العدد : ١٧٤٨١ - الأحد ٠١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨١ - الأحد ٠١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ولا تقربوا مال اليتيم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠١ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬التعاليم‭ ‬التي‭ ‬حض‭ ‬الإسلام‭ ‬عليها‭ ‬وشدد‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بها‭ ‬ودعا‭ ‬أتباعه‭ ‬ألا‭ ‬يفرطوا‭ ‬فيها‭ ‬عنايته‭ ‬باليتامى،‭ ‬ولخطورة‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬جعله‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬الميزان‭ ‬التي‭ ‬توزن‭ ‬به‭ ‬الأقوال،‭ ‬والأفعال،‭ ‬والأحوال،‭ ‬يقول‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭: ‬أنا‭ ‬في‭ ‬أموالكم‭ ‬ككافل‭ ‬اليتيم‭ ‬إن‭ ‬استغنيت‭ ‬استعففت،‭ ‬وإن‭ ‬افتقرت‭ ‬أكلت‭ ‬بالمعروف،‭ ‬وهو‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عنه‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وابتلوا‭ ‬اليتامى‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬بلغوا‭ ‬النكاح‭ ‬فإن‭ ‬آنستم‭ ‬منهم‭ ‬رشدًا‭ ‬فادفعوا‭ ‬إليهم‭ ‬أموالهم‭ ‬ولا‭ ‬تأكلوها‭ ‬إسرافًا‭ ‬وبدارًا‭ ‬أن‭ ‬يكبروا‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬غنيًّا‭ ‬فليستعفف‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬فقيرًا‭ ‬فليأكل‭ ‬بالمعروف‭ ‬فإذا‭ ‬دفعتم‭ ‬إليهم‭ ‬أموالهم‭ ‬فأشهدوا‭ ‬عليهم‭ ‬وكفى‭ ‬بالله‭ ‬حسيبا‮»‬‭ (‬النساء‭: ‬6‭).‬

هذا‭ ‬التحرج‭ ‬الشديد‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬الخلفاء‭ ‬الراشدون‭ (‬رضوان‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عنهم‭ ) ‬تجاه‭ ‬أموال‭ ‬اليتامى،‭ ‬وحرية‭ ‬التصرف‭ ‬فيها،‭ ‬ورعايتها‭ ‬حق‭ ‬الرعاية،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مسؤوليتهم‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عنهم‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬مسؤوليتهم‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬يبذلونها‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬الأمة‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬يُسألون‭ ‬عنها‭ ‬يوم‭ ‬القيامة،‭ ‬وأموال‭ ‬اليتامى‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬عائل‭ ‬لهم‭ ‬أحق‭ ‬بالرعاية‭ ‬والحماية‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬وكان‭ ‬الفاروق‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬يقول‭ ‬للأسر‭ ‬التي‭ ‬غاب‭ ‬عنها‭ ‬عائلها‭ ‬في‭ ‬الجهاد‭: ‬أنا‭ ‬رب‭ ‬العيال‭ ‬حتى‭ ‬يعود‭ ‬آباؤهم‭ ‬من‭ ‬الجهاد‭. ‬وليس‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬المسلمون‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬ويمشي‭ ‬وراءه‭ ‬الجواري‭ ‬والغلمان‭ ‬يشتري‭ ‬لبيوت‭ ‬المجاهدين‭ ‬حاجاتهم،‭ ‬فهو‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬يقوم‭ ‬بشؤون‭ ‬المجاهدين‭ ‬أثناء‭ ‬غياب‭ ‬أزواجهم‭ ‬عنهم،‭ ‬وعندما‭ ‬تريد‭ ‬الشفاء‭ ‬بنت‭ ‬عبدالله‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬ديوان‭ ‬الحسبة‭ ‬أن‭ ‬تخفف‭ ‬عنه‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬يأبى‭ ‬الغلمان‭ ‬والجواري‭ ‬لأنهم‭ ‬يؤثرون‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬بشؤونهم،‭ ‬أيضًا‭ ‬يقوم‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬بقراءة‭ ‬رسائل‭ ‬المجاهدين‭ ‬وكتابة‭ ‬الردود‭ ‬عليها،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬يقوم‭ ‬بكل‭ ‬احتياجات‭ ‬المجاهدين‭ ‬وأهليهم‭ ‬حتى‭ ‬يعودوا‭ ‬إلى‭ ‬أهليهم،‭ ‬فهل‭ ‬رأيتم‭ ‬حاكمًا‭ ‬يفعل‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭)‬؟

إن‭ ‬خلفاء‭ ‬الإسلام‭ ‬العظام‭ ‬قد‭ ‬قدموا‭ ‬للناس‭ ‬القدوة‭ ‬الحسنة،‭ ‬والأسوة‭ ‬الكريمة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يتسابق‭ ‬فيه‭ ‬الحكام‭ ‬والرؤساء‭ ‬على‭ ‬كراسي‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مؤهلين‭ ‬لهذا‭ ‬العمل‭ ‬الجليل‭ ‬والخطير‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬يُسألون‭ ‬عنه‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬حفظوا‭ ‬أم‭ ‬ضيعوا؟‭ ‬ولقد‭ ‬كان‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬يحذر‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يسعوا‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬وكان‭ ‬يقول‭ ‬لمن‭ ‬يسأله‭ ‬الحكم‭: ‬إنا‭ ‬لا‭ ‬نولي‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬يطلبه‭. ‬ولما‭ ‬سأله‭ ‬أبو‭ ‬ذر‭ ‬الغفاري‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬الإمارة،‭ ‬قال‭ ‬له‭: ‬يا‭ ‬أبا‭ ‬ذر‭ ‬إني‭ ‬أحب‭ ‬لك‭ ‬ما‭ ‬أحب‭ ‬لنفسي‭.. ‬يا‭ ‬أبا‭ ‬ذر‭ ‬إنها‭ ‬أمانة،‭ ‬وإنها‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬خزي‭ ‬وندامة،‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬أخذها‭ ‬بحقها‭ ‬وأدى‭ ‬الذي‭ ‬عليه‭ ‬فيها‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬وصاياه‭ ‬لأتباعه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬يا‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬بن‭ ‬سمرة‭ ‬لا‭ ‬تسأل‭ ‬الإمارة،‭ ‬فإنك‭ ‬إن‭ ‬أعطيتها‭ ‬عن‭ ‬غير‭ ‬مسألة‭ ‬أعنت‭ ‬عليها،‭ ‬وإن‭ ‬أعطيتها‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬وكلت‭ ‬إليها‭.‬

ولذلك‭ ‬لما‭ ‬توافرت‭ ‬في‭ ‬رجل‭ ‬من‭ ‬الصحابة‭ ‬شروط‭ ‬الولاية‭ ‬إلا‭ ‬شرط‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬ميله‭ ‬وحبه‭ ‬للإمارة‭ ‬فلما‭ ‬سأل‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب،‭ ‬قال‭: ‬كنا‭ ‬ننوي‭ ‬أن‭ ‬نوليك‭ ‬فلما‭ ‬طلبتها‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نولي‭ ‬من‭ ‬يطلبها‭ ‬وصرفه‭ ‬عنها‭.‬

وكان‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬شديدًا‭ ‬في‭ ‬اختياره‭ ‬للولاة‭ ‬وفي‭ ‬محاسبتهم،‭ ‬فكان‭ ‬يحصي‭ ‬أموال‭ ‬من‭ ‬يختاره‭ ‬للعمل‭ ‬معه،‭ ‬فإذا‭ ‬عزله‭ ‬يرى‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬أمواله،‭ ‬فيسأله‭: ‬من‭ ‬أين‭ ‬لك‭ ‬هذا؟‭!‬

ذلكم‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭.. ‬وهؤلاء‭ ‬هم‭ ‬خلفاؤه‭ ‬الراشدون‭!!‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا