استكمالاً لحديثنا السابق الذي نشر في السابع من يناير 2026 بعنوان (كيف السبيل إلى الإدارة المستدامة للمنزل؟)، الذي ذكرنا فيه عددا من الأنشطة المنزلية التي نمارسها والتي يمكن من خلالها أن تتحول المنازل من منازل تقع تحت الإدارة التقليدية إلى الإدارة المستدامة، لنبدأ اليوم حديثنا من هذه النقطة، وهي الأسس المنهجية التي يجب أن تقام عليها الأسرة المستدامة، إلا أنه يجب أن يكون مفهومًا أن هذه الأسس متداخلة ولا يوجد بينها حواجز يمكن أن نقول إنه عند حدود هذا الأساس يتوقف مفعول الأساس الآخر، بناء على ذلك فإن الأسرة مجموعة من الأسس التي تتداخل مع بعضها بعضا لتصبح على أجمل وجه.
ما مفهوم الأسرة؟
مصطلح (الأسرة) يجده بعض الدارسين أنه ينحدر من الجذر اللغوي (أسر)، التي تدل على الإمساك والقيد، وأسره يأسره أسرا وإسارة، شده بالإسار، والإسار ما شد به وهو القيد، ومنه الأسير، ويجدها بعض علماء اللغة العربية أنها الدرع الحصين وذلك من منطلق الآية الكريمة «نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ» سورة الإنسان – الآية 28، بمعنى شددنا خلقهم، وأسرة الرجل، عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم، فهي إذن الدرع الحصين.
ومن هذا المنطلق يمكن أن نأتي بالمعنى الإيجابي لمصطلح (الأسرة) الذي يدل على أن الأسرة مجموعة من الأفراد يشد بعضهم بعضا، وتربطهم أواصر قوية تجعل علاقتهم صلبة، فالأسرة هي الدرع الحصين لأنها تحمي أفرادها داخل حِصنها المنيع، كما أنها حصن للإنسان بتثبيت مصدر وجوده وتكوينه وتنشئته.
أما من حيث الاصطلاح فإن الأسرة هي البوتقة الأولى التي يتربى وينشأ فيها الإنسان، وتحفظ النسب والقربى والرحم، وهي أصغر الجماعات المكونة للمجتمع، ومن خلالها تنشأ التفاعلات بين أفرادها ليكتسبوا أنماط وسلوكيات مختلفة، وما ينتج عنها من أفكار ومواقف وتصرفات بصيغها المختلفة إيجابية كانت أو سلبية، وتربط هؤلاء الأفراد أواصر الحب والعاطفة والعلاقات الإنسانية بالدرجة الأولى بالإضافة إلى بعض الأمور الأخرى.
لماذا نبني أسرة؟
لم يختلف العلماء كثيرًا في تحديد فوائد الزواج للرجل والمرأة والمجتمع، فنحن هنا نتحدث عن حالة اجتماعية إنسانية عاطفية حتمية، لا يمكن أن تتم إلا من خلال طرفين وجنسين مختلفين أو ما يعرف بالاختلاف الجنسي، فلا يمكن أن يتم الزواج أو أن يكون مستدامًا -أيًا كانت المبررات- إن كان الزواج قد قام على جنس واحد، وذلك لأسباب كثيرة منها التباعد وعدم الإشباع العاطفي، بالإضافة إلى تدهور المجتمع، فمن خلال الزواج يتم السعي إلى التكامل الاجتماعي والمجتمعي. وعمومًا يمكن تلخيص فوائد الزواج وبناء أسرة على النحو الآتي:
1. تحقيق العفة، هو أغض للبصر وأحصن للفرج، ويقي من الوقوع في الحرام.
2. السكن والمودة، يوفر الراحة النفسية والسكينة، قال تعالى: «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا».
3. تكثير الأمة واستمرار الحياة، يحقق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته يوم القيامة، قال: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم).
4. الاستقرار، يوفر الاستقرار النفسي والاجتماعي، ويساعد على الإقبال على العمل والعبادة.
5. تقوية الروابط والعلاقات، يوطد الصلات الاجتماعية ويقوي الترابط بين الأسر والمجتمع.
6. الصحة النفسية والبدنية، العلاقة الزوجية السعيدة تقلل من الأمراض النفسية والبدنية كأمراض القلب، وتزيد الشعور بالسعادة.
الأسس التي تقام عليها الأسرة
من خلال بحثنا في موضوع الأسرة المستدامة وجدنا أن الأسرة يمكن أن تقام على منظومة من الأسس المنهجية التي تجعل من هذه الأسرة مؤسسة منتظمة متكاملة لتمهد من ناحية لاستقرار أفراد الأسرة ومن ناحية أخرى النمو المنهجي لهذه الأسرة حتى تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، ومن ثم تنمية المجتمع الذي يرتبط مع تلك الأسرة المستدامة بالروابط الإنسانية والفكرية والعقائدية والقيمية، لنحاول أن نلخص بعضًا من تلك الأسس، وهي كالآتي:
أولاً: الأسس القيمية والعقائدية، وهي مجموعة المبادئ الأخلاقية والعادات والمعتقدات التي تشكّل الإطار الذي تسير عليه الأسرة لتحقيق الاستقرار والنجاح. ويمكن أن تتضمن:
{ الاحترام المتبادل الذي يضمن احترام كل فرد لحقوق الآخر وآرائه.
{ الصدق والأمانة وبناء الثقة بين أفراد الأسرة.
{ التعاون والتكافل ودعم الأفراد لبعضهم بعضا في الأزمات أو في النجاحات.
* الالتزام بالمبادئ الدينية التي توجه السلوك وتحدد ما هو صحيح وما هو خاطئ.
{ غرس الإيمان في نفوس الأبناء ليكون مرجعًا في اتخاذ القرارات.
هذه الأسس وغيرها تضمن أن تكون الأسرة بيئة آمنة ومستقرة، وتساعد في تربية جيل متوازن نفسيًا واجتماعيًا.
ثانيًا: الأسس العاطفية والاجتماعية، وهي تشير إلى الركائز التي تضمن ترابط أفراد الأسرة نفسيًا واجتماعيًا، بحيث يشعر كل فرد بالأمان والانتماء والدعم. ويمكن أن تشمل الآتي:
{ المحبة والحنان وإظهار الحب والاهتمام بين أفراد الأسرة بشكل مستمر.
{ الدعم النفسي والوقوف بجانب أفراد الأسرة في الأوقات الصعبة وتقديم التشجيع.
{ التواصل الفعّال والحوار المفتوح لحل المشكلات وتبادل الأفكار.
{ التعاون والمشاركة في الأنشطة الأسرية والقرارات المهمة.
{ الاندماج المجتمعي وتشجيع الأسرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع الخارجي.
نعتقد أن هذه الأسس تنشئ بيئة مليئة بالثقة والاحترام، وتساعد في بناء شخصية متوازنة للأبناء، ما ينعكس على نجاحهم في الحياة الاجتماعية والمهنية.
ثالثًا: أسس المهارات الحياتية والعلاقات الإنسانية، وتعني القدرات العملية والاجتماعية التي تساعد أفراد الأسرة على التكيف مع الحياة اليومية وبناء علاقات صحية داخل الأسرة وخارجها، وتشمل ما يأتي:
{ القدرة على حل المشكلات واتخاذ القرار، والقدرة على مواجهة التحديات اليومية بطريقة عقلانية.
{ التكيف مع التغيرات والمرونة في التعامل مع الظروف الجديدة مثل الانتقال أو تغيرات العمل.
{ التعاطف والتسامح وفهم مشاعر الآخرين وتقبل الاختلافات.
{ العمل الجماعي والتعاون في المهام الأسرية والمشاركة في القرارات.
{ بناء الثقة والالتزام بالوعود واحترام الخصوصية.
نعتقد أن هذه الأسس تجعل الأسرة أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وتخلق بيئة يسودها الاحترام والدعم المتبادل، ما ينعكس على استقرار الأسرة وتماسكها.
رابعًا: الأسس الإدارية، وتعني مجموعة القواعد والمهارات التي تساعد في تنظيم شؤون الأسرة بشكل منظم وفعّال، بحيث يتم تحقيق التوازن بين احتياجات أفرادها وإدارة الموارد المتاحة. وتتضمن الآتي:
{ تحديد الأهداف الأسرية؛ مثل التعليم، والصحة، والترفيه، والادخار.
{ إدارة الأولويات والتركيز على الأمور الأكثر أهمية أولاً.
{ تحديد الموارد المالية ووضع ميزانية للأسرة، وضبط المصروفات، وتخصيص جزء للادخار.
{ الموارد البشرية وتوزيع الأدوار بين أفراد الأسرة بما يناسب قدراتهم.
{ المشاركة في اتخاذ القرار، وذلك بإشراك جميع أفراد الأسرة في القرارات المهمة.
من الملاحظ أن هذه الأسس تجعل الأسرة أكثر تنظيمًا واستقرارًا، وتساعد في تقليل الضغوط وتحقيق التعاون بين أفرادها.
خامسًا: الأسس الصحية والبيئية، وتعني مجموعة الممارسات والضوابط التي تضمن سلامة أفراد الأسرة جسديًا ونفسيًا، إضافة إلى توفير بيئة نظيفة وآمنة للعيش، وتشمل:
{ التغذية السليمة وتوفير وجبات متوازنة تحتوي على العناصر الغذائية الأساسية.
{ النشاط البدني وتشجيع أفراد الأسرة على ممارسة الرياضة بانتظام.
{ النظافة الشخصية والالتزام بالعادات الصحية مثل غسل اليدين والاستحمام.
{ النظافة المنزلية والحفاظ على نظافة البيت وترتيبه لتجنب الأمراض.
{ التهوية والإضاءة الجيدة وضمان دخول الهواء النقي والضوء الطبيعي.
{ التخلص من النفايات بشكل صحيح لتجنب التلوث وانتشار الحشرات.
هذه الأسس تسهم في تعزيز الصحة الجسدية والنفسية، وتنشئ بيئة آمنة ومستقرة مستدامة تساعد الأسرة على النمو والنجاح.
سادسًا: أسس التربية والتعليم، وتتضمن المبادئ والطرق التي تعتمدها الأسرة لتنشئة الأبناء بشكل متوازن، وتنمية قدراتهم العقلية والأخلاقية والاجتماعية، وتشمل:
{ تعليم السلوكيات الإيجابية في التعامل مع الآخرين.
* توفير بيئة محفزة للتعلم داخل المنزل.
{ متابعة التحصيل الدراسي للأبناء وتشجيعهم على البحث والابتكار.
{ تنمية مهارات التفكير النقدي والتفكر الإبداعي وحل المشكلات.
{ تعزيز الثقة بالنفس لدى الأبناء.
من الجدير بالذكر أن هذه الأسس تضمن إعداد جيل واعٍ، قادر على النجاح في حياته الشخصية والمهنية، ومسهم في المجتمع بشكل إيجابي ومستدام.
سابعًا: الأسس الاقتصادية والمالية، وتعني ببساطة المبادئ التي تساعد الأسرة على إدارة مواردها المالية بشكل حكيم لتحقيق الاستقرار والازدهار، وتشمل:
{ وضع ميزانية شهرية لتحديد الدخل والمصروفات.
{ تحديد أهداف مالية قصيرة وطويلة المدى مثل الادخار أو الاستثمار.
{ إنشاء صندوق للطوارئ لتغطية الحالات غير المتوقعة.
{ التفكير في استثمارات آمنة لزيادة الدخل على المدى الطويل.
{ تعليم أفراد الأسرة أساسيات التعامل مع المال.
{ غرس ثقافة المسؤولية المالية لدى الأبناء.
هذه الأسس تضمن الاستقرار المالي للأسرة، وتقلل من الضغوط الاقتصادية، وتساعد في تحقيق الأمان المعيشي المستدام.
ثامنًا: الأسس القانونية، وتعني الالتزام بالقوانين والأنظمة التي تنظم العلاقات الأسرية، بما يضمن حقوق جميع أفراد الأسرة ويحافظ على استقرارها، سواء كانت تلك القوانين داخلية أو حتى مجتمعية، وتشمل:
{ التنظيم الإداري داخل المنزل، بمعنى أن يعرف كل فرد الواجبات التي عليه وحقوقه.
{ معرفة حقوق الزوجين مثل النفقة، والسكن، وحضانة الأبناء.
{ الالتزام بالواجبات تجاه الأبناء من رعاية وتعليم.
{ توثيق العقود والاتفاقات الأسرية مثل الميراث أو الممتلكات المشتركة.
{ الاحتفاظ بالمستندات الرسمية؛ مثل: بطاقات، شهادات ميلاد، عقود.
{ تجنب التصرفات التي تخالف القانون المجتمعي والدولة أو تؤدي إلى فقدان الحقوق.
هذه الأسس تضمن حماية الأسرة من النزاعات، وتحافظ على حقوق جميع الأطراف، وتحقق الاستقرار القانوني والاجتماعي.
هذه الأسس بطريقة أو بأخرى تسهم في تنظيم الأسرة التي تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة بين جنباتها، فلو كانت هذه الأسس واضحة لجميع أفراد الأسرة فإن ما يأتي بعد ذلك سيكون أسهل في التحقيق، وهذا حديث آخر.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك