حيثما يكون الإسرائيلي يكون الفلسطيني أيضاً، الإسرائيلي يحملنا معه كذريعة دائمة للتّعاطف وتعميق المظلومية ومشروعية الوجود وتجسيد النبوءات جميعاً، وفي جزيرة ابستين المشبوهة كنا موجودين أيضاً، فاجتماع كبار القادة وأساطين المال وسماسرة السلاح والتكنولوجيا والصحافة على خلفية من الفجور اللامتناهي وتثبيت ذلك بالصوت والصورة والكلمة، إنما يقود ذلك كله إلى أن الأمر يتعدى البحث عن ملذات جديدة أو كسر المألوف والرتابة، من الواضح أن الأمر أكثر من ذلك بكثير، إنه أشبه بالسيطرة على المقدرات واقتسام الثروات والجغرافيا وتهميش القائم وإعادة تركيبه، من خلال السيطرة على الأفراد والحكومات والنخب، المؤامرة المتخيّلة تتحول فعلاً إلى واقع.
تصوّر معي اجتماع كل هؤلاء المتحكمين في كل شيء تقريباً، فما الذي يجمع بينهم؟ ليس السوك الشائن بالتأكيد، فلا أحد مضطر إلى أن يفضح نفسه أمام الجميع، الأمر أكبر من ذلك بكثير، فهذه اجتماعات للتدبير والتحكم والسيطرة، من خلال رابطة عميقة أشبه ما تكون بالدينية تجمع الجميع حولها، رابطة تجبرهم على المجيء وتعاطي المسرات المبذولة وقبول تلك الأوضاع المخلة التي يراها العالم جميعاً.
إن ابستين، معلّم الرياضيات الذي تحوّل فجأة إلى ملياردير ويمتلك علاقات معقّدة مع أقوى الزعماء والشخصيات، كان مجرد العنوان والمكان والمنسق ليس إلا، قبِلَ على نفسه أن يكون في الواجهة، ولمّا حُوصر في النهاية تم التخلص منه ولم يتم التخلص من الرابطة القوية الجامعة، جزيرة الأحلام الغامضة تشبه أماكن غامضة أُخرى في أماكن أُخرى يجتمع فيها البعض من أمثال هؤلاء الزعماء والقادة سنوياً للتدبير والسيطرة.
أما الجديد في جزيرة الأحلام فهو التوثيق من أجل الابتزاز بكل أشكاله ومستوياته، فلم تعد الأمور خافية على أحد، هناك نية في الابتزاز الدائم والتحكم المستمر لخدمة مشغلي ابستين، وهنا بيت القصيد، فبقاء الدعم وتدفق الأسلحة والتحكم في قرارات الإدارات والمؤسسات الدولية، ورسم جغرافية المنطقة وحدودها وشعوبها، ونهب الثروات حيثما كانت، هي أهداف قريبة وبعيدة، ولهذا كنا كفلسطينيين موجودين هناك، شعباً فقيراً وممزقاً، مكشوف الظهر، يُمنع على المجتمعين التعاطف معه أو الوقوف إلى جانبه أو الدفاع عنه، أكثر من ذلك، يُطلب منهم أن يُدينوه بالإرهاب والنبذ والحصار.
الآن وبعد الفضيحة التي تفجّرت مثل الإعصار، قد ندفع الثمن أيضاً، من خلال حرب مخطط لها، أو من خلال خطة جهنمية أُخرى، فهذه الفضيحة ستمر مثل غيرها من الفضائح، إذا اعتبرت في الغرب أنها فضيحة، فالغرب معتاد على هذه الهيئات الغامضة والجمعيات السرية ذات الطقوس الفظيعة، المعضلة هنا أننا كفلسطينيين قد ندفع ثمن تلك الفضيحة، كما قلت، أو أن تدفع المنطقة كلها الثمن.
ما الذي يمكننا فعله إزاء ذلك كله؟ الغرب سيرى أن الديمقراطية قادرة على تجاوز آثار الفضيحة كأنها لم تكن. أما نحن، فلا نملك سوى أن نغير الاتجاه كلياً.. كفى انتظاراً واستسلاماً وانبهاراً.
{ رئيس مركز القدس للدراسات
المستقبلية - جامعة القدس

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك