العدد : ١٧٤٧٩ - الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٩ - الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء
«السراب».. بين المعاناة وسلب الثقة بالنفس

بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

‭(‬رأيت‭ ‬حياتي‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬أحلام‭ ‬شاردة‭ ‬سخيفة،‭ ‬وخجلًا‭ ‬وخوفًا‭ ‬يميتان‭ ‬الهمم،‭ ‬وأنانية‭ ‬مطلقة‭ ‬قضت‭ ‬علي‭ ‬بعزلة‭ ‬لا‭ ‬يؤنسها‭ ‬صديق‭ ‬أو‭ ‬رفيق،‭ ‬وجهلًا‭ ‬بالدنيا‭ ‬وما‭ ‬فيها،‭ ‬فلا‭ ‬زمان‭ ‬ولا‭ ‬مكان،‭ ‬ولا‭ ‬سياسة‭ ‬ولا‭ ‬رياضة،‭ ‬حتى‭ ‬المدينة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬وُلدت‭ ‬وعشت‭ ‬فيها‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬شارعين،‭ ‬وكأنني‭ ‬أعيش‭ ‬في‭ ‬حجرة‭ ‬بمفازة‭!).‬

حين‭ ‬أهدتني‭ ‬والدتي‭ ‬رواية‭ "‬السراب‭" ‬التي‭ ‬اقتنتها‭ ‬من‭ ‬القاهرة،‭ ‬للأديب‭ ‬المصري‭ ‬الكبير‭ (‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ )‬،‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬ظننت‭ ‬أنني‭ ‬لن‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬إتمام‭ ‬القراءة‭ ‬خصوصًا‭ ‬أن‭ ‬صفحات‭ ‬الكتاب‭ ‬كانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬كثيرة،‭ ‬413‭ ‬صفحة‭ ‬تقريبًا،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬فتحت‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى‭ ‬ووقع‭ ‬بصري‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العبارة،‭ (‬ألسنا‭ ‬نشذب‭ ‬الأشجار‭ ‬فنبتر‭ ‬ما‭ ‬أعوج‭ ‬من‭ ‬أغصانها‭ ‬وفروعها؟‭ ‬فلماذا‭ ‬نبقي‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يصلحون‭ ‬للحياة‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الناس؟‭! ‬لماذا‭ ‬نتسامح‭ ‬بل‭ ‬نهمل‭ ‬فنفرضهم‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬فرضًا‭ ‬أو‭ ‬نفرض‭ ‬الحياة‭ ‬عليهم‭ ‬كرهًا؟‭ ‬لهذا‭ ‬يسعون‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬غرباء‭ ‬مذعورين،‭ ‬وقد‭ ‬بلغ‭ ‬الذعر‭ ‬منهم‭ ‬أحيانًا‭ ‬أن‭ ‬يخبطوا‭ ‬على‭ ‬وجوههم‭ ‬كالمحمومين‭ ‬فيدوسوا‭ ‬بأقدامهم‭ ‬المتعثرة‭ ‬ضحايا‭ ‬أبرياء‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬قرأت‭ ‬ذلك‭ ‬استرسلت‭ ‬بالقراءة‭ ‬وأنا‭ ‬التي‭ ‬أبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬آنذاك‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬ربيعًا‭ ‬فقط‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬خرج‭ ‬‮«‬نجيب‭ ‬محفوظ‮»‬‭ ‬عن‭ ‬إطار‭ ‬الحارة‭ ‬المصرية،‭ ‬للولوج‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬النفس‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ودراسة‭ ‬أحوالها،‭ ‬والعوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬الشخصية،‭ ‬وانحرافاتها‭ ‬السلوكية‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ "‬السراب‭" ‬قدم‭ ‬رؤية‭ ‬مميزة‭ ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬النفس‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مبتعدًا‭ ‬عن‭ ‬الإطار‭ ‬المعتاد‭ ‬للحارة‭ ‬المصرية،‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬شخصية‭ "‬كامل‭ ‬رؤبة‭ ‬لاظ‭"‬،‭ ‬حملنا‭ ‬محفوظ‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬الشخصية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مستعرضًا‭ ‬التحديات‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭.‬

كانت‭ ‬شخصية‭ "‬كامل‭" ‬مثالًا‭ ‬حيًّا‭ ‬لذلك،‭ ‬فقد‭ ‬نشأ‭ "‬كامل‭" ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬الافتقار‭ ‬للاستقرار‭ ‬العائلي؛‭ ‬طُلِّقَت‭ ‬والدته‭ ‬من‭ ‬والده،‭ ‬وفقدت‭ ‬ابنيها‭ ‬الآخرين،‭ ‬مما‭ ‬ترك‭ ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬على‭ ‬حياته‭. ‬هذا‭ ‬الفقد‭ ‬والانفصال‭ ‬شكل‭ ‬اللاوعي‭ ‬لدى‭ "‬كامل‭" ‬وجعله‭ ‬أسيرًا‭ ‬لعاطفة‭ ‬مَرَضية‭ ‬تجاه‭ ‬والدته،‭ ‬ما‭ ‬خلق‭ ‬علاقة‭ ‬غير‭ ‬صحية‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬سلب‭ ‬ثقته‭ ‬بنفسه‭.‬

تظهر‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬معاناة‭ "‬كامل‭" ‬من‭ ‬الخجل‭ ‬الشديد‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬المجتمع‭. ‬تجاربه‭ ‬المبكرة‭ ‬تسببت‭ ‬بعجزه‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وهو‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عليه‭ ‬الشخصية‭ ‬السوية‭. ‬وضعه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وعلاقته‭ ‬المرهقة‭ ‬بأمه‭ ‬وتعلّقه‭ ‬الشديد‭ ‬بها‭ ‬جعلاه‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬خيارات‭ ‬خاطئة،‭ ‬مما‭ ‬أثر‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬حياته‭.‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬أتممت‭ ‬الرواية‭ ‬أدركت‭ ‬أننا‭ ‬مهما‭ ‬بلغنا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬وبلغت‭ ‬بنا‭ ‬فإن‭ ‬الظروف‭ ‬البيئية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تشكّلنا،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬معظمنا‭ ‬نقع‭ ‬فريسة‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬المواقف،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬تمكن‭ ‬محفوظ‭ ‬من‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬النفس‭ ‬البشرية،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬سرد‭ ‬الأحداث‭ ‬بطريقة‭ ‬تدعو‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تشكيل‭ ‬بيئتنا‭ ‬لشخصياتنا‭ ‬وقراراتنا‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا