لا يزال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحتفل بما وصفه بأنه «واحد من أكثر العروض المذهلة والفعالة والقوية للقوة والكفاءة العسكرية الأمريكية في تاريخ الولايات المتحدة».
لكن الاحتفالات تظل سابقة لأوانها. ففي الواقع، لم يُحسم بعدُ أمرُ العدوان على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك لمحاكمته أمام محكمة أمريكية. فعندما نتمعن جيدا في الموقف الراهن الناجم عن تلك العملية يتضح لنا أن هناك أسئلة أكثر من الإجابات.
هناك عدة مسائل يجب أن تؤخذ في الاعتبار؛ فالهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا وعملية اختطاف رئيسها ليسا مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل من الأدق القول إنهما بمثابة دق ناقوس الخطر على هياكل القانون الدولي والدبلوماسية التي أُنشئت في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية المدمرتين اللتين شهدهما القرن العشرين.
لا شك أن الدرس المقلق الذي يتبلور من كل هذا هو أنه إذا كانت دولة ما قوية بما يكفي، فبإمكانها فرض إرادتها والإفلات من العقاب. وقد أدركت إسرائيل هذا الأمر، فشرعت على مدى سنوات، بمباركة الولايات المتحدة الأمريكية، في ارتكاب جرائم القتل والدمار، وفرض إرادتها على جيرانها من دون رادع.
قد تقرر الدول الأخرى، إذا وجدت الظروف مواتية، أن تحذو حذو الولايات المتحدة، ما يجعل جميع المؤسسات المنبثقة عن منظمة الأمم المتحدة والمحاكم الدولية والقانون الدولي عتيقة وغير ذات جدوى.
وهناك أيضاً القلق السياسي الداخلي في الولايات المتحدة من أن الرئيس دونالد ترامب قد يكون بالخطوة التي أقدم عليها زجّ من جانب واحد بجيش بلاده في مهاجمة دولة أخرى من دون تفويض من الكونجرس، كما هو مطلوب بموجب دستور الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن في الواقع فإن هذا الأمر لا يعني أن مثل هذه الموافقة كانت ستجعل الإجراءات في فنزويلا شرعية، ولكن القيام بذلك من دون إخطار الكونجرس الأمريكي يجعل تصرفات الرئيس دونالد ترامب خارجة عن المألوف.
إن حجة الإدارة الأمريكية بأن ما حدث لا يرتقي إلى حربا، بل جاء تنفيذاً للائحة اتهام جنائية، تبدو زائفة بسبب حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تقصف السفن الفنزويلية أسابيع، وقامت بنشر أسطول بحري لفرض حصار على البلاد.
ليس الرئيس دونالد ترامب أول زعيم أمريكي يتصرف بما يخالف القانون الدولي. لكن الرؤساء السابقين غلّفوا أفعالهم بخطابات رنانة لإخفاء نواياهم العدوانية. ما يجعل تصرفات الرئيس دونالد ترامب جريئة للغاية هو أنه صرّح بأهدافه بوضوح تام.
لم يتظاهر الرئيس دونالد ترامب بأن الأمر يتعلق بإعادة الديمقراطية إلى البلاد، بل إنه أوضح أن الولايات المتحدة تحركت «لاستعادة» منشآت النفط الفنزويلية التي تم تأميمها قبل عقد ونصف العقد، وقامت مؤخراً بمصادرة ناقلات نفط بدعوى أنها ستستخدم لتعويض الولايات المتحدة عن عائدات النفط المفقودة.
أعلن الرئيس دونالد ترامب أننا «سندير البلاد»، وأن الرئيسة المؤقتة الجديدة، ديلسي رودريغيز، «ستفعل ما نريده»، وإلا ستواجه مصيراً أسوأ من مصير مادورو، حيث خلص إلى القول: «ليس أمامها من خيار آخر».
ثمّة غموضٌ يُحيط بهذا المشروع برمّته. ما هي الغاية النهائية، وكيف تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها؟ يقول الرئيس دونالد ترامب إنّ الولايات المتحدة ستُدير البلاد ولن تُسلّمها إلا بعد إصلاحها، أي بعد أن تستعيد شركات النفط الأمريكية السيطرة على موارد النفط الهائلة في البلاد، مع تصرف الحكومة الفنزويلية كدولة تابعة.
ورغم أن الأوضاع الراهنة تبدو حتى الآن تسير على ما يرام، إلا أن هذا الوضع قد لا يستمر، ففنزويلا لديها مؤسسات حكم، ويسيطر حزب السيد مادورو على الجيش، ويمتلك قاعدة دعم مسلحة كبيرة.
يظل السؤال الأهم والملح الذي يجب الإجابة عنه هو كالآتي: كيف تسعى الولايات المتحدة إلى فرض إرادتها على هذه الهياكل التي تعارض أيديولوجياً الهيمنة الأمريكية؟
إن الطريقة الوحيدة المقترحة والممكنة حتى الآن هي التهديد بشن المزيد من الضربات العسكرية الأمريكية ضد البلاد و/أو التهديد بالعنف ضد الشخصيات الحكومية لإجبارها على الامتثال.
من غير المرجح أن يتحقق ذلك من دون نشر قوات أمريكية فترة طويلة. وهذا يثير التساؤل الأخير: هل سيتمكن الرئيس دونالد ترامب من الحفاظ على الدعم الشعبي الأمريكي لهذه القضية برمتها؟ إذا كانت هناك مقاومة فنزويلية، فالإجابة على الأرجح هي «لا».
لقد قارن بعض المحللين السياسيين الوضع في فنزويلا بالوضع في العراق، صحيح أنه يمكن إجراء مثل هذه المقارنات، ولكن إلى حد ما فقط.
فعلى سبيل المثال، عندما غزت الولايات المتحدة العراق لأول مرة، حظي الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش بدعم من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. وكانت إدارة بوش قد دافعت عن وجود صلة بين العراق وهجمات القاعدة الإرهابية في 11 سبتمبر 2001.
لقد زعمت الإدارة الأمريكية آنذاك كذلك أن الإطاحة بصدام حسين وإقامة حكومة موالية يمكن أن تتم في غضون بضعة أشهر، ولا تتطلب سوى تمركز محدود للقوات الأمريكية، وكلفة قليلة، حيث إن النفط العراقي سيغطي تكاليف الحرب.
لم يتم الأمر في العراق وفق ما كانت تتوقعه وتأمله الإدارة الأمريكية آنذاك. فمع استمرار الحرب وتزايد الخسائر والتكاليف، تراجع الدعم الشعبي للتدخل العسكري في العراق.
أما فيما يتعلق بحالة فنزويلا، فقد أظهرت عمليات سبر الآراء التي أجريت حتى الآن أن الرأي العام الأمريكي منقسم بالفعل في البداية بشأن إجراءات الإدارة الأمريكية، حيث يؤيدها 40% فقط ويعارضها 42%.
ورغم الانقسام الحزبي الحاد فإن معارضة المستقلين تعادل ضعف معارضة الفنزويليين. وإذا ما استدعت الضرورة نشر قوات أمريكية في فنزويلا، أو في حال وقوع خسائر بشرية -أمريكية وفنزويلية- فمن المؤكد أن المعارضة ستزداد.
عندها، سيحتاج الرئيس دونالد ترامب إلى مواجهة الجمهوريين القلقين في الكونجرس الذين من المرجح أن يروا كارثة في استطلاعات الرأي، وسيكون عليه إما أن يتوغل أكثر في عمليته، معرضًا قيادته للخطر، وإما أن يفعل ما فعله من قبل؛ إعلان النصر، وتغيير المسار، و/أو خلق أزمة جديدة لصرف الانتباه عن مناورة سياسية فاشلة أخرى.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك