في الأسبوع الماضي أحيا الأمريكيون ذكرى يوم مارتن لوثر كينغ، وهو يوم تم إعلانه رسميا عام 1983 لإحياء ذكرى الرجل والحركة التي قادها من أجل تحقيق العدالة والمساواة.
تكمن المشكلة في أنه منذ إرساء يوم مارتن لوثر كينغ، بموجب تشريع من الكونغرس وتوقيعه ليصبح قانونًا من قبل الرئيس آنذاك رونالد ريغان، كان هناك تآكل مستمر لمعنى هذا اليوم.
لقد طُويت صفحة تاريخ النضال من أجل الحقوق المدنية، ويبدو الآن أن إدارة الرئيس دونالد ترامب عازمة على محو تاريخ الظلم العنصري الذي أدى إلى ظهور الدكتور كينغ وحركة الحقوق المدنية التي قادها.
لذلك، لم يكن من المفاجئ أن يضطر قادة الحقوق المدنية إلى حث الرئيس دونالد ترامب على إصدار بيان يعترف فيه بهذا اليوم -يوم مارتن لوثر كينغ- تأكيدا لأهميته ومغزاه.
ولم يكن من المفاجئ أن البيان صدر على مضض فقط عندما كان اليوم على وشك الانتهاء، ولم يذكر الكثير عن الدكتور كينغ، ولم يظهر إلا على موقع البيت الأبيض الإلكتروني، من دون أن يحظى ذلك البيان بالتضخيم المعتاد على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرجع ذلك إلى أن الرئيس دونالد ترامب والحركة التي يقودها سعوا إلى تبييض التاريخ الأمريكي، وأصدروا أوامر تنفيذية تأمر المدارس والبرامج الفيدرالية بإزالة أي ذكر للجوانب المثيرة للجدل من تاريخ البلاد وماضيها.
وبدلاً من ذلك، ظل الرئيس دونالد ترامب يؤكد أهمية التركيز على المعارك المجيدة التي انتصر فيها الأمريكيون، والقادة الأبطال الذين خاضوها، والقيم التي مثّلوها، وهو نهج أختلف معه لأنه أشبه بدفن رؤوسنا في الرمال، متجاهلين الجوانب المثيرة للجدل من ماضي هذه البلاد وحاضرها.
هناك عواقب ستنجم عن المحاولات الرامية إلى محو ووأد تاريخ عنف الدولة الأمريكية المستخدم لحرمان الناس من العدالة ونسيان دروس المقاومة السلمية لهذا العنف والظلم.
في الوقت الحالي، يمكن رؤية بعض هذا يحدث في شوارع مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، حيث اقتحم حوالي 3000 من عناصر إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية المسلحين المدينة وقاموا باعتقال الناس بناءً على مظهرهم.
لقد تم اعتقال الآلاف، بمن فيهم العديد من المواطنين الأمريكيين أو المقيمين الشرعيين، وقُتل شخصان كانا يعملان كمراقبين بالرصاص، وهو ما أجج الأوضاع في المدينة التي أصبحت على حافة الانزلاق في أتون العنف.
على غرار الدكتور كينغ الذي أصدر، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في نضال الحقوق المدنية، نداءً لرجال الدين للحضور إلى منطقة «سلما» بمدينة ألاباما لحماية الأمريكيين من أصل إفريقي الذين يسيرون من أجل العدالة، دعا نشطاء مينيابوليس قادة الدين إلى التجمع في المدينة لتوفير الحماية لمجتمعات المهاجرين.
وبالفعل، فقد وصل الآلاف إلى المدينة وهو ما ترك أثره على سير الأوضاع في شوارع مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. هكذا أعتقد أنه ينبغي تكريم الدكتور مارتن لوثر كينغ.
منذ بداياتي، عندما تشرفت بالعمل كعضو معين في لجنة الإجازة التي تحمل اسم مارتن لوثر كينغ في واشنطن العاصمة، كانت مهمتي هي ضمان أن يسهم هذا اليوم في تذكير الأجيال القادمة بالنضالات التي قادها الدكتور كينغ ضد المظالم التي شكلت تاريخ أمريكا كأمة.
وقد ضمنت تلك الحركة حقوق التصويت للأمريكيين الأفارقة المحرومين من حق التصويت، الذين كانوا لا يزالون ضحايا للتمييز الشديد بعد مرور 100 عام على انتهاء العبودية رسمياً في الولايات المتحدة الأمريكية.
أدت حركة الحقوق المدنية نفسها أيضاً إلى إلغاء نظام الفصل العنصري، وهو نظام قانوني وممارسات قسمت الولايات المتحدة الأمريكية إلى عالمين منفصلين، أحدهما أسود والآخر أبيض.
لا تدرك أجيال من الأمريكيين أنه قبل 60 عامًا فقط، في أجزاء عديدة من بلادنا، لم يكن بإمكان الأمريكيين من أصل إفريقي شراء العقارات أو ممارسة الأعمال التجارية أو الإقامة أو الالتحاق بالمدارس في الأحياء «المخصصة للبيض فقط».
كان النضال الذي قاده الدكتور مارتن لوثر كينغ في تلك الفترة التاريخية الصعبة لكسر هذه الحواجز أمام الفصل العنصري في السكن والتوظيف والتعليم والأماكن العامة نضالاً مريرا.
ورغم سلميتها، فقد قوبلت هذه الحركة التي قادها الدكتور مارتن لوثر كينغ بالعنف؛ فقد اعتُقل أو ضُرب آلاف المتظاهرين، وفقد كثيرون أرواحهم. وفي النهاية، انتصرت هذه الحركة وغيرت وجه الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأبد.
ومع ذلك، لم يكتمل العمل؛ فبينما انتهى الفصل العنصري القانوني، فقد ظل إرث الانقسام العنصري يطارد الولايات المتحدة الأمريكية ومجتمعها. فعلى سبيل المثال، حتى عام 1964، تضمنت صكوك الملكية في حيّي في شمال غرب واشنطن «عهدًا» يحظر بيع تلك الممتلكات للأمريكيين من أصل إفريقي.
وبناء على ذلك صدرت الأوامر للعائلات السوداء التي كانت تعيش في هذا القسم «المخصص للبيض فقط» شمال غرب واشنطن بالإخلاء، وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم وهدمها لإفساح المجال لبناء مدارس مخصصة للبيض فقط.
وحتى بعد صدور إعلان يعتبر أن تلك العهود باتت لاغية وباطلة، نتيجة للتشريعات التي صدرت استجابة لحركة الحقوق المدنية، فقد ظلت واشنطن -عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية- منقسمة بشكل غير عادي، وقد صاحب هذا الانقسام المادي اختلافات كبيرة في الدخل والبنية التحتية والخدمات والفرص، التي لا تزال تعاني منها هذه المدينة.
لم تكن هذه قصة واشنطن وحدها، بل تكررت في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت أسوأ بكثير فيما يسمى الجنوب العميق حيث عاش الأمريكيون من أصل إفريقي في ظل نظام يشبه نظام الفصل العنصري المسلط والمفروض.
كانت هناك مطاعم لا يُسمح لهم بتناول الطعام فيها، وفنادق لا يُسمح لهم بالإقامة فيها. وكانت دورات المياه ونوافير المياه مخصصة إما للبيض فقط وإما للملونين. حتى وسائل النقل العام كانت مفصولة بين مقاعد مخصصة للبيض وأخرى للملونين.
كان هذا هو النظام الذي كان يسود في شمال الولايات المتحدة الأمريكية وفي جنوبها على حد سواء، الذي واجه تحديًا وهُزم جزئيًا بفضل الحركة التي أسهم الدكتور مارتن لوثر كينغ في قيادتها.
لذا، ينبغي على الأمريكيين ليس فقط تكريم الجهود البطولية لهؤلاء المناضلين من أجل الحقوق المدنية، بل أيضًا تذكر الواقع الذي كانوا يناضلون من أجله لتغييره وتفكيكه، والأثر الدائم الذي لا يزال هذا النظام يُخلفه حتى اليوم.
يكمن الخطر، بطبيعة الحال، في أن هذا التاريخ غير معروف أو تم تجاهل أهميته أو نسيانه. إن السبيل الأمثل لتكريم الدكتور مارتن لوثر كينغ ورفاقه هو استذكار العالم الذي قدموا إليه، والظلم الذي ناضلوا ضده.
كما يجب إبراز الدروس المستفادة من هذه الحقبة التاريخية وتطبيقها على التحديات التي يواجهها الأمريكيون اليوم - الدفاع عن المهاجرين، والدفاع عن حقوق التصويت، والتصدي للعنف العشوائي الذي تمارسه أجهزة إنفاذ القانون المحلية والفيدرالية.
بمعنى آخر، يجب اليوم القيام بما كان سيفعله الدكتور مارتن لوثر كينغ. يجب أن نقوم بذلك اليوم في المكان الذي يحدث فيه ذلك الآن وهو مينيسوتا.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك