في حديث عابر مع أختي عن البودكاست، اكتشفت أننا صرنا نذكره وكأنه جزء بديهي من يومنا.. نسمعه في السيارة، أثناء المشي وأحياناً ونحن ننجز أشياء لا تحتاج الى تركيز كامل.. صار جزءاً من الروتين اليومي، مثل الموسيقى سابقاً، مع فرق واضح.. الموسيقى تمر، أما البودكاست فيبقى.
أنا من الأشخاص الذين يستمعون للبودكاست بكثرة، لكن بانتقاء. أتنقل بين برنامج وآخر. أكمل بعض الحلقات حتى نهايتها، وأتوقف عن أخرى بعد دقائق من دون أي شعور بالذنب. لا أبحث عن الكمال ولا عن كل جديد.. أبحث عمّا يضيف فكرة، أو يطرح سؤالاً، أو على الأقل لا يستهلك الوقت بلا معنى.
ومع كثرة البودكاستات، أصبح المشهد مألوفاً في كثير من البرامج. كرسيان متقابلان، مايكروفونان، إضاءة خافتة توحي بعمق الحديث. يبدأ الحوار وكأنه عفوي، ثم يتضح مع الوقت أن العفوية مرت على المونتاج أكثر من مرة ومع ذلك أستمع، لأنني أبحث عن تلك اللحظة النادرة التي يخرج فيها الحديث صادقاً، من دون ترتيب زائد أو استعراض.
من هنا استوقفني أحد اللقاءات في بودكاست «أصيل»، في حوار أصيل مع الأستاذة هالة الأنصاري، مستشار جلالة الملك للشؤون الثقافية والعلمية. كانت حلقة هادئة ومتزنة، لا تعتمد على الإبهار ولا تسعى إلى لفت الانتباه المصطنع حضورها جاء طبيعياً وواثقاً وعميقاً يعكس خبرة طويلة واحتراماً للكلمة حين تُقال في مساحة عامة.
ما ميز اللقاء أنه لامس جوهر البودكاست الحقيقي، ضمن مجموعة من الأسئلة المطروحة، برز سؤال شدّني معناه، لما يحمله من عمق يتجاوز صياغته المباشرة.. هل وجود المرأة في المناصب اليوم وجود فعلي أم مجرد حضور شكلي لسد فجوة تكافؤ الفرص؟ السؤال جاء كجزء من حوار طبيعي يحترم عقل المستمع وجاءت الإجابة بهدوء مماثل. حديث لا ينكر التقدم ولا يجمل الواقع.. حديث يفرق بوضوح بين أن تكون المرأة حاضرة في المنصب، وأن تكون شريكة حقيقية في القرار.
ما قيل في الحلقة أعاد تسليط الضوء على واقع يتكرر في بعض البيئات. حين يُستدعى حضور المرأة لتجميل المشهد أكثر من إشراكها في القرار.. تُمنح العناوين وتُلتقط الصور، بينما تبقى مساحة التأثير محدودة. وجود يُحسب في الهيكل، لا في مسار التنفيذ. هذا السؤال تحديداً استدعى إلى الذهن قصصاً وتجارب كثيرة رأيتها وسمعت عنها في بيئات العمل، عن حضور شكلي، وعن اختيارات لا تقوم دائماً على قناعة حقيقية بالكفاءة.
قوة ذلك اللقاء لم تكن فيما قيل فقط، وإنما في ما كشفه من معنى أعمق. هذا الحوار بيّن أن القضية لم تعد مرتبطة بالتمكين بوصفه شعاراً، وإنما بمدى نضج البيئة المؤسسية واستعدادها للشراكة الحقيقية. خرجت من الحلقة وأنا أفكر متى يصبح وجود المرأة في المنصب أمراً طبيعياً لا يحتاج الى تفسير، ومتى يُدار الموقع بعدل بصرف النظر عمّن يشغله. وربما لهذا تمنيت لو أن للحلقة جزءاً ثانياً، لأن الأسئلة التي فتحتها أكبر من أن تُغلق في جلسة واحدة.
ربما لهذا كانت تلك الحلقة مختلفة. لأنها لم تحاول أن تقنع أحداً، ولم تسعى إلى تسجيل موقف.. تركت المساحة للفهم، وفتحت باباً للتفكر. وهذا ما نحتاج اليه اليوم أكثر من أي وقت. أن نعيد النظر في شكل البودكاست، وفي جوهره، وفي من يقدّم محتوى حقيقياً يستحق الاستماع، بعيداً عن الأسماء والعناوين.
البودكاست ليس كلاماً يقال وينتهي لأن ما يُطرح فيه يُعاد تداوله ويظل حاضراً ومن خصائصه أنه يحرك التفكير ويحفز التساؤل، ولهذا تكون مسؤوليته مضاعفة، بدءاً من السؤال، ومروراً بالمحتوى، وصولاً إلى حسن اختيار الضيف، فالأثر لا يتوقف عند لحظة التسجيل، وإنما يستمر حتى بعد أن يسكت الصوت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك