سبق لنا في أحد المقالات قبل فترة أن تناولنا موضوع احتمالات تفكك حلف شمال الأطلسي «الناتو» بالنظر إلى وجود مؤشرات عديدة مرتبطة بالمنظومة الداخلية لهذا الحلف الذي تأسس بعد نهاية الحرب الكونية الثانية في إطار الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي وبإخفاقات هذا الحلف من ناحية ثانية والاختلافات بين أعضائه التي برزت مؤخرا بشكل كبير وواضح منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة من ناحية ثالثة.
ونعود اليوم إلى هذا الموضوع مجددا، إذ أصبحت هذه العناصر التي أشرنا إليها ليست مؤشرات فقط بل أصبحت واقعا ملموسا بعد أن أصبح أعضاء هذا الحلف من الأوروبيين أو أغلبهم على الأقل مستعدين لمواجهة الموقف الأمريكي الجديد من الحلف، حيث وصل الأمر اليوم إلى مرحلة ما قبل المواجهة السياسية والعسكرية بين أعضاء حلف الناتو أنفسهم، ويمكن هنا العودة إلى ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية من ملاسنات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي ورئيس وزراء بريطانيا العظمى والمستشار الألماني ورئيس وزراء كندا، فهؤلاء يمثلون أقوى الأعضاء في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان هناك تبادل للاتهامات والتهديدات وهذا يحدث لأول مرة بهذه الصورة الواسعة وخاصة بعد أن استخدم الرئيس الأمريكي عبارات جارحة غير مسبوقة في حديثه عن هذه القيادات الغربية للانتقاص منهم صراحة وعلنا.
يواجه حلف الناتو اليوم توترات وخلافات عديدة؛ من أبرزها التباين الكبير بين المواقف الأمريكية التي تهدد بالانسحاب من الحلف نفسه أو ما يتعلق بالإنفاق الدفاعي الجديد وسط الأزمات الاقتصادية والمالية والاختلافات الجوهرية في حل القضايا ومنها الأزمة الأوكرانية، بحيث بات واضحا الاختلاف بشكل كبير بين طرفي حلف شمال الأطلسي، ما بدأ يؤشر لتحولات قد تجعل الدول الأوروبية تتجه نحو الاعتماد على قواها الذاتية بعد أن تبين أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد راغبة في الاستمرار في الانفاق في الدفاع عن أوروبا.
إن التهديد الأمريكي بالابتعاد تدريجيا عن الدفاع عن القارة العجوز ينذر بالعودة المحتملة لسياسات الرئيس ترامب تجاه البلدان الأوروبية حيث تتزايد احتمالات تقليص المظلة الدفاعية الأمريكية، ما سيؤدي حتما إلى تراجع هذا الحلف وإضعافه بشكل كبير يذكرنا بما أصاب حلف وارسو قبل تفككه.
المشكلة الثانية تتمثل في ضخامة الانفاق العسكري الذي يطالب به الرئيس الأمريكي أوروبا من 1% إلى 5%، ما سيؤدي في حال تطبيقه إلى مزيد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها معظم الدول الأوروبية في مقدمتها فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى، ما سيؤدي إلى توترات اجتماعية وعمالية وثقافية بسبب تقلص الانفاق على الخدمات العامة والتوظيف؛ فالعديد من المؤسسات الصناعية الأوروبية أصبحت اليوم غير قادرة على المنافسة في مواجهة الصناعات الصينية في سياق حرمان أوروبا من الطاقة الروسية الرخيصة التي فرضتها هذه الدول على نفسها وتضررت بشكل كبير، في حين استغلت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير بيع النفط والغاز المسال إلى أوروبا بأربعة أضعاف سعر الغاز الروسي.
أما النقطة الثالثة فتتعلق بتزايد احتمالات تأثير هذه الخلافات الداخلية بين أعضاء الحلف وتأثيرها على الأعضاء من خارج الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ما سيؤدي تدريجيا إلى نزعات استقلالية وذلك نتيجة لتلويح الولايات المتحدة الأمريكية بـأنها ستقلص حضورها العسكري في أوروبا، وفي حال حدوثه سيؤدي إلى تغير جوهري في خارطة التحالفات الغربية.
إن هذه الصورة المتراكمة باتت توحي بأن حلف الناتو لم يعد في أحسن حالاته، بل هناك مخاوف جدية من انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الحلف، ما سيحول هذا الحلف إلى مجرد تحالف أمني أوروبي بدلا من كونه قوة عالمية للردع، وهذا بدوره سيشجع العديد من القوى في العالم وخاصة من حلف شمال الأطلسي على الاعتماد على قواها الذاتية وربما على الاستقلال عن هذا الحلف وبناء تحالفات جديدة أصغر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك