يشكّل اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثامن والعشرين من يناير يومًا دوليًا للتعايش السلمي محطة دولية تعكس الحاجة المتنامية إلى قيم الحوار والعيش المشترك. وتكتسب هذه المناسبة دلالة خاصة حين نعلم أن اعتمادها جاء بناءً على مبادرة من مملكة البحرين، ممثلةً بمركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، في اعتراف أممي بتجربة وطنية نجحت في تحويل التعايش من قيمة أخلاقية إلى ممارسة واقعية.
فالتعايش السلمي، وفق الفهم الدولي المعاصر، لا يعني غياب الحروب أو النزاعات فحسب، بل القدرة على العيش المشترك في ظل الاختلاف، مع صون العدالة وحقوق الإنسان بوصفها شرطًا لهذا العيش. وهو مسار طويل الأمد يتطلب يقظة مستمرة، ومشاركة فاعلة من المجتمع بأكمله، لا حلولًا ظرفية أو شعارات عابرة.
في هذا السياق، تبرز تجربة مملكة البحرين بوصفها نموذجًا عمليًا للتعايش كممارسة اجتماعية راسخة، قبل أن يكون سياسة معلنة. فالتنوع الديني والثقافي الذي عرفته البحرين عبر تاريخها لم يكن طارئًا، بل تشكّل ضمن نسيج اجتماعي اعتاد الاختلاف، وأدار تنوعه بمنطق القبول والاحترام المتبادل. هذا التراكم التاريخي هو ما منح مفهوم التعايش في البحرين بعده العملي، المتجسد في الحياة اليومية، وفي العلاقات المجتمعية، وفي منظومة القيم العامة.
ولم تتوقف هذه التجربة عند حدود الداخل، بل جرى تحويلها إلى رسالة إنسانية موجهة إلى العالم. ويأتي مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح في صميم هذا التحول، بوصفه منصة مؤسسية نقلت التعايش من الإطار القيمي العام إلى فضاء العمل المنظم، والبحث الأكاديمي، والحوار الدولي. فمن خلال مبادرات تعليمية، وكراسٍ جامعية في مؤسسات أكاديمية مرموقة، ومنصات حوار عابرة للثقافات، أسهم المركز في إدراج مفاهيم التعايش ضمن نقاشات عالمية حول بناء السلام، ومكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز المواطنة الإنسانية.
إن اعتماد الأمم المتحدة لهذا اليوم الدولي لا يُقرأ فقط بوصفه تقديرًا لمبادرة بعينها، بل اعترافًا بمسار بحريني متكامل في إدارة التنوع، وفي تقديم نموذج قابل للتفاعل والتعلّم. فالتعايش، كما تؤكد التجربة البحرينية، لا يعني غياب الخلاف، بل القدرة على إدارته من دون إقصاء أو عنف، والاعتراف بالآخر بوصفه شريكًا في الإنسانية لا تهديدًا لها.
ويضع هذا الإنجاز على عاتق البحرين مسؤولية مضاعفة، تتمثل في مواصلة تطوير هذا النموذج، وتعميق أبعاده المعرفية، وربطه بتحديات عالمية أكثر تعقيدًا، من النزاعات الممتدة إلى التطرف والانقسام المجتمعي. كما يفتح في الوقت ذاته مساحة أوسع لتقديم التعايش بوصفه أداة وقائية، تعالج جذور التوتر قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية وأمنية.
في اليوم الدولي للتعايش السلمي، لا تحتفي البحرين بإنجاز دبلوماسي فحسب، بل تؤكد أن السلام الحقيقي يبدأ من المجتمع، ومن قدرة الإنسان على العيش مع الآخر بكرامة واحترام. ومن هذا الداخل المتماسك، استطاعت البحرين أن تحمل تجربتها إلى العالم، لا بصوت مرتفع، بل بلغة إنسانية هادئة، جعلت من التعايش ممارسة قابلة للاقتداء، ورسالة عالمية تتجاوز الحدود، في زمن بات فيه العالم أحوج ما يكون إلى نماذج تُثبت أن التعايش ممكن وقابل للاستدامة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك