عندما نسمع كلمة الاستدامة قد يتبادر إلى الأذهان أن هناك مشروعات ضخمة أو قرارات معقدة، لكن الحقيقة الأهم أن الاستدامة يمكن أن تبدأ بخطوات بسيطة وفق خياراتنا اليومية، الناتجة عن الوعي التراكمي ليصنع أثرًا مجتمعيًا. وقد تبدو الخطوات المنطلقة من شخص واحد صغيرة ولا يظهر أثرها سريعًا، ولكن بمجرد تكرارها، وانتقالها من شخص إلى آخر، فإنها بالتأكيد تتحول إلى مسار مستدام يترجم سلوك من الخيارات اليومية ومن المحيط الذي نعيش فيه. وقد يراود المهتمين بعناوين الاستدامة: سؤال حول كيفية الحفاظ على الاستدامة أو بقائها مستدامة؟ لذا فإن الاستدامة هنا ليست فقط حماية للبيئة كما هي سائدة، إنما هي عمليات ترشيد للاستهلاك في جميع مجالات الحياة، الذي بدوره يسهم في دعم الاقتصادات الوطنية، وتحسين جودة الحياة، ما يثبت التزامنا الأخلاقي تجاه الأجيال القادمة.
وتعرّف الاستدامة إلى أنها القدرة على إيجاد طرق وحلول لتلبية احتياجات الحاضر من دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها في المتطلبات الحياة الأساسية القائمة على ثلاثة ابعاد مترابطة: البعد البيئي، والبعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، ولا يمكن تحقيق استدامة حقيقية إذا تم التركيز على هذه الأبعاد فقط وتجاهل الأخرى؛ حيثُ إن مواصفات البيئة السليمة تعمل على دعم الاقتصاد، وعندما يكون الاقتصاد قويًا فإنه يعزز الاستقرار الاجتماعي، الذي يسهم بدوره في خلق مجتمع واع ملتزم بالحفاظ على البيئة. ومن هنا تبرز أهمية فكرة استدامة الاستدامة، ولا سيما في عالمنا المتغير الذي تتطلب فيه المرونة لتلاءم مع هذه التغيرات المستمرة، وأن عمليات التكيفّ مع التحديات البيئية والاجتماعية لا تكون فقط عبر تطوير سياسات مبتكرة تسهم في عمليات الاستدامة، وإنما يجب أن تكون السياسات نفسها قد أعدت بطريقة مستدامة ومرنة قابلة للتعديل والتطوير والتكيفّ بما يتماشى مع التغيرات المستقبلية، ويكون جزءا من مسار الاستدامة، وهذا الأمر يحفزنا على الاستمرارية في البحث والعمل على إيجاد حلول تعزز من حماية كوكبنا وتدعم الرفاهية المجتمعية.
إن الاستدامة هي أسلوب حياة ومسؤولية مشتركة وثقافة يتبناها المجتمع، عن طريق تكامل الأدوار من الأفراد والأسرة والمؤسسات، وتبدأ بعدة خطوات نحو الاستدامة من دون الحاجة إلى ميزانيات مالية أو إصدار قرارات وسن قوانين وتشريعات، وعلى سبيل المثال فإن البحرين تعتمد بشكل كبير على تحلية المياه، وتواجه تحديات مرتبطة بالطاقة، والنفايات، والازدحام العمراني. هذه التحديات لا تعني أن الحلول بعيدة المنال وغير ممكنة التطبيق، بل تعني أن كل خطوة فردية لها وزن أكبر مقارنة بدول ذات موارد واسعة؛ لذا لنبدأ من منازلنا كالعمل على تقليل هدر الماء والكهرباء، وفصل النفايات قدّر الإمكان، وإعادة استخدام ما يمكن إصلاحه واستخدامه، ودعم منتجاتنا الوطنية المستدامة والصديقة للبيئة، مثل المنتجات المصنوعة من مواد قابلة للتحلل أو المصنوعة من مكونات طبيعية، والتفكير قبل شراء المنتجات ومدى الحاجة اليها فعليًا، التي من الممكن أن تسهم في تقليل التأثير البيئي بشكل كبير.
وهنا نتساءل لماذا تعُد الاستدامة مهمة في البحرين، حيثُ الرقعة الجغرافية صغيرة، ومواردنا الطبيعية محدودة، كذلك هل الاستدامة هدف نسعى لتحقيقه أم هي رحلة تتطلب التزامًا مستمرًا حتى نضمن تحقيقها باعتبارها ضرورة واقعية تمس حاضرنا ومستقبل أجيالنا. ويمكننا جميعًا أن نسهم بالاستفادة من الطاقات الشبابية البحرينية، بما يشكلوا من طاقة وطنية حقيقية للتغيير. عندما تتحول الاستدامة إلى ثقافات عائلية ومدرسية ومجتمعية، وذلك بواسطة أنشطة بسيطة، ومسابقات، أو مبادرات طلابية تترسخ كقيمة مضافة وليس مجرد شعارات، ونحن هنا لسنا بحاجة إلى تقنيات متقدمة حتى نحقق الاستدامة، وإنما فقط إلى وعي بيئي مدروس انطلاقًا من التهديدات البيئية الراهنة لدينا، وتشجيع المبادرات ذات الأفكار المبتكرة والمستدامة، وخاصة في المؤسسات التعليمية والمجتمعية التي تصنع الفرق والتأثير.
وفي هذا السياق تبرز أهمية التعليم منذ المراحل الأولى في حياة الافراد في غرس مفاهيم الاستدامة انطلاقا من الأسرة باعتبارها اللبنة الأولى للتربية وزرع المبادئ والقيم في تنمية هذه الثقافة لدى الأجيال الناشئة، وتعليمهم كيفية المساهمة في الحفاظ على استدامة الموارد الطبيعية؛ حيثُ إن التعليم عن الاستدامة من الممكن أن يبدأ من المنزل، وإكساب الطفل فكرة عن المسؤولية تجاه البيئة والمجتمع بشكل عملي، وكل تلك الممارسات تنغرس في تفكيره وسلوكه حتى يتحول إلى ممارسات، حيثُ إن المعرفة هي الخطوة الأولى واكتساب الوعي هو الطريق، والتطبيق هو النتيجة، وبذلك تصبح الاستدامة جزءًا من الحياة اليومية، ويتحول الوعي البيئي تدريجيًا إلى جزء من الهوية الشخصية للأجيال الناشئة.
وأما الخطوة الأهم نحو الاستدامة فإنها تبدأ في المؤسسات التعليمية بواسطة غرس ثقافة المسؤولية البيئية والاجتماعية لدى الطلبة، انطلاقًا من دمج مفاهيم الاستدامة في المناهج الدراسية والأنشطة اللاصفية؛ فعندما يتعلم الطالب أهمية ترشيد الموارد، واحترام البيئة، والعمل الجماعي، تتحول المعرفة إلى ممارسة يومية وسلوك دائم. كما تلعب المؤسسات التعليمية دورًا تطبيقيًا نتيجة لتبني ممارسات مستدامة داخل المؤسسة التعليمية، كتقليل استهلاك الطاقة والمياه، وتشجيع إعادة التدوير، والاعتماد على التحول الرقمي للحد من استخدام الورق. وتحفيز الابتكار والمشاريع التي تخدم أهداف التنمية المستدامة، بما يتماشى مع توجهات مملكة البحرين ورؤية البحرين 2030.
وفي مملكة البحرين تؤدي المؤسسات التعليمية دورًا محوريًا في ترسيخ مفاهيم الاستدامة، بوصفها الحاضنة الأولى لبناء الوعي وصناعة السلوك المسؤول لدى الأجيال القادمة؛ فلم تعد الاستدامة خيارًا إضافيًا في العملية التعليمية، بل أصبحت مسارًا ضروريًا يبدأ بخطوة واعية داخل المدرسة أو الجامعة، وينعكس أثره على المجتمع البحريني كافة. إذا فلتكن استدامة الاستدامة جزءاً من منظومة تعليمية واجتماعية مترابطة، ترسل إلى الأجيال القادمة رسائل واضحة عن كيفية الحياة بشكل مستدام، وتحقيق التوازن المنطقي بين احتياجات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
وأخيرًا؛ يمكن القول إن الاستدامة ليست مشروعًا مؤقتًا ولا هي مسؤولية جهة محددة تختص بها، بل هي مسار عملي يبدأ بخطوة، وتمثل هذه الخطوات البسيطة نموذجًا عمليًا يترجم المفاهيم النظرية إلى واقع ملموس؛ لذا يتطلب تكاتف الجميع حول اتخاذ هذه الخطوات نحو الاستدامة واستثمارها بشكل فعلي، وهذا التحدي، الذي يعبر عن فرصة حقيقية، يفتح لنا آفاقاً لبناء عالم أكثر استدامة، عالم يعتمد على استراتيجيات مرنة، قابلة للتكيف والتجديد، وأجيال شابة ملهمة تسعى لتحقيق مستقبل أفضل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك