النظام الدولي ليس نظاما جامدا غير قابل للتغير والتحول، والفرضية هنا بقدر قوة النظام الدولي بقدر قدرته على التكيف والاستجابة للمتغيرات التي تحكمه، وهي متغيرات بعدد الدول والفاعلين من غير الدول وحالة القوة بينها، والفرضية الثانية أن بيئة النظام الدولي ليست مستقلة عن مكوناتها، وهي الدول القومية التي تحكمها مصالحها الحيوية وقوتها، والفرضية الثالثة أن النظام الدولي وتجسده الأمم المتحدة ليست له إرادة خاصه تعلو إرادات الدول المكونة.
وهنا المثال بمجلس الأمن وتمتع خمس دول فقط بحق الفيتو الذي يسقط أي قرار دولي. والفرضية الرابعة وهي ارتباط الشرعية الدولية بالقوة وأن شرعية القوة قد تغلب قوة الشرعية. والنظام الدولي قابل التفكك مع أول مواجهة بين القوي الكبري المتحكمة في النظام الدولي.
والأساس في العلاقات الدولية هو القوة وهي المحرك لكل العلاقات الدولية، وقد ارتبطت مع ظهور الدولة القومية عام 1648 وكانت البداية أوروبية وهي بداية المرحلة الأولي من النظام الدولي التعددي الأوروبي وكانت سببا في اندلاع الحربين الكونيتين الأولي والثانية، فمن طبيعة الدول أنها تسعي للوصول إلى قمة النظام الدولي، والمعيار هنا قدر وحجم القوة الذي تملكه.
إن التغيرات الكبري في هيكل وبنية النظام الدولي ارتبطت تاريخيا بالتحولات الكبري في توازنات القوة السائدة. وهي التي تفسر لنا التحول من النظام الأوروبي الذي ساد حتي نهاية الحرب الثانية وهزيمة أوروبا وتبعيتها للقوة الأمريكية منذ ذلك التاريخ، وليبدأ مع نهاية الحرب الثانية ظهور نظام القطبية الثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وسادته الحرب الباردة، واستمر هذا النظام حتي سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 وليبدأ نظام دولي جديد يقوم على الأحادية الأمريكية التي مازالت قائمة حتى الآن ولكن ليس بنفس القوة التي بدأتها، لتظهر الآن متغيرات وتحولات في بينة القوة الدولية مع ظهور الصين والدور الروسي بعد الحرب الأوكرانية والصراع على تغيير بنية النظام الأحادي والاتجاه نحو نظام أكثر تعددية.
وهنا الدور الحاسم الذي تلعبه الولايات المتحدة وإدارة الرئيس ترامب الذي يسعى إلى نظام دولي يحتفظ بأحادية القوة الأمريكية مع التسليم بدور منافس بين الدول والقوى الكبرى كالصين وروسيا والاعتراف بدور الدول الإقليمية القوية الصاعدة كالهند.
ومن سمات هذا التحول في الدور الأمريكي وهو الأساس والقوة المحركة في عملية التحول ونجاحها تجاهل قوة القانون الدولي والمؤسسات الدولية وتجاهل دور الشرعية الدولية والتسليم بشرعية القوة ومصلحتي أولا. وهو ما يعبر عنه بشعار أمريكا أولا.
وهنا أيضا تجاهل دور الأمم المتحدة ودورها في حل المنازعات الدولية وإقرار مبدأ السلام والأمن الدوليين ليحل محله سلام وأمن الولايات المتحدة، والمثال البارز هنا الاعتداء على سيادة دول مستقلة واعتقال رئيس فنزويلا ومحاكمته في المحاكم الامريكية، والتهديد باحتلال جزيرة جرينلاند لغرض الأمن القومي الأمريكي، والانسحاب من 66 منظمة دولية.
والمثال الآخر تشكيل ما يعرف بمجلس السلام لغزة وتشكيله من عدد من الدول برئاسة ترامب نفسه، وهنا ليست القضية غزة بقدر ما هي رسالة بأن هذا المجلس قد يكون بديلا للأمم المتحدة، والشروع في التحول نحو نظام دولي جديد.
ومن المؤشرات المهمة التحولات في التحالفات والعلاقات التي تربط أمريكا بدولة مثل كندا التي توجه رئيس وزرائها نحو الصين وأبرم صفقات تجارية وإعلانه في دافوس احتضار النظام الدولي الراهن، والموقف الأوروبي من التهديد باحتلال جزيرة جرينلاند وإرسال قوات أوروبية هناك، وردة الفعل الأمريكية بفرض مزيد من الرسوم الجمركية على الدول الأوروبية والتهديد لأول مرة بإلغاء الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة وأوروبا وتعرض حلف الناتو للتصدع.
إن هذه المؤشرات تمس بنية النظام الدولي القائم وكفيلة بالدفع نحو النظام الجديد. والنظام الدولي الذي يسعى إليه ترامب في جوهره قومي محافظ يتجاوز الأسس والمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام والأمن العالميين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها وتسوية المنازعات بالطرق السلمية لتحل القوة وتعود الحرب خيارا للدول الكبري وتهديد الدول الأخرى كالتهديد لفنزويلا والتهديد بضرب إيران وحرب روسيا في اوكرانيا وتهديدها الصريح بمسح الوجود الأوروبي بالقوة النووية والتهديد الصيني بضم تايوان.
ويبرز إلى جانب التهديدات العسكرية سلاح الاقتصاد وفرض الرسوم الجمركية الذي تمارسه الولايات المتحدة على أقرب الدول الحليفة لها في أوروبا. وفي هذا السياق تبرز الرؤية الأمريكية للنظام الدولي وأساسها أن الدولة القوية هي اساس النظام الدولي وأن سياسة أي دولة تنطلق من مصالحها حتى لو تعارضت مع مصالح غيرها.
ما نشهده هو نموذج لعلاقات دولية تقوم على تبادل المصالح والتركيز على القوة الاقتصادية مع الاحتفاظ بقوة امريكا كقوة أحادية، والحديث وفقا لهذه الرؤية عن الصين كمنافس وليس خصما، ورفض أي قرار أحادي من جانب تايوان. والتغير في الرؤية من أمريكا تجاه أوروبا كأولوية وحليف إلى نصف الكرة الغربية واستعادة مبدأ مونرو بثوبه الجديد أو بعقيدة ترامب التي تقوم على أمريكا أولا. والاستجابة لروسيا بوقف الحرب على أوكرانيا والتسليم بمطالبها في أوكرانيا.
وكما يقول الصحفي فريد زكريا إن عقيدة ترامب في سياسته الخارجية تختزل دور أمريكا من قوة عالمية إلى مجرد قوة إقليمية تتلخص في شعار لنجعل أمريكا أولا، لتنتقد عقودا من الانخراط الأمريكي العالمي وتدعو إلى تضييق المصالح الأمريكية وحصرها في نصف الكرة الغربية. وإن هذه السياسة ستخلق فراغات في القوة قد تقود إلى فوضي وعدم استقرار عالميين وستترك عالما بلا قيادة واضحة، وهو ما يعني الصراع على القيادة.
إن النظام الدولي القائم اليوم أشبه بحالة من الفوضى متعددة الأقطاب، وذلك لتجاهل الدول الكبري القواعد والمبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، وبدلا من إصلاح الأمم المتحدة يتم العمل على تقويض دورها. وكما قال ترامب إن مبادئه الأخلاقية هي التي تحكم تحركاته وتعلو على القانون الدولي.
{ أكاديمي فلسطيني مختص
في العلاقات الدولية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك