تعيش البلدان الأوروبية في معظمها أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة ومتسارعة، ما بات يهدد بقلب صفحة الوفرة والرفاهية وهذا أمر تشهد به الأرقام والدراسات والإحصاءات عن ارتفاع نسبة التضخم وتراجع نسبة النمو الاقتصادي والسكاني وتفاقم نسبة البطالة وتزايد الضرائب وإغلاق الآلاف من المصانع والشركات التي كانت تمثل فخر الصناعة الأوروبية، ولذلك بدأت صيحات الفزع تظهر للعلن من خلال أمرين على الأقل:
1- تصاعد الحركات الشعبوية اليمينية المتطرفة في معظم البلدان الأوروبية سواء الشرقية أو الوسطى أو الغربية، وتحولت هذه القوى من هوامش لا تزيد نسبتها في الانتخابات العامة على 10% في معظم الأحيان إلى تحولها بشكل واضح إلى قوة سياسية ودينية تكاد تحصل على الأغلبية أو قريب منها في معظم الأحيان، نرى ذلك بشكل واضح في عدد من دول أوروبا الشمالية إضافة إلى فرنسا وألمانيا، وهذا يهدد على المدى القريب بالتحول التدريجي من الديمقراطية الليبرالية إلى حكم اليمين المتطرف الذي سيعيد الرعب الذي عاشته أوروبا إبان وصول النازية والفاشية إلى الحكم في كل من ألمانيا وإيطاليا.
2- التذمر الشعبي المتصاعد والناجم في الغالب عن زيادة الفقر وتراجع مستوى الخدمات الاجتماعية التي اشتهرت بها أوروبا وتراجع مستوى الوفرة والرفاهية، وهذا أمر جعل بعض الباحثين والدارسين يتحدثون عن أفول أوروبا وتراجعها الاقتصادي والعسكري وربما حتى الثقافي.
تشير المؤشرات الاقتصادية والسياسية مثل تصريحات لكبار المسؤولين الأوروبيين علنا وصراحة عن انتهاء زمن الوفرة والحاجة إلى مواجهة التحديات الكبرى والأزمات المتداخلة التي تشمل انخفاض القوة الإنتاجية الأوروبية وشيخوخة السكان، حيث تمثل نسبة النمو السكاني 1% ما يحول أوروبا إلى مجتمع شيخوخة حقيقية وماذا سيترتب على هذه الشيخوخة من تضخم للإنفاق على هذا المجتمع الذي يتجه تدريجيا نحو الشيخوخة الثانية، إضافة إلى ما تواجهه أوروبا من تحديات وتوترات سياسية بسبب تراجع نفوذها العالمي وتراجع حصتها من الاقتصاد العالمي، ومن أبرز هذه التحديات الحالية كيفية السبيل إلى استعادة القوة الصناعية المنهارة وإعادة إحيائها مثلما يفعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال سعيه لاستعادة الصناعات الأمريكية إلى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر صعب لأنه يرتبط بالكلفة الكبيرة، وعدم قدرتها على منافسة الصناعات الصينية حيث أصبحت هذه الصناعات تمثل تهديدا جوهريا للصناعات الأوروبية وخاصة صناعة السيارات والأجهزة الالكترونية والأسلحة الحديثة التي كان يعتمد عليها الاقتصاد الأوروبي بشكل خاص؛ فالصين اليوم تمثل خطرا من الصعب مواجهته في الواقع الحالي وليس امام أوروبا حلول كثيرة لمواجهة هذا التحدي المتفاقم حيث تكتسح الصين معظم الأسواق العالمية التي كانت تعتبر قبل عقدين من الزمان سوقا أوروبيا بالدرجة الأولى.
وتعاني أوروبا أيضا من تغير موازين القوى في العالم حيث كانت أوروبا القوة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيدين الاقتصادي والعسكري مقابل صعود قوى آسيوية جديدة وتنافس الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وصعود جديد للقوة الروسية التي تعتبرها أوروبا أنها عدو عسكري يمكن أن يهددها في المستقبل.
ويمثل الارتفاع المتزايد في كلفة الطاقة التي تعد السند الرئيسي الأكثر أهمية للاقتصاد الأوروبي ولحياة المجتمعات الأوروبية اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا حيث ورطت أوروبا نفسها في فرض آلاف العقوبات التي أضرت بها بشكل جوهري فبدت وكأنها تطلق النار على أرجلها وخاصة فيما يتعلق بحاجة النفط والغاز حيث نزلوا عند رغبة الولايات المتحدة الأمريكية التي استفادت بدورها من هذه الأزمة من خلال بيع أوروبا الغاز والنفط بـ4 أضعاف سعر النفط والغاز الروسيين، وبالرغم من كل ذلك فإن أوروبا لا تزال تتمتع إلى حد ما بقدر كبير من القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية وبمؤسساتها الديمقراطية القوية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك