الكثير من الناس من المثقفين والمحللين والكتاب وغيرهم يقارن ما يقوم به الإنسان حاليا من ممارسات بربرية ووحشية من عدم الاحتكام إلى أي تشريع ونظام بأنه شريعة الغاب، أو قانون الغاب، وكأن الغاب لا قانون له، ولا نظام متقن يسير عليه. وهذه المقارنة في تقديري مجحفة وغير صحيحة كلياً لوجود الفرق الشاسع والجذري بين شريعة الغاب من جهة، وشريعة الإنسان وقانون البشر من جهة أخرى.
فالفرق الرئيس والجوهري يكمن فيمَنْ وضع وأسس الشريعتين. فأما شريعة الغاب أو ما نُطلق عليه علمياً الآن في علوم البيئة والأحياء فهو «النظام البيئي للغابات»، وهو من رب العالمين، وهو من صُنع الله جلَّت قدرته وعظمته، وكل ما في هذا النظام الرباني من مخلوقات الله سبحانه وتعالي لا تمييز بين مخلوقاته، ولا تفضيل لمخلوق على آخر، ولا محاباة لكائن حي على الكائن الحي الآخر، فكل منها في فلك يسبحون بحسب هذا النظام الرباني الدقيق والمتوازن، وكل منها يؤدي دوره ووظيفته التي خُلق من أجله بحسب موقعه، ومكان وجوده، بحيث إن هذا الدور يصب بشكلٍ متكامل مع أدوار الكائنات الأخرى في النظام البيئي الواحد، سواء كانت حية أو خير حية؛ فهذا النظام الثابت في كُليته وشموله مُنزه عن الخطأ والعيب، وغير قابل للزلل، ولا يتعرض للتجاوزات بين كل مكونات هذا النظام المختلفة في النوعية والحجم، فهو إذن نظام لا يظْلم المخلوقات، ولا يهضمهم حقوقهم، فلا إقصاء، ولا تهميش، ولا تعد، ولا اضطهاد للفئات المستضعفة، ولا استئصال لمجموعة حية والقضاء عليها كلياً، فالجميع يعيش مع بعض في أمن وأمان واستقرار، وفي تفاعلٍ ديناميكي بينها.
وأما شريعة الإنسان فهي من صنع الإنسان، ومن وضع البشر، ومن صفات البشر النسيان والقصور في الفكر والعقل مهما أوتوا من علم وخبرة، إضافة إلى الضيق في الأفق، وعدم التكامل بين كل التشريعات التي وضعها. كما أن من خصائص الإنسان العامة التحيز مهما بلغ أعلى مستوى من النزاهة، وعدم تنفيذ مبدأ السواسية المطلقة على القريب والبعيد، والعدالة التامة بين كل فئات البشر؛ فشريعة الإنسان قد تكون ظالمة، وقد تكون متحيزة، وقد تُعين القوي على الضعيف، وقد تأكل مال الضعيف وثروته وموارده، وقد يفلت القوي من العقاب والمحاسبة. وعادة ما تَحْكُم التشريعات البشرية الأهواء الشخصية، وتسيطر عليها المصالح الحزبية، وتكون في أغلب الأوقات غير ثابتة ومستقرة فترة طويلة ومتقلبة ومتغيرة بحسب التقلبات السياسية، والتغيرات في نوعية الحُكم والأفراد.
فشريعة الغاب تُعد جزءاً من الشرائع والأنظمة الربانية المُحكمة والمتقنة التي خلقها الله سبحانه وتعالي، حيث خلق الله الكرة الأرضية وتحتوي على أنظمة بيئية كثيرة ومتنوعة، ولكل نظام قانونه الخاص به، والتشريع المتزن والدقيق الذي يُسيِّر أموره وشؤونه اليومية، وكل نظام يمشي ليلاً نهاراً بإتقان شديد، وبتوازن دقيق، وبتكامل عميق بين مكوناته الحية وغير الحية. فهناك أنظمة بيئية برية، كالصحاري، والغابات، وهناك أنظمة مائية كالمسطحات المائية من بحار وأنهار ومحيطات، وهناك الأراضي الرطبة.
وهذه الأنظمة البيئية تحتوي على كائنات حية ذات وظائف وأدوار مختلفة، بحيث إنها تُكمل بعضها بعضا، فتعيش مع بعض، وتتفاعل مع بعض في توازن دقيق وهش، ونظام ديناميكي متشابك ومعقد ونابض بالحيوية والنشاط، وشبكة غذائية دائرية، وحياة مستدامة ومستقرة.
فهناك أولاً في كل نظام بيئي الكائنات الحية «المُنتجة» المتمثلة في مختلف أنواع النباتات التي تنتج غذاءها بتحويل أشعة الشمس إلى طاقة عن طريق عملية التمثيل الضوئي، وهناك ثانياً الكائنات «المُستهلكة» التي تتغذى على النباتات وتعيش عليها، أو التي تعيش على الكائنات الحية الأخرى، ثم أخيراً هناك الأحياء «المُحلِّلة»، كالبكتيريا والطفيليات، أي التي تعمل طوال الساعة بجدٍ واجتهاد، وبدون كللٍ أو تعب أو فتور، فتقوم بمهمة حيوية تتمثل في تحلل الأموات من الكائنات النباتية والحيوانية، فتحولها وترجعها إلى التربة مرة ثانية. وفي المقابل هناك العناصر غير الحية في النظام البيئي من هواء، وماء، وتربة، وأشعة الشمس التي توفر الظروف المناسبة لحياة هذه الكائنات الحية. فأي خللٍ نوعي أو كمي يحدث على هذه الكائنات الحية وغير الحية يؤدي مع الوقت إلى وقوع خللٍ وشرخ عميقين في النظام البيئي العام، وينجم عنه سقوط هذا النظام وخرابه. وعادة ما تكون أيادي الإنسان الفاسدة والعبثية هي التي تقف وراء هذا الفساد في النظام البيئي، وهي التي تسبب في حدوث ثغرات وعيوب في هذا النظام والتشريع الإلهي الدقيق.
فلو أخذنا ودرسنا من كثب نظام الغابات الفطري الطبيعي الذي خلقه الله سبحانه وتعالى الذي يحتوي على مختلف أنواع الحيوانات المفترسة، والطيور الجارحة، والحيوانات غير المفترسة. فنجد أن الأسد الذي يتربع على عرش هذه الغابات البرية، ويقف في نهاية السلسلة الغذائية، يؤدي دور الضابط والمتحكم في أعداد الكائنات الحية الأخرى التي يتغذى عليها كالغزلان وحمار الوحش وغيرهما، ولكن من دون القضاء عليهم، أو استئصالهم من نظام الغابة، أو طردهم من منازلهم وبيئاتهم التي يعيشون فيها، فيقوم بالتغذي على الضعاف والمرضى من الحيوانات، فتبقى هذه الحيوانات موجودة في صحة وأمن وسلام وتتكاثر بشكل طبيعي من دون أن تَحدث طفرة في أعدادها فتقوم بالرعي الجائر وتُدهور الغطاء النباتي الذي تحتاج إليه كل الكائنات الحية الأخرى. فلم نسمع في شريعة الغاب ونظام الغابات الذي لم تتدخل فيها أيدي البشر عن انقراض كائنٍ حي، أو طرده من بيئته الكبيرة، أو التخلص منه كلياً.
أما في شريعة الإنسان، كما يحدثنا التاريخ البعيد والقريب، فإن الإنسان تحت مبررات كثيرة لا تعد ولا تحصى، وحجج متنوعة، واستغلال للقانون يقوم بعملية الإقصاء للآخرين، ويقوم بعملية الإبادة الجماعية الشاملة للشعوب، سواء بقتلهم مباشرة، أو تجويعهم ومنع الشراب والأكل والدواء عنهم، أو بمحاصرتهم وخنقهم. وأُقدم لكم مثالاً واحداً فقط على «شريعة الإنسان» واستغلال هذا النفوذ التشريعي لاستئصال الأمم والشعوب، والسيطرة عليهم وعلى قرارهم وسيادتهم وجميع مناحي حياتهم، والتوسع جغرافياً في مناطق ودول أخرى وغزوها واحتلالها. فقد أعلن ترامب عند تنصيبه رئيساً للمرة الثانية في يناير 2025 «شريعته» وسياسته الجديدة التي سيمشي عليها وينفذها قائلاً: «ستَعتبر الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى أمة نامية، أمة تزيد ثروتها، وتوسع أراضيها، وتبني مدنها، وترفع سقف توقعاتها، وترفع رايتها إلى آفاق جديدة وجميلة». وهذه «الشريعة البشرية» التي لا احترام فيها للآخرين، ولا سيادة للدول، ولا سيطرة للشعوب على مواردها، ولا قانون دولي، ولا نظام عالمي، شاهدناها على أرض الواقع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر اختطاف رئيس فنزويلا واحتلال دولة ذات سيادة وتنصيب ترامب نفسه رئيساً لها، وإعطاء نفسه حق التصرف في ممتلكات وثروات الدولة الفنزويلية ونهبها وسرقتها في وضح النهار. ومنها أيضاً تهديد ترامب لجزيرة جرينلاند بضمها بالقوة إلى أمريكا، ومنها محاولة ضم كندا وبنما ودول أخرى إلى أمريكا، ومنها المشاركة الفاعلة بالسلاح والمال والدبلوماسية لإبادة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ومحاولة استئصاله وتصفيته من على سطح الأرض.
فبعد هذا، أين قانون الغاب وشريعة الغاب ونظامه الرباني الدقيق والمتوازن والعادل، الذي يحفظ الحقوق ويعيش فيه الجميع بأمن وسلام وطمأنينة من «شريعة الإنسان» الجائرة، والمعتدية التي تُقصي الأمم والشعوب، بل تقضي عليها كلياً؟
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك