العدد : ١٧٤٨٥ - الخميس ٠٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٥ - الخميس ٠٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

جدلية العلاقة بين أمريكا والنظام الدولي.. مشاركة أم هيمنة؟

بقلم: د. حسن نافعة

الأربعاء ٠٤ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

ينحو‭ ‬معظم‭ ‬دارسي‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬نحو‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬نمطين‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أحدهما‭ ‬تدخّلي‭ ‬تنتهجه‭ ‬الإدارات‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والآخر‭ ‬انعزالي‭ ‬تنتهجه‭ ‬الإدارات‭ ‬الجمهورية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الدقة،‭ ‬وربما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬وإعادة‭ ‬النظر،‭ ‬فالمعطيات‭ ‬التاريخية‭ ‬الموثقة‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬رؤساء‭ ‬جمهوريين‭ ‬عديدين‭ ‬مارسوا‭ ‬سياسة‭ ‬تدخلية‭ ‬نشطة‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬شنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أثنائها‭ ‬حروباً‭ ‬كبرى،‭ ‬أو‭ ‬تدخلت‭ ‬بعنف‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭ ‬أيضاً‭. ‬وليس‭ ‬لهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬التاريخية‭ ‬سوى‭ ‬معنى‭ ‬واحد،‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬انتهجها‭ ‬جميع‭ ‬الرؤساء‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬الجمهوريون‭ ‬منهم‭ ‬والديمقراطيون،‭ ‬استندت‭ ‬دوما‭ ‬إلى‭ ‬حساباتٍ‭ ‬تتعلق‭ ‬برؤية‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرؤساء‭ ‬للمصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحدها،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الحسابات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬القانونية‭ ‬أو‭ ‬القيمية،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬وجهة‭ ‬واحدة‭ ‬مستمرّة‭: ‬التوسّع‭ ‬والهيمنة‭.‬

للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بوصفها‭ ‬دولة،‭ ‬سمات‭ ‬فريدة‭ ‬تميزها‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الدول،‭ ‬بحكم‭ ‬حداثة‭ ‬تكوينها‭ ‬وضخامة‭ ‬مواردها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬سلباً‭ ‬أو‭ ‬إيجاباً‭. ‬وقد‭ ‬انعكست‭ ‬هذه‭ ‬السمات‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬سياساتها‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬غلبت‭ ‬عليها‭ ‬النزعة‭ ‬التوسّعية‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الهيمنة،‭ ‬ربما‭ ‬بدافع‭ ‬من‭ ‬الإحساس‭ ‬العميق‭ ‬بالتفوق‭ ‬والاختلاف‭ ‬عن‭ ‬الآخرين،‭ ‬فقد‭ ‬تشكلت‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬من‭ ‬13‭ ‬ولاية‭ ‬فقط،‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬مستعمرات‭ ‬بريطانية‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬استقلالها‭ ‬عام‭ ‬1776،‭ ‬ثم‭ ‬راحت‭ ‬تتوسّع‭ ‬تدريجياً‭ ‬داخل‭ ‬محيطها‭ ‬المباشر،‭ ‬بالشراء‭ ‬أو‭ ‬الضم‭ ‬أو‭ ‬الاستيلاء‭ ‬أو‭ ‬إشعال‭ ‬الثورات‭ ‬والاضطرابات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬50‭ ‬ولاية‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تشعر‭ ‬فيها‭ ‬أنها‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬قدمين‭ ‬ثابتتين،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬تحدّى‭ ‬الأطماع‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬الإقليمي،‭ ‬كانت‭ ‬تتطلع‭ ‬دوماً‭ ‬نحو‭ ‬مد‭ ‬نفوذها‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬نقطة‭ ‬تستطيع‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬نفوذ‭ ‬أمريكية‭ ‬خالصة،‭ ‬بموجب‭ ‬مبدأ‭ ‬مونرو‭ ‬لعام‭ ‬1823،‭ ‬الذي‭ ‬منع‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬لدول‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬بالكامل‭. ‬

وحين‭ ‬بدأ‭ ‬نفوذها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمالي‭ ‬يتمدّد‭ ‬خارج‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬وراح‭ ‬يتغلل‭ ‬داخل‭ ‬القارّة‭ ‬الأوروبية‭ ‬نفسها،‭ ‬بدأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬دور‭ ‬القوة‭ ‬العظمى‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬ككل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬انخراطها‭ ‬في‭ ‬حربين‭ ‬عالميتين‭ ‬أسهمت‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬حسمهما‭ ‬لصالح‭ ‬معسكر‭ ‬حلفائها‭. ‬

ولأنها‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬أعظم‭ ‬قوة،‭ ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬تتهيأ،‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬للولوج‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬عليه،‭ ‬بل‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة‭ ‬عليه،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬قيادتها‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية‭ ‬الذي‭ ‬استقرّ‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬ثم‭ ‬انفرادها‭ ‬بالهيمنة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬أحادي‭ ‬القطبية،‭ ‬عقب‭ ‬انتصارها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بانهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬ولأن‭ ‬انفرادها‭ ‬بالهيمنة‭ ‬لم‭ ‬يستمرّ‭ ‬طويلاً‭ ‬بعد‭ ‬تمكن‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬استعادة‭ ‬عافيتها‭ ‬وبروز‭ ‬الصين‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬التعدّدية‭ ‬القطبية،‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬الوزن‭ ‬النسبي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يتراجع،‭ ‬ويغري‭ ‬القوى‭ ‬الأخرى‭ ‬بالعمل‭ ‬على‭ ‬زحزحتها‭ ‬عن‭ ‬موقعها‭ ‬المهيمن،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬حالة‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة،‭ ‬وهي‭ ‬أزمة‭ ‬تعود‭ ‬جذورها‭ ‬إلى‭ ‬إصرار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬المشاركة‭ ‬بفاعلية‭ ‬في‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الدولية‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المهيمن‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬فحين‭ ‬تخلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عن‭ ‬مبدأ‭ ‬مونرو،‭ ‬واضطرّت‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الأوروبية،‭ ‬تصور‭ ‬الرئيس‭ ‬وودرو‭ ‬ويلسون‭ ‬أن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬بات‭ ‬يتطلب‭ ‬قيادة‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬تتولى‭ ‬مؤسساته‭ ‬تقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬متبادلة‭ ‬للدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬منظومة‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬دوره‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬الصلح‭ ‬ورئاسته‭ ‬اللجنة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بصياغة‭ ‬عهد‭ ‬‮«‬عصبة‭ ‬الأمم‮»‬‭. ‬ولأن‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬النضج‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬خطوة‭ ‬جسورة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬ويلسون‭ ‬من‭ ‬إقناع‭ ‬الكونجرس‭ ‬بالتصديق‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬العصبة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬تصبح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عضواً‭ ‬في‭ ‬المنظمة‭ ‬التي‭ ‬لعب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الدور‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬مرحلتها‭ ‬التأسيسية،‭ ‬ما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬إضعافها‭ ‬وانهيارها‭ ‬باندلاع‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثانية،‭ ‬اضطرّت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬لكن‭ ‬الوضع‭ ‬الداخلي‭ ‬اختلف‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬لأن‭ ‬الحزبين‭ ‬الجمهوري‭ ‬والديمقراطي‭ ‬عملا‭ ‬معاً‭ ‬لتهيئة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬ليس‭ ‬لضمان‭ ‬مشاركة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬عضوية‭ ‬‮«‬الأمم‭ ‬المتحدة‮»‬‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكن‭ ‬لتكون‭ ‬نيويورك‭ ‬مقرها‭ ‬الدائم‭ ‬أيضاً‭.‬

كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تتوجس‭ ‬خيفة‭ ‬للمشاركة،‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬تاريخها،‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬دولية‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬حفظ‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المشاركة‭ ‬أتاحت‭ ‬لها‭ ‬تحقيق‭ ‬عدة‭ ‬مزايا‭ ‬استراتيجية‭ ‬كبرى‭ ‬منها‭: ‬منبر‭ ‬دائم‭ ‬مقيم‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتعرّف‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬على‭ ‬مجمل‭ (‬ودقائق‭) ‬الشؤون‭ ‬الدولية،‭ ‬وشبكة‭ ‬اتصالات‭ ‬وقنوات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬مفتوحة،‭ ‬بأقل‭ ‬كلفة،‭ ‬مع‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬الكبرى‭ ‬حديثة‭ ‬العهد‭ ‬وقليلة‭ ‬الخبرة‭ ‬بالشؤون‭ ‬الدولية‭ ‬تهيئ‭ ‬نفسها،‭ ‬وتتطلع‭ ‬إلى‭ ‬تولي‭ ‬مسؤوليات‭ ‬عالمية‭ ‬كبرى‭.‬

‭ ‬ولأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬وسع‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬الوليدة‭ ‬تقييد‭ ‬إرادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭ ‬خططها‭ ‬في‭ ‬شيء،‭ ‬بسبب‭ ‬امتلاكها‭ ‬مقعداً‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬يضمن‭ ‬لها‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭)‬،‭ ‬وتمتّعها‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬بنفوذ‭ ‬كاسح‭ ‬ضمن‭ ‬لها‭ ‬‮«‬أغلبية‭ ‬أوتوماتيكية‮»‬،‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬تمرير‭ ‬مشروعات‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تريدها،‭ ‬فقد‭ ‬حظيت‭ ‬بوضع‭ ‬مميز‭ ‬داخل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬سمح‭ ‬لها‭ ‬بسيطرة‭ ‬شبه‭ ‬مطلقة‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬فيها‭ ‬طوال‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات،‭ ‬مكّنتها‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬حرمان‭ ‬حكومة‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬تمثيل‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬حتى‭ ‬بداية‭ ‬السبعينيات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬بدأ‭ ‬يتغيّر‭ ‬عقب‭ ‬حصول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المستعمرات‭ ‬على‭ ‬استقلالها‭ ‬وانضمامها‭ ‬إلى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بمقدور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ضمان‭ ‬‮«‬الأغلبية‭ ‬الأوتوماتيكية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬اعتادت‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة،‭ ‬وبدأت‭ ‬تلجأ،‭ ‬بشكل‭ ‬مضطرد،‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬‮«‬الفيتو‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬لحماية‭ ‬إسرائيل،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬الدولة‭ ‬الأكثر‭ ‬استخداماً‭ ‬لـ«الفيتو‮»‬‭.‬

ساد‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬انطباع‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تسبّبت‭ ‬في‭ ‬إصابة‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬الجماعي‮»‬‭ ‬بالشلل،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬انتهاءها‭ ‬سيؤدي‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تنشيطه‭ ‬أو‭ ‬إحيائه،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تبين‭ ‬استحالة‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬أحادي‭ ‬القطبية‭ ‬أصبح‭ ‬حقيقة،‭ ‬فقد‭ ‬لاحت‭ ‬فرص‭ ‬عديدة‭ ‬لإعادة‭ ‬إحياء‭ ‬نظام‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬مرّة‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬جورباتشوف‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬ومرة‭ ‬ثانية‭ ‬إبّان‭ ‬أزمة‭ ‬احتلال‭ ‬الكويت‭ ‬عام‭ ‬1990،‭ ‬ومرّات‭ ‬كثيرة‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تعمّدت‭ ‬إهدارها،‭ ‬بل‭ ‬أدارت‭ ‬أزمة‭ ‬الكويت‭ ‬بطريقةٍ‭ ‬عجّلت‭ ‬بهذا‭ ‬السقوط‭. ‬

وبعد‭ ‬أن‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬المنفردة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬أجهزة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬أدواتٍ‭ ‬لإحكام‭ ‬هذه‭ ‬الهيمنة‭. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬حل‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬وتصفيته،‭ ‬بعد‭ ‬انتفاء‭ ‬مبرّرات‭ ‬وجوده‭ ‬بسقوط‭ ‬حلف‭ ‬وارسو،‭ ‬تعمّدت‭ ‬تقوية‭ ‬دعائمه‭ ‬ومد‭ ‬نطاق‭ ‬نفوذه،‭ ‬عبر‭ ‬موجات‭ ‬متتالية‭ ‬من‭ ‬ضم‭ ‬أعضاء‭ ‬جدد،‭ ‬ثم‭ ‬راح‭ ‬العداء‭ ‬الأمريكي‭ ‬للمؤسّسات‭ ‬الدولية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬متعدّدة‭ ‬الأطراف‭ ‬يتصاعد‭ ‬تدريجيّاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬ذروته‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب،‭ ‬فخلال‭ ‬فترة‭ ‬ولايته‭ ‬الأولى‭ ‬انسحب‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬باريس‭ ‬للمناخ،‭ ‬ومن‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬ومن‭ ‬اليونسكو،‭ ‬ومن‭ ‬معاهدة‭ ‬القوى‭ ‬النووية‭ ‬المتوسّطة‭ ‬مع‭ ‬روسيا،‭ ‬وألغى‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬فترة‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية‭ ‬لم‭ ‬يكتف‭ ‬ترامب‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬المنظمات‭ ‬والاتفاقات‭ ‬التي‭ ‬عادت‭ ‬إليها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬بايدن،‭ ‬لكنه‭ ‬وقّع‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬يناير‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬أمر‭ ‬تنفيذي‭ ‬يقضي‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬66‭ ‬منظمة‭ ‬دولية‭ ‬وكياناً‭ ‬جديداً،‭ ‬منها‭ ‬مؤسسات‭ ‬أممية‭ ‬وغير‭ ‬أممية،‭ ‬وراح‭ ‬يواصل،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أشكالا‭ ‬متعدّدة‭ ‬من‭ ‬الضغوط،‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الوقف‭ ‬الفوري‭ ‬للتمويل‭ ‬والامتناع‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬مؤسّساتٍ‭ ‬عديدة‭. ‬وفي‭ ‬أثناء‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬دافوس‭ ‬أعلن‭ ‬تأسيس‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬ودعا‭ ‬دولاً‭ ‬كثيرة‭ ‬إلى‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬ميثاقه‭. ‬ولأن‭ ‬المادة‭ ‬الأولى‭ ‬منه‭ ‬تنصّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬دولية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وإعادة‭ ‬إرساء‭ ‬الحكم‭ ‬الرشيد‭ ‬والقانوني،‭ ‬وضمان‭ ‬السلام‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬المتضرّرة‭ ‬أو‭ ‬المهددة‭ ‬بالنزاعات‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬بعضهم‭ ‬محاولة‭ ‬لإقامة‭ ‬منظمة‭ ‬بديلة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إقامة‭ ‬منظمة‭ ‬بديلة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكنها‭ ‬تستطيع‭ ‬إقامة‭ ‬مؤسّسة‭ ‬موازية‭ ‬لها،‭ ‬وهو‭ ‬تطوّرٌ‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة،‭ ‬لأنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الأقوى‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬مؤسّسة‭ ‬ممثلة‭ ‬للنظام‭ ‬الدولي‭ ‬بصورته‭ ‬الحالية‭. ‬ولأن‭ ‬مسيرة‭ ‬التنظيم‭ ‬الدولي،‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬تؤكّد‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تشارك‭ ‬بفاعلية‭ ‬في‭ ‬المؤسّسات‭ ‬العالمية‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬ضمنت‭ ‬أن‭ ‬تهيمن‭ ‬عليها،‭ ‬وحيث‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قوة‭ ‬مهيمنة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أمامها‭ ‬سوى‭ ‬الاختبار‭ ‬بين‭ ‬بديلين‭: ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وإقامة‭ ‬منظمة‭ ‬عالمية‭ ‬بديلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تستطيعه‭ ‬ولا‭ ‬يحقق‭ ‬مصلحتها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أو‭ ‬إضعاف‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تجميد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاضطلاع‭ ‬بوظيفها‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬مؤسسة‭ ‬دولية‭ ‬من‭ ‬الراغبين،‭ ‬تستطيع‭ ‬التحكّم‭ ‬فيها‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬وهو‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬ترامب‭ ‬وقع‭ ‬عليه‭ ‬حين‭ ‬قرّر‭ ‬تأسيس‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا