عادةً ما يمر الاقتصاد بمرحلة دقيقة تتسم بتحديات هيكلية وبنيوية متراكمة، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية. تنعكس هذه التحديات في تآكل القوة الشرائية، وتراجع الثقة الاقتصادية، وارتفاع الدين العام، واستمرار العجز في الميزانية؛ وسط مطالب متزايدة بإصلاحات جذرية تضمن الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية لاستمرار سياسات التنمية والضمان الاجتماعي وتحقيق الرفاه الاجتماعي وفق مبادئ العدالة والاستدامة التي يمثل الغاية من النشاط الاقتصادي.
تختلف التحديات التي يواجهها الاقتصاد باختلاف طبيعة الدولة وتكوينها والعقيدة الاقتصادية والسياسية المعتمدة. الاقتصادات الخليجية ليست استثناء، فمثلا هناك لدى البعض قضية تدني المستوى المعيشي واتساع الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة الناتج عن ارتفاع الاسعار وزيادة عدد السكان. قضية اخرى يتعرض لها الاقتصاد وتمثل مصدر قلق للمجتمع والدولة هي العجز في الميزانية وارتفاع الدين العام بسبب زيادة الانفاق وتدني الايرادات ما يستوجب وضع سياسات اهمها ترشيد الانفاق وإعادة هيكلة الاجهزة الحكومية ومشاركة المجتمع في وضع حلول ترفع من الايرادات وتقلص النفقات مع وضع منظومة لتقييم وقياس النتائج تعتمد منهجية منظومية من منظورات مختلفة. من بين الحلول قصيرة الامد التي لجأت إليها الدول الخليجية فرض ضرائب أو زيادة نسبتها. واتخاذ مثل هذه السياسات يتطلب قدرا كبيرا من الثقة بين المجتمعات والحكومات، أهمها نشر بيانات موثوقة حول الوضع الاقتصادي والمالي والوعاء الضريبي وبيان على من تفرض وكيف تجمع وكيف توزع. كذلك هناك حلول طويلة الامد مثل التصنيع وزيادة الصادرات من الصناعة التحويلية والسلعية. هذه أكثر فاعلية في تعزيز الثقة في الاقتصاد وتؤدي إلى رفع مستوى الاستثمار والانفاق، وخلق فرص عمل؛ ومن ثم رفع ايرادات الدولة من الضرائب وتقليل عجوزات الميزانية والدين العام.
قضية اخرى مهمة تؤرق الحكومات والمجتمعات الخليجية هي وضع سوق العمل وتحديات توظيف المواطنين، وخصوصا في حالة وجود عمالة اجنبية تمثل سوق عمل اخر بخصائص مختلفة (ساعات عمل اطول – أجور اقل). هذا الاختلاف يخلق تنافسا غير متكافئ بين المواطن والوافد. وضعت دول الخليج سياسات وبرامج لإعطاء المواطنين فرصة أكبر في التوظيف في القطاعين العام والخاص. غير ان هذه الاجراءات تقوم على فرضية تستند إلى ايديولوجية «السوق الحر» وتكافؤ الفرص بين المواطن والأجنبي. بعض دول الخليج بدأت بحصر مهن معينة على المواطنين. هذه سياسة فعالة إذا ما اقترنت ببرامج تدريب وتأهيل ترفع من هذه النسب وتعمم الحصر تدريجيا على مهن أكثر وفق برنامج احلال وتوطين مستمر.
إن وجود عمالة اجنبية بهذا الحجم يلحق اضرارا بالاقتصاد لا تقتصر فقط على حرمان المواطنين من حقهم في العمل الكريم (بالرغم من اهميته)، بل تؤدي كذلك الى ارتفاع التحويلات المالية الى الخارج (بنسب تتراوح بين 4% و10% من الناتج المحلي) ما يقلص دورة المال الداخلية (المضاعف المالي) ويحرم الاقتصاد من نسبة كبيرة من السيولة، وكذلك الاخلال بميزان المدفوعات والتوازن المالي. ضعف السيولة هذا يؤثر على فرص التوظيف، وقوة الشراء المحلية ويضر بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بشكل أكبر.
ان اقتصاد أي دولة يحتاج إلى توازن مالي واقتصادي ناتج من الاهتمام بعدد من القطاعات الاقتصادية وخلق تكامل بينها لكي يخلق اقتصادا أكثر استدامة وعدالة، وأقدر على تحمل التقلبات والازمات. بالنسبة إلى دول الخليج يعتبر قطاع النفط هو القاطرة التي تدعم الاقتصاد والانفاق الحكومي، وحتى الصناعات التي تتبناها هذه الدول هي قائمة على الوفرة النفطية (مثل صناعة الألمنيوم والبتروكيماويات).
في الظروف الحالية، وفي ظل التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة، يجب على دول الخليج انتهاز الفرصة وتسريع التوجه نحو قطاعات اخرى استعدادا لمرحلة ما بعد النفط. القطاع الاكثر فعالية على المدى البعيد، الذي يعالج العديد من القضايا المؤرقة المذكورة، هو قطاع التصنيع، وخصوصا التصنيع المتقدم الذي يقوم على المعرفة والتكنولوجيا الحديثة مستفيدا من المخزون الخليجي من المعادن النادرة. هذا القطاع، إذا ما أُحسن اختيار التكنولوجيا المناسبة ووسائل التصنيع المتقدمة، ودعم تطوير التعليم والتدريب لتأهيل العمالة الوطنية، ووضع سياسات تنظم مساهمة العمالة الاجنبية لصالح التوطين، فإنه يوفر فرص عمل مناسبة للشباب الخليجي، ويرفع من مستوى التصدير أو بدائل الاستيراد، ما يدعم ميزان المدفوعات ويحسن التقييم الائتماني. ومن ثم يشجع الاستثمار المحلي والأجنبي، ويخدم الأسواق المحلية ويعزز التكامل الخليجي والعربي. هذا يفرض على دول الخليج التنسيق فيما بينها لتنظيم عملية التحول لتسريع مسار التصنيع وخلق قاعدة انتاجية كبيرة تقلل التشابه في المنتجات والصادرات الخليجية، ومن ثم تقلل المنافسة الاقتصادية فيما بينها، وفي الوقت نفسه تعزز الثقة في اقتصادات المنطقة.
إن نجاح دول الخليج في معالجة القضايا المذكورة وتحقيق رفاه المجتمع والحياة الكريمة لمواطنيها سوف يعتمد على الإطار الفكري السائد في الدولة الذي يحكم عملية التنمية والسياسات الداعمة لها (من مبادئ وقيم ورؤى مثل العدالة الاجتماعية، الشفافية، المساءلة، المشاركة المجتمعية، والتكامل الخليجي، ومفهوم المصلحة العامة). هذا الإطار الفكري الذي تتبناه وتؤمن به الحكومات والمجتمعات يؤطر السياسات الناظمة لعملية التنمية ويحدد سلوك المجتمع تجاه هذه السياسات ويعمم الفائدة من الازدهار الاقتصادي والتقدم المجتمعي؛ أي ان توافق السياسات مع الإطار الفكري الجامع يمنحها الدعم المجتمعي ويرفع امكانية النجاح ومعالجة التحديات ضمن الامكانات المتاحة. إن أي قصور في هذه المبادئ أو تجاوز لها سوف يؤثر سلبا في النجاح ويعرض السياسات للفشل. في هذا السياق، ينبغي ان يُنظر إلى الخيارات المتاحة أمام الاقتصادات الخليجية لتنويع اقتصادها وحسن إدارة المال العام وتنمية رأس المال البشري وتحفيز القطاع الخاص على انها فرص للاستثمار والابتكار، وفي الوقت نفسه تعزيز الثقة في اقتصادات المنطقة.
drmekuwaiti@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك