من التعاليم التي حض الإسلام عليها وشدد في الالتزام بها ودعا أتباعه ألا يفرطوا فيها عنايته باليتامى، ولخطورة هذا الأمر جعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الميزان التي توزن به الأقوال، والأفعال، والأحوال، يقول عمر بن الخطاب: أنا في أموالكم ككافل اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وهو رضي الله تعالى عنه يشير إلى قوله تعالى: «وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا» (النساء: 6).
هذا التحرج الشديد الذي يشعر به الخلفاء الراشدون (رضوان الله تعالى عنهم ) تجاه أموال اليتامى، وحرية التصرف فيها، ورعايتها حق الرعاية، من أن مسؤوليتهم رضي الله تعالى عنهم نابعة من مسؤوليتهم العامة التي يبذلونها للحفاظ على أموال الأمة التي سوف يُسألون عنها يوم القيامة، وأموال اليتامى الذين لا عائل لهم أحق بالرعاية والحماية من غيرها، وكان الفاروق (رضي الله عنه) يقول للأسر التي غاب عنها عائلها في الجهاد: أنا رب العيال حتى يعود آباؤهم من الجهاد. وليس غريبًا أن يرى المسلمون أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يذهب إلى السوق ويمشي وراءه الجواري والغلمان يشتري لبيوت المجاهدين حاجاتهم، فهو رضي الله عنه يقوم بشؤون المجاهدين أثناء غياب أزواجهم عنهم، وعندما تريد الشفاء بنت عبدالله المسؤولة عن ديوان الحسبة أن تخفف عنه رضي الله عنه يأبى الغلمان والجواري لأنهم يؤثرون أن يقوم أمير المؤمنين بشؤونهم، أيضًا يقوم رضي الله عنه بقراءة رسائل المجاهدين وكتابة الردود عليها، وهذا يعني أنه رضي الله عنه يقوم بكل احتياجات المجاهدين وأهليهم حتى يعودوا إلى أهليهم، فهل رأيتم حاكمًا يفعل مثل ما كان يفعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)؟
إن خلفاء الإسلام العظام قد قدموا للناس القدوة الحسنة، والأسوة الكريمة، في وقت يتسابق فيه الحكام والرؤساء على كراسي السلطة من دون أن يكونوا مؤهلين لهذا العمل الجليل والخطير الذي سوف يُسألون عنه يوم القيامة حفظوا أم ضيعوا؟ ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر المسلمين من أن يسعوا إلى السلطة، وكان يقول لمن يسأله الحكم: إنا لا نولي هذا الأمر من يطلبه. ولما سأله أبو ذر الغفاري (رضي الله عنه) الإمارة، قال له: يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي.. يا أبا ذر إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. وكان من وصاياه لأتباعه صلى الله عليه وسلم: يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها.
ولذلك لما توافرت في رجل من الصحابة شروط الولاية إلا شرط واحد هو ميله وحبه للإمارة فلما سأل عمر بن الخطاب، قال: كنا ننوي أن نوليك فلما طلبتها فنحن لا نولي من يطلبها وصرفه عنها.
وكان أمير المؤمنين شديدًا في اختياره للولاة وفي محاسبتهم، فكان يحصي أموال من يختاره للعمل معه، فإذا عزله يرى الزيادة في أمواله، فيسأله: من أين لك هذا؟!
ذلكم هو الإسلام.. وهؤلاء هم خلفاؤه الراشدون!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك