كيف وصلنا إلى حد أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يستطيع أن يقول ويفعل أشياء تعرّض ثقافة الولايات المتحدة الأمريكية ونظامها السياسي للخطر، ويتم تجاهل ذلك واعتباره وكأنه أمر طبيعي؟
يستخدم الرئيس دونالد ترامب في منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي وتعليقاته الصحفية العفوية لغةً كان من المستحيل تصور أن تصدر عن رئيس في أي فترة أخرى من التاريخ الأمريكي.
خلال الأشهر القليلة الماضية فقط تم تصوير الرئيس ترامب وهو يقوم بإيماءة بذيئة ويتلفظ بكلمة نابية تجاه أحد المتظاهرين؛ وأهان شخصية تلفزيونية شهيرة كانت قد قُتلت للتو؛ ووصف عضواً في الكونغرس من أصل صومالي أمريكي بأنه «قمامة»، مضيفاً أن جميع الصوماليين قمامة.
كذلك وصف الرئيس ترامب حاكم ولاية مينيسوتا بأنه «متخلف عقلياً»، وهو وصف جارح بشكل خاص لأن هذا الحاكم لديه ابن من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ كما أهان الصحفيات اللواتي طرحن عليه أسئلة صعبة، واصفاً إياهن بأنهن «قبيحات» و«بغيضات» و«غبيات».
لن يتسامح الآباء مع مثل هذه العبارات إذا صدرت عن أبنائهم وتفوهوا بها. ومع ذلك ها هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يهين منصبه ويمرغ سمعته بالتحدث بهذه الطريقة الشائنة.
لم يكن خطاب الرئيس ترامب فقط هو الذي كان غير لائق برئيس دولة، بل إن حاجة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى إشباع غروره هي التي دفعته إلى الإدلاء بادعاءات مبالغ فيها وكاذبة حول مظالمه ونجاحاته.
يدّعي ترامب أنه تعرّض لهجوم من وسائل الإعلام والكونجرس وأجهزة إنفاذ القانون لم يسبق له مثيل في تاريخ الرؤساء. وفي الوقت نفسه، يتباهى الرئيس الأمريكي بأنه حسّن الاقتصاد وجعل المدن الأمريكية أكثر أمانًا من أي وقت مضى. كل هذا محض افتراء.
وفي محاولة لفرض إرادته ورؤيته للعالم، أحاط الرئيس ترامب نفسه بموظفين في البيت الأبيض ووزراء لا يكتفون بإطرائه وتنفيذ كل نزواته، بل يدعمون أيضاً جهوده لإسكات وترهيب أولئك الذين وصفهم بالمنتقدين.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين ولايتي الرئيس دونالد ترامب الأولى والثانية؛ ففي خلال فترة عهدته الأولى كان بعض كبار موظفيه وإدارته بمثابة الرقيب على ما يأتيه من سلوك.
تمّ فصل العديد من المسؤولين واستبدالهم. بدأ الرئيس ترامب ولايته الثانية بخطة مفصلة لإصلاح الحكومة، وبقيادة عليا أكثر امتثالاً. فعلى سبيل المثال، أبدت وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي استعدادهما لإجراء تحقيقات مع منتقدي الرئيس ترامب.
لقد أدى هذا المزيج المقلق من السلطة المطلقة من ناحية وحاجة الرئيس ترامب إلى تحقيق كل طموحاته، وعدم احترامه للقانون والسوابق القضائية من ناحية أخرى، إلى القيام بأفعال غير قانونية.
خلال الأشهر الأولى من ولايته وضعت إدارة ترامب برنامجاً لتسريح أكثر من 300 ألف موظف حكومي، كما أغلقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وإذاعة صوت أمريكا، ومعهد السلام الأمريكي، وكلها إجراءات غير قانونية لأنها كيانات أنشأها ومولها الكونجرس الأمريكي نفسه.
أعاد الرئيس ترامب لاحقا فتح معهد السلام باسم معهد ترامب للسلام؛ وأعاد تسمية المركز الرئيسي للفنون في البلاد باسم مركز دونالد جيه ترامب، مركز جون إف كينيدي للفنون المسرحية من دون أي ترخيص؛ وأمر بهدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض ليحل محله مشروع آخر للتفاخر -قاعة رقص ضخمة- التي لا شك أنها ستحمل اسمه أيضًا في المستقبل القريب.
لعل أخطر تحركات الرئيس ترامب هي التوسع الكبير في جهاز إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، وإطلاق عنانه في مختلف المدن الأمريكية، ما يشكل تهديداً مباشراً للديمقراطية الأمريكية.
خلال الأسابيع الأخيرة، أرسل ترامب قوة كبيرة من عملاء إدارة الهجرة والجمارك إلى مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، وقد تم ذلك ظاهرياً للقضاء على المهاجرين غير الشرعيين، وفي الوقت نفسه محاولة لإحراج حاكم الولاية الديمقراطي، واستهداف إحدى الفئات المفضلة لدى ترامب، وهي الجالية الصومالية الكبيرة في مينيسوتا.
وكما كان متوقعاً، فقد اتسمت اعتقالات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) بالعشوائية، حيث احتجزت العديد من المقيمين الشرعيين والمواطنين، كما اتسم سلوك عناصرها بالوحشية بشكل غير مقبول.
وكما هو الحال في مدن أخرى، فقد أثارت تصرفات عناصر إدارة الهجرة والجمارك احتجاجات واسعة النطاق، وفي حادثة مروعة، تعرضت عضو فريق مراقبة عناصر إدارة الهجرة والجمارك للقتل بالرصاص عبر نافذة سيارة مفتوحة.
تم تصوير إطلاق النار من عدة زوايا، ما أثبت أن المرأة الضحية لم تشكل أي تهديد لعنصر إدارة الهجرة والجمارك، لكن ذلك لم يمنع الرئيس ترامب ومسؤولين آخرين في الإدارة من نشر معلومات مضللة حول ما حدث.
لقد وصفوا المرأة المقتولة بالإرهابية المحلية، زاعمين أنها هددت حياة العون (العنصر) الذي قام بإطلاق النار التابع لإدارة الهجرة والجمارك. إن كشف ملابسات هذه الجريمة له دلالات مهمة على مستويات عديدة.
أولاً، في ظل الميزانية الضخمة المخصصة لتوسيع نطاق عمليات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، أصبح لدى هذا الجهاز الآن أكثر من 10000 عنصر مسلح، وقد أدى نموه السريع إلى قصور في عمليات التدقيق والتدريب.
والأخطر من ذلك كله هو الطريقة التي جندت بها إدارة الهجرة والجمارك عملاءها، حيث تم ذلك في معارض الأسلحة والفعاليات اليمينية، وعبر إعلانات موجهة في برامج إذاعية يمينية.
يبدو أن سلطات البيت الأبيض بصدد تشكيل قوة شرطة وطنية متماسكة أيديولوجيًا، معادية للمهاجرين، وميالة لممارسة العنف، وقد أُبلغت من قبل الإدارة الأمريكية أنها تستطيع التصرف من دون عقاب أو مساءلة قانونية.
لا شك أن تلك الحادثة المأساوية التي حدثت مؤخرا وراحت ضحيتها امرأة تشير إلى مدى قدرة سلطات البيت الأبيض على اختلاق قصة يرددها قادة ومسؤولون آخرون ووسائل الإعلام الداعمة لهم.
لقد كان التأثير واضحاً، حيث أظهر استطلاع رأي حديث أن معظم الأمريكيين يعتقدون، بفارق كبير، أن قتل رينيه وود -المرأة التي أردتها إدارة الهجرة والجمارك في مينيسوتا- كان خطأً، لكن أكثر من ثلاثة أرباع الجمهوريين يسلمون برواية الرئيس ترامب ويعتقدون أنها كانت تشكل تهديداً لعنصر إدارة الهجرة والجمارك وأن قتلها كان مبرراً.
إذن، كيف وصلنا إلى هذه الحد؟ الجواب واضح، لدينا رئيس يقول ما يشاء لتبرير موقفه، ومسؤولون من حوله، ووسائل إعلام داعمة تؤيده بشدة وتهدد من يخالفه الرأي، وحركة حزبية أشبه بالطائفة تصدق كل ما يُقال لها حتى عندما تشير الحقائق إلى واقع مختلف.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك