العدد : ١٧٤٨٠ - السبت ٣١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٠ - السبت ٣١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مؤشرات على قرب تفكك حلف الناتو

بقلم: د. نبيل العسومي

السبت ٣١ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

سبق‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المقالات‭ ‬قبل‭ ‬فترة‭ ‬أن‭ ‬تناولنا‭ ‬موضوع‭ ‬احتمالات‭ ‬تفكك‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬عديدة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمنظومة‭ ‬الداخلية‭ ‬لهذا‭ ‬الحلف‭ ‬الذي‭ ‬تأسس‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الكونية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬وبإخفاقات‭ ‬هذا‭ ‬الحلف‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭ ‬والاختلافات‭ ‬بين‭ ‬أعضائه‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬مؤخرا‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬وواضح‭ ‬منذ‭ ‬عودة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثالثة‭.‬

ونعود‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬مجددا،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليها‭ ‬ليست‭ ‬مؤشرات‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬واقعا‭ ‬ملموسا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬أعضاء‭ ‬هذا‭ ‬الحلف‭ ‬من‭ ‬الأوروبيين‭ ‬أو‭ ‬أغلبهم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬مستعدين‭ ‬لمواجهة‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الحلف،‭ ‬حيث‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬المواجهة‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬بين‭ ‬أعضاء‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬أنفسهم،‭ ‬ويمكن‭ ‬هنا‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬ملاسنات‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬والرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬ورئيس‭ ‬وزراء‭ ‬بريطانيا‭ ‬العظمى‭ ‬والمستشار‭ ‬الألماني‭ ‬ورئيس‭ ‬وزراء‭ ‬كندا،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬يمثلون‭ ‬أقوى‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬بعد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تبادل‭ ‬للاتهامات‭ ‬والتهديدات‭ ‬وهذا‭ ‬يحدث‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة‭ ‬الواسعة‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استخدم‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬عبارات‭ ‬جارحة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬القيادات‭ ‬الغربية‭ ‬للانتقاص‭ ‬منهم‭ ‬صراحة‭ ‬وعلنا‭.‬

يواجه‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬اليوم‭ ‬توترات‭ ‬وخلافات‭ ‬عديدة؛‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬التباين‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬المواقف‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬الحلف‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالإنفاق‭ ‬الدفاعي‭ ‬الجديد‭ ‬وسط‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬والاختلافات‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬القضايا‭ ‬ومنها‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬بحيث‭ ‬بات‭ ‬واضحا‭ ‬الاختلاف‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬طرفي‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي،‭ ‬ما‭ ‬بدأ‭ ‬يؤشر‭ ‬لتحولات‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬قواها‭ ‬الذاتية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬راغبة‭ ‬في‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الانفاق‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬أوروبا‭.‬

إن‭ ‬التهديد‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالابتعاد‭ ‬تدريجيا‭ ‬عن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭ ‬ينذر‭ ‬بالعودة‭ ‬المحتملة‭ ‬لسياسات‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬تجاه‭ ‬البلدان‭ ‬الأوروبية‭ ‬حيث‭ ‬تتزايد‭ ‬احتمالات‭ ‬تقليص‭ ‬المظلة‭ ‬الدفاعية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ما‭ ‬سيؤدي‭ ‬حتما‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬هذا‭ ‬الحلف‭ ‬وإضعافه‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬يذكرنا‭ ‬بما‭ ‬أصاب‭ ‬حلف‭ ‬وارسو‭ ‬قبل‭ ‬تفككه‭.‬

المشكلة‭ ‬الثانية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬ضخامة‭ ‬الانفاق‭ ‬العسكري‭ ‬الذي‭ ‬يطالب‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬1‭% ‬إلى‭ ‬5‭%‬،‭ ‬ما‭ ‬سيؤدي‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تطبيقه‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬فرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬العظمى،‭ ‬ما‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬توترات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وعمالية‭ ‬وثقافية‭ ‬بسبب‭ ‬تقلص‭ ‬الانفاق‭ ‬على‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭ ‬والتوظيف؛‭ ‬فالعديد‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصناعية‭ ‬الأوروبية‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصناعات‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬حرمان‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الروسية‭ ‬الرخيصة‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬وتضررت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬استغلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بيع‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬المسال‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬بأربعة‭ ‬أضعاف‭ ‬سعر‭ ‬الغاز‭ ‬الروسي‭.‬

أما‭ ‬النقطة‭ ‬الثالثة‭ ‬فتتعلق‭ ‬بتزايد‭ ‬احتمالات‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬الخلافات‭ ‬الداخلية‭ ‬بين‭ ‬أعضاء‭ ‬الحلف‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الأعضاء‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬ما‭ ‬سيؤدي‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬نزعات‭ ‬استقلالية‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬لتلويح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بـأنها‭ ‬ستقلص‭ ‬حضورها‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬حدوثه‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغير‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬خارطة‭ ‬التحالفات‭ ‬الغربية‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المتراكمة‭ ‬باتت‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬حالاته،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬مخاوف‭ ‬جدية‭ ‬من‭ ‬انسحاب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحلف،‭ ‬ما‭ ‬سيحول‭ ‬هذا‭ ‬الحلف‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬تحالف‭ ‬أمني‭ ‬أوروبي‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬قوة‭ ‬عالمية‭ ‬للردع،‭ ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬سيشجع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬على‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬قواها‭ ‬الذاتية‭ ‬وربما‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الحلف‭ ‬وبناء‭ ‬تحالفات‭ ‬جديدة‭ ‬أصغر‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا