تناولنا في أكثر من مناسبة سابقة مسألة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ودورهما في إعادة تشكيل الاقتصادات الخليجية، غير أن تطورات المرحلة الراهنة، وما يرافقها من تحديات مالية واقتصادية وجيوسياسية، تجعل من الضروري العودة إلى هذا الملف مجددًا، ليس من باب التكرار، بل من زاوية تعاظم أهميته كأحد أعمدة التنويع الاقتصادي واستدامة النمو في دول مجلس التعاون الخليجي.
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصادات الخليجية أحرزت تقدمًا ملموسًا في مجال التحول الرقمي خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية التكنولوجية، ولا سيما شبكات الاتصالات المتقدمة ومراكز البيانات والحوسبة السحابية. وتُظهر البيانات أن تغطية شبكات الجيل الخامس في عدد من دول الخليج العربي تجاوزت 90% من المناطق الحضرية، وهي من أعلى النسب عالميًا، ما أتاح بيئة ملائمة لتبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية المتقدمة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
هذا التقدم الرقمي لم يكن هدفًا تقنيًا بحتًا، بل جاء ضمن رؤية أوسع تستهدف تقليص الاعتماد الهيكلي على النفط، وفتح آفاق جديدة للنمو في قطاعات غير تقليدية مثل الاقتصاد الرقمي، والخدمات المالية الذكية، والتجارة الإلكترونية، والصناعات المعرفية. وتؤكد تقارير البنك الدولي أن التحول الرقمي بات يشكّل أحد المحركات الأساسية للنمو غير النفطي في الخليج، خصوصًا في ظل تقلب أسعار الطاقة وعدم اليقين في الأسواق العالمية. أما الذكاء الاصطناعي، فيُنظر إليه اليوم بوصفه رافعة نوعية للتنويع الاقتصادي، وليس مجرد أداة لتحسين الكفاءة التشغيلية. فدول مثل السعودية والإمارات والبحرين تبنّت استراتيجيات وطنية واضحة للذكاء الاصطناعي، ووجهت استثمارات كبيرة نحو دعم الشركات الناشئة، وتطوير حلول ذكية في مجالات الصحة والتعليم والنقل والخدمات الحكومية. وتشير تقديرات مؤسسات بحثية دولية إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تضيف ما بين 1.5% و3% إلى الناتج المحلي غير النفطي لدول الخليج العربي على المدى المتوسط، وهو أثر اقتصادي بالغ الأهمية إذا ما قورن بمعدلات النمو التقليدية. وتُظهر المؤشرات الاقتصادية أن مساهمة القطاعات الرقمية في الناتج المحلي الإجمالي الخليجي آخذة في الارتفاع، بالتوازي مع تحسن بيئة الأعمال الرقمية وزيادة الإنفاق على الابتكار والتكنولوجيا. كما أن التحول الرقمي أسهم في تعزيز إنتاجية القطاعين العام والخاص، وخفض تكاليف المعاملات، ورفع كفاءة الخدمات، ما انعكس إيجابًا على مناخ الاستثمار وجاذبية الاقتصادات الخليجية لرؤوس الأموال الأجنبية.
إلى جانب ذلك، يبرز بُعد اجتماعي واقتصادي مهم يتمثل في تنمية رأس المال البشري. فالتقارير الدولية تشير إلى تحسن مشاركة الكفاءات الوطنية، بما في ذلك النساء، في مجالات التكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات، وهي قطاعات تمثل العمود الفقري لاقتصاد الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التقدم لا يخلو من تحديات، إذ لا تزال فجوة المهارات الرقمية تشكّل عائقًا نسبيًا أمام تعميم الاستفادة من التحول الرقمي، الأمر الذي يستدعي سياسات تعليمية وتدريبية أكثر تكاملاً واستدامة.
وفي ختام هذا المقال، يبقى التأكيد على أن حجر الزاوية الحقيقي في مسار التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل الإنسان. فمهما بلغت الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، ومهما تطورت الأنظمة والمنصات الذكية، فإن فعاليتها الاقتصادية تظل مرهونة بقدرة الإنسان على توظيفها، وتطويرها، وتحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد.
إن الاستثمار في الإنسان الخليجي، عبر التعليم النوعي، وبناء المهارات الرقمية المتقدمة، وتعزيز ثقافة الابتكار والتفكير النقدي، يمثل الشرط الأساسي لنجاح التحول الرقمي واستدامته. فاقتصاد المعرفة لا يقوم على الأجهزة والخوارزميات وحدها، بل على رأس مال بشري قادر على التكيّف مع التغيرات المتسارعة، واستيعاب التقنيات الجديدة، وتطويعها لخدمة الأولويات التنموية الوطنية. ومن دون هذا الاستثمار، قد يتحول التحول الرقمي إلى مجرد استيراد للتكنولوجيا بدل أن يكون مسارًا لبناء قدرات ذاتية.
كما أن تمكين الكفاءات الوطنية، ودعم مشاركة الشباب والنساء في القطاعات التقنية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الرقمي، يشكّل الضمانة الحقيقية لأن يكون الذكاء الاصطناعي أداة للتنويع الاقتصادي لا عاملًا لإعادة إنتاج الاختلالات القائمة. وعليه، فإن الرهان على الإنسان الخليجي ليس خيارًا اجتماعيًا فحسب، بل هو قرار اقتصادي استراتيجي يحدد قدرة دول الخليج على الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يقوده الابتكار والمعرفة في المدى الطويل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك