العدد : ١٧٤٧٧ - الأربعاء ٢٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٧ - الأربعاء ٢٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

الذكاء الاصطناعي والتنويع الاقتصادي الخليجي

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الاثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

تناولنا‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬سابقة‭ ‬مسألة‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ودورهما‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تطورات‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة،‭ ‬وما‭ ‬يرافقها‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬مالية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وجيوسياسية،‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬مجددًا،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التكرار،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬تعاظم‭ ‬أهميته‭ ‬كأحد‭ ‬أعمدة‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬واستدامة‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭.‬

تشير‭ ‬تقارير‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬أحرزت‭ ‬تقدمًا‭ ‬ملموسًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصالات‭ ‬المتقدمة‭ ‬ومراكز‭ ‬البيانات‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية‭. ‬وتُظهر‭ ‬البيانات‭ ‬أن‭ ‬تغطية‭ ‬شبكات‭ ‬الجيل‭ ‬الخامس‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تجاوزت‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الحضرية،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬النسب‭ ‬عالميًا،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬بيئة‭ ‬ملائمة‭ ‬لتبني‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

هذا‭ ‬التقدم‭ ‬الرقمي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هدفًا‭ ‬تقنيًا‭ ‬بحتًا،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬أوسع‭ ‬تستهدف‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬الهيكلي‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬وفتح‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬للنمو‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬مثل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية‭ ‬الذكية،‭ ‬والتجارة‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والصناعات‭ ‬المعرفية‭. ‬وتؤكد‭ ‬تقارير‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬بات‭ ‬يشكّل‭ ‬أحد‭ ‬المحركات‭ ‬الأساسية‭ ‬للنمو‭ ‬غير‭ ‬النفطي‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تقلب‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬أما‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬فيُنظر‭ ‬إليه‭ ‬اليوم‭ ‬بوصفه‭ ‬رافعة‭ ‬نوعية‭ ‬للتنويع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لتحسين‭ ‬الكفاءة‭ ‬التشغيلية‭. ‬فدول‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬والبحرين‭ ‬تبنّت‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وطنية‭ ‬واضحة‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ووجهت‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬نحو‭ ‬دعم‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة،‭ ‬وتطوير‭ ‬حلول‭ ‬ذكية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والنقل‭ ‬والخدمات‭ ‬الحكومية‭. ‬وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬مؤسسات‭ ‬بحثية‭ ‬دولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تضيف‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1‭.‬5‭% ‬و3‭% ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬غير‭ ‬النفطي‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط،‭ ‬وهو‭ ‬أثر‭ ‬اقتصادي‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قورن‭ ‬بمعدلات‭ ‬النمو‭ ‬التقليدية‭. ‬وتُظهر‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أن‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاعات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬الخليجي‭ ‬آخذة‭ ‬في‭ ‬الارتفاع،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تحسن‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬الرقمية‭ ‬وزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬إنتاجية‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص،‭ ‬وخفض‭ ‬تكاليف‭ ‬المعاملات،‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الخدمات،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬مناخ‭ ‬الاستثمار‭ ‬وجاذبية‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬لرؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يبرز‭ ‬بُعد‭ ‬اجتماعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬مهم‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭. ‬فالتقارير‭ ‬الدولية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬تحسن‭ ‬مشاركة‭ ‬الكفاءات‭ ‬الوطنية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النساء،‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والعلوم‭ ‬والهندسة‭ ‬والرياضيات،‭ ‬وهي‭ ‬قطاعات‭ ‬تمثل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لاقتصاد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬تحديات،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فجوة‭ ‬المهارات‭ ‬الرقمية‭ ‬تشكّل‭ ‬عائقًا‭ ‬نسبيًا‭ ‬أمام‭ ‬تعميم‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستدعي‭ ‬سياسات‭ ‬تعليمية‭ ‬وتدريبية‭ ‬أكثر‭ ‬تكاملاً‭ ‬واستدامة‭.‬

وفي‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬يبقى‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ليس‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬الإنسان‭. ‬فمهما‭ ‬بلغت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية،‭ ‬ومهما‭ ‬تطورت‭ ‬الأنظمة‭ ‬والمنصات‭ ‬الذكية،‭ ‬فإن‭ ‬فعاليتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تظل‭ ‬مرهونة‭ ‬بقدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬توظيفها،‭ ‬وتطويرها،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭.‬

إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬الخليجي،‭ ‬عبر‭ ‬التعليم‭ ‬النوعي،‭ ‬وبناء‭ ‬المهارات‭ ‬الرقمية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬الابتكار‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬يمثل‭ ‬الشرط‭ ‬الأساسي‭ ‬لنجاح‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬واستدامته‭. ‬فاقتصاد‭ ‬المعرفة‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الأجهزة‭ ‬والخوارزميات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬بشري‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬المتسارعة،‭ ‬واستيعاب‭ ‬التقنيات‭ ‬الجديدة،‭ ‬وتطويعها‭ ‬لخدمة‭ ‬الأولويات‭ ‬التنموية‭ ‬الوطنية‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬هذا‭ ‬الاستثمار،‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬استيراد‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مسارًا‭ ‬لبناء‭ ‬قدرات‭ ‬ذاتية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تمكين‭ ‬الكفاءات‭ ‬الوطنية،‭ ‬ودعم‭ ‬مشاركة‭ ‬الشباب‭ ‬والنساء‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬التقنية،‭ ‬وربط‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬باحتياجات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الرقمي،‭ ‬يشكّل‭ ‬الضمانة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أداة‭ ‬للتنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬عاملًا‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الاختلالات‭ ‬القائمة‭. ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬الخليجي‭ ‬ليس‭ ‬خيارًا‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قرار‭ ‬اقتصادي‭ ‬استراتيجي‭ ‬يحدد‭ ‬قدرة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬يقوده‭ ‬الابتكار‭ ‬والمعرفة‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا