العدد : ١٧٤٧٧ - الأربعاء ٢٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٧ - الأربعاء ٢٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

اليوم الدولي للتعايش السلمي: بين المبادرة الوطنية والاعتراف الدولي

بقلم: عائشة السادة

الأربعاء ٢٨ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

يشكّل‭ ‬اعتماد‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬يوم‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬يومًا‭ ‬دوليًا‭ ‬للتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬محطة‭ ‬دولية‭ ‬تعكس‭ ‬الحاجة‭ ‬المتنامية‭ ‬إلى‭ ‬قيم‭ ‬الحوار‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬اعتمادها‭ ‬جاء‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬مبادرة‭ ‬من‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬ممثلةً‭ ‬بمركز‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬العالمي‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح،‭ ‬في‭ ‬اعتراف‭ ‬أممي‭ ‬بتجربة‭ ‬وطنية‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬التعايش‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬أخلاقية‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬واقعية‭.‬

فالتعايش‭ ‬السلمي،‭ ‬وفق‭ ‬الفهم‭ ‬الدولي‭ ‬المعاصر،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬غياب‭ ‬الحروب‭ ‬أو‭ ‬النزاعات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاختلاف،‭ ‬مع‭ ‬صون‭ ‬العدالة‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفها‭ ‬شرطًا‭ ‬لهذا‭ ‬العيش‭. ‬وهو‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬يتطلب‭ ‬يقظة‭ ‬مستمرة،‭ ‬ومشاركة‭ ‬فاعلة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬بأكمله،‭ ‬لا‭ ‬حلولًا‭ ‬ظرفية‭ ‬أو‭ ‬شعارات‭ ‬عابرة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬تجربة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بوصفها‭ ‬نموذجًا‭ ‬عمليًا‭ ‬للتعايش‭ ‬كممارسة‭ ‬اجتماعية‭ ‬راسخة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سياسة‭ ‬معلنة‭. ‬فالتنوع‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬البحرين‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬طارئًا،‭ ‬بل‭ ‬تشكّل‭ ‬ضمن‭ ‬نسيج‭ ‬اجتماعي‭ ‬اعتاد‭ ‬الاختلاف،‭ ‬وأدار‭ ‬تنوعه‭ ‬بمنطق‭ ‬القبول‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل‭. ‬هذا‭ ‬التراكم‭ ‬التاريخي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬مفهوم‭ ‬التعايش‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬بعده‭ ‬العملي،‭ ‬المتجسد‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وفي‭ ‬العلاقات‭ ‬المجتمعية،‭ ‬وفي‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬العامة‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الداخل،‭ ‬بل‭ ‬جرى‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬رسالة‭ ‬إنسانية‭ ‬موجهة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭. ‬ويأتي‭ ‬مركز‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬العالمي‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬بوصفه‭ ‬منصة‭ ‬مؤسسية‭ ‬نقلت‭ ‬التعايش‭ ‬من‭ ‬الإطار‭ ‬القيمي‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬العمل‭ ‬المنظم،‭ ‬والبحث‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬والحوار‭ ‬الدولي‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬مبادرات‭ ‬تعليمية،‭ ‬وكراسٍ‭ ‬جامعية‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬أكاديمية‭ ‬مرموقة،‭ ‬ومنصات‭ ‬حوار‭ ‬عابرة‭ ‬للثقافات،‭ ‬أسهم‭ ‬المركز‭ ‬في‭ ‬إدراج‭ ‬مفاهيم‭ ‬التعايش‭ ‬ضمن‭ ‬نقاشات‭ ‬عالمية‭ ‬حول‭ ‬بناء‭ ‬السلام،‭ ‬ومكافحة‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬المواطنة‭ ‬الإنسانية‭.‬

إن‭ ‬اعتماد‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لهذا‭ ‬اليوم‭ ‬الدولي‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬فقط‭ ‬بوصفه‭ ‬تقديرًا‭ ‬لمبادرة‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬اعترافًا‭ ‬بمسار‭ ‬بحريني‭ ‬متكامل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التنوع،‭ ‬وفي‭ ‬تقديم‭ ‬نموذج‭ ‬قابل‭ ‬للتفاعل‭ ‬والتعلّم‭. ‬فالتعايش،‭ ‬كما‭ ‬تؤكد‭ ‬التجربة‭ ‬البحرينية،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬غياب‭ ‬الخلاف،‭ ‬بل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدارته‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إقصاء‭ ‬أو‭ ‬عنف،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالآخر‭ ‬بوصفه‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬الإنسانية‭ ‬لا‭ ‬تهديدًا‭ ‬لها‭.‬

ويضع‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬البحرين‭ ‬مسؤولية‭ ‬مضاعفة،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬تطوير‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬وتعميق‭ ‬أبعاده‭ ‬المعرفية،‭ ‬وربطه‭ ‬بتحديات‭ ‬عالمية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬الممتدة‭ ‬إلى‭ ‬التطرف‭ ‬والانقسام‭ ‬المجتمعي‭. ‬كما‭ ‬يفتح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬لتقديم‭ ‬التعايش‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬وقائية،‭ ‬تعالج‭ ‬جذور‭ ‬التوتر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬الدولي‭ ‬للتعايش‭ ‬السلمي،‭ ‬لا‭ ‬تحتفي‭ ‬البحرين‭ ‬بإنجاز‭ ‬دبلوماسي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬المجتمع،‭ ‬ومن‭ ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬بكرامة‭ ‬واحترام‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الداخل‭ ‬المتماسك،‭ ‬استطاعت‭ ‬البحرين‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬تجربتها‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬بصوت‭ ‬مرتفع،‭ ‬بل‭ ‬بلغة‭ ‬إنسانية‭ ‬هادئة،‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬التعايش‭ ‬ممارسة‭ ‬قابلة‭ ‬للاقتداء،‭ ‬ورسالة‭ ‬عالمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬بات‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬أحوج‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬إلى‭ ‬نماذج‭ ‬تُثبت‭ ‬أن‭ ‬التعايش‭ ‬ممكن‭ ‬وقابل‭ ‬للاستدامة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا