭ ‬قناة‭ ‬المعارضة‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬تبث‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬ضمن‭ ‬حملة‭ ‬دموية‭ ‬نفذتها‭ ‬القوات‭ ‬الأمن‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والطرقات‭ ‬والمحافظات‭ ‬والأقاليم‭ ‬الإيرانية‭ ‬وبعد‭ ‬قطع‭ ‬خدمة‭ ‬الانترنت‭ ‬والاتصالات‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وعزلها‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬للتستر‭ ‬على‭ ‬جرائم‭ ‬النظام‭ ‬ضد‭ ‬المحتجين‭ ‬العزل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬التزام‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بوعوده‭ ‬بحماية‭ ‬المتظاهرين‭ ‬السلميين‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استعمال‭ ‬القوة‭ ‬ضدهم‭ ‬أو‭ ‬قتلهم‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تماما‭ ‬فقد‭ ‬شكر‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬لإلغائها‭ ‬كل‭  ‬عمليات‭ ‬الإعدام‭ ‬المقررة‭ ‬على‭ ‬المتظاهرين‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬إعلان‭ ‬إيران‭ ‬تنفيذ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإعدامات‭ ‬ورغم‭ ‬عدم‭ ‬إعلانها‭ ‬إلغاءها‭ ‬ورغم‭ ‬اتهام‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬الإيراني‭ ‬علي‭ ‬الخامنئي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بإشعال‭ ‬الاضطرابات‭ ‬والفتنة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬لخدمة‭ ‬أهدافها‭ ‬الخاصة‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬لن‭ ‬تتسامح‭ ‬مع‭ ‬المجرمين‭.‬

وبحسب‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحليين‭ ‬السياسيين‭ ‬والمتابعين‭ ‬للشأن‭ ‬الإيراني‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬موقفه‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬ضغوطات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬ودعوات‭ ‬بعض‭ ‬العواصم‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬التدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬داخلية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وصراعات‭ ‬طائفية‭ ‬وعرقية‭ ‬ودموية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تعدد‭ ‬التركيبة‭ ‬السكانية‭ ‬الإيرانية‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬قوى‭ ‬إيرانية‭ ‬بديلة،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬دخول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مفتوحة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬تكون‭ ‬مكلفة‭ ‬لأمريكا‭.‬

إن‭ ‬عودة‭ ‬الهدوء‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬رغم‭ ‬الثمن‭ ‬الباهظ‭ ‬الذي‭ ‬دفعه‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬دمه‭ ‬وحياته‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬سوف‭ ‬يتراجع‭ ‬عن‭ ‬المطالبة‭ ‬بحقوقه‭ ‬المشروعة،‭ ‬وبناء‭ ‬عليه‭ ‬لا‭ ‬خيار‭ ‬أمام‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬والقيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلا‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬المطالب‭ ‬الشعبية‭ ‬وتسخير‭ ‬خيرات‭ ‬البلاد‭ ‬لرفاهية‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬لأن‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬حقوقه‭ ‬مهما‭ ‬كلف‭ ‬ذلك‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬صرفها‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬وأجندات‭ ‬خارجية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا