في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لم تعد البنية التحتية التقليدية وحدها كافية لجذب الاستثمارات الأجنبية، بل أصبحت السيادة على البيانات والمعلومات أحد أهم مقومات التنافس الاقتصادي بين الدول. ومن هذا المنطلق، يبرز توطين بنك البحرين المركزي للمعلومات كأحد المحاور الاستراتيجية القادرة على إحداث نقلة نوعية في مسار التنويع الاقتصادي وتعزيز مكانة المملكة على خارطة الاستثمار العالمي.
إن تجميع معلومات الدولة تحت مظلة مركزية موحدة، تشرف عليها جهة سيادية متخصصة، يمثل خطوة محورية نحو تعزيز كفاءة العمل الحكومي، ورفع مستوى التنسيق بين الوزارات والبنوك والمؤسسات المختلفة. هذا التكامل لا يقتصر على تحسين سرعة اتخاذ القرار، بل يسهم في بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة وموثوقة تشكل ركيزة أساسية للتخطيط الاقتصادي طويل الأجل، وتمنح صناع القرار رؤية أشمل وأكثر عمقاً لمتطلبات المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تكتسب الأطر التشريعية أهمية خاصة، إذ إن نجاح أي منظومة معلوماتية وطنية مرهون بوجود قوانين واضحة تحفظ حقوق جميع الأطراف، وتضمن الخصوصية، وتحدد آليات استخدام البيانات وتداولها بشفافية وعدالة. فالتشريع ليس فقط أداة تنظيم، بل عنصر ثقة أساسيا يطمئن المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء بأن بيئة الأعمال في البحرين قائمة على أسس قانونية راسخة تحمي المصالح وتحد من المخاطر.
ويُعد توطين المعلومات تحت سقف وطني واحد عاملاً رئيسياً في تعزيز أمن المعلومات وحفظ أسرار الدولة، وخصوصاً في عالم تتزايد فيه التهديدات السيبرانية، وتتحول فيه البيانات إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية؛ فامتلاك بنية تحتية محلية متقدمة لحفظ البيانات يقلل من الاعتماد على مراكز خارجية، وتمنح المملكة سيطرة أكبر على مواردها الرقمية، ويعزز قدرتها على إدارة الأزمات والتعامل مع المتغيرات العالمية بكفاءة أعلى.
أما على صعيد الاستثمار الأجنبي، فإن بناء منظومة معلوماتية متكاملة، مدعومة بأحدث التقنيات ومعايير الحماية السيبرانية، ترسل رسالة واضحة للأسواق العالمية مفادها أن البحرين توفر بيئة آمنة وموثوقة لحفظ البيانات والأعمال. هذه الثقة تشكل عاملاً حاسماً للشركات العالمية، ولا سيما في القطاعات المالية والتكنولوجية والصناعات المعتمدة على البيانات، التي تضع خصوصية المعلومات وأمنها في مقدمة أولوياتها.
ومن خلال هذا التوجه، يمكن للبحرين أن ترسخ موقعها كمركز إقليمي وعالمي لحفظ المعلومات والخدمات الرقمية، بما يفتح آفاقاً جديدة للتنويع الاقتصادي، ويخلق فرصاً استثمارية نوعية، ويعزز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي؛ فاقتصاد المستقبل لم يعد يعتمد فقط على الموارد التقليدية، بل على القدرة على إدارة المعرفة، وحماية البيانات، وتوظيف التكنولوجيا في خدمة التنمية المستدامة.
وفي المحصلة، فإن توطين بنك البحرين المركزي للمعلومات ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل خياراً استراتيجياً سيادياً يعكس رؤية متقدمة لاقتصاد وطني أكثر أمناً، وتكاملاً، وجاذبية للاستثمار. ومع الدعم المستمر والرؤية الحكيمة للقيادة الرشيدة، تواصل البحرين ترسيخ مكانها كدولة سبّاقة في بناء اقتصاد رقمي متين، قادر على مواكبة التحولات العالمية وصناعة فرص المستقبل بثقة واستدامة.
ماجستير تنفيذي بالإدارة من المملكة المتحدة (EMBA)
عضو بمعهد المهندسين والتكنولوجيا البريطانية العالمية (MIET)

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك