(رأيت حياتي كما هي أحلام شاردة سخيفة، وخجلًا وخوفًا يميتان الهمم، وأنانية مطلقة قضت علي بعزلة لا يؤنسها صديق أو رفيق، وجهلًا بالدنيا وما فيها، فلا زمان ولا مكان، ولا سياسة ولا رياضة، حتى المدينة الكبيرة التي وُلدت وعشت فيها لا أعرف منها إلا شارعين، وكأنني أعيش في حجرة بمفازة!).
حين أهدتني والدتي رواية "السراب" التي اقتنتها من القاهرة، للأديب المصري الكبير (نجيب محفوظ )، في البداية ظننت أنني لن أتمكن من إتمام القراءة خصوصًا أن صفحات الكتاب كانت بالنسبة لي كثيرة، 413 صفحة تقريبًا، ولكن ما إن فتحت الصفحة الأولى ووقع بصري على هذه العبارة، (ألسنا نشذب الأشجار فنبتر ما أعوج من أغصانها وفروعها؟ فلماذا نبقي على من لا يصلحون للحياة من أفراد الناس؟! لماذا نتسامح بل نهمل فنفرضهم على الحياة فرضًا أو نفرض الحياة عليهم كرهًا؟ لهذا يسعون في الأرض غرباء مذعورين، وقد بلغ الذعر منهم أحيانًا أن يخبطوا على وجوههم كالمحمومين فيدوسوا بأقدامهم المتعثرة ضحايا أبرياء)، ما إن قرأت ذلك استرسلت بالقراءة وأنا التي أبلغ من العمر آنذاك اثني عشر ربيعًا فقط.
في هذه الرواية خرج «نجيب محفوظ» عن إطار الحارة المصرية، للولوج في أعماق النفس الإنسانية، ودراسة أحوالها، والعوامل المؤثرة في الشخصية، وانحرافاتها السلوكية. فمن خلال "السراب" قدم رؤية مميزة عن عمق النفس الإنسانية، مبتعدًا عن الإطار المعتاد للحارة المصرية، فمن خلال شخصية "كامل رؤبة لاظ"، حملنا محفوظ في رحلة إلى أعماق الشخصية الإنسانية، مستعرضًا التحديات النفسية التي تواجهها.
كانت شخصية "كامل" مثالًا حيًّا لذلك، فقد نشأ "كامل" في بيئة عانت من الافتقار للاستقرار العائلي؛ طُلِّقَت والدته من والده، وفقدت ابنيها الآخرين، مما ترك أثرًا عميقًا على حياته. هذا الفقد والانفصال شكل اللاوعي لدى "كامل" وجعله أسيرًا لعاطفة مَرَضية تجاه والدته، ما خلق علاقة غير صحية تسببت في سلب ثقته بنفسه.
تظهر في الرواية معاناة "كامل" من الخجل الشديد وعدم القدرة على مواجهة المجتمع. تجاربه المبكرة تسببت بعجزه عن مواجهة التحديات، سواء في المدرسة أو في الحياة بشكل عام، وهو عكس ما يجب أن تكون عليه الشخصية السوية. وضعه الاجتماعي وعلاقته المرهقة بأمه وتعلّقه الشديد بها جعلاه يعود إلى خيارات خاطئة، مما أثر سلبًا على حياته.
بعد أن أتممت الرواية أدركت أننا مهما بلغنا من الحياة وبلغت بنا فإن الظروف البيئية والاجتماعية غالبًا ما تشكّلنا، بل إن معظمنا نقع فريسة للكثير من المواقف، في هذه الرواية تمكن محفوظ من الغوص في عمق النفس البشرية، بل إنه تمكن من سرد الأحداث بطريقة تدعو للتأمل في كيفية تشكيل بيئتنا لشخصياتنا وقراراتنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك