تتوقف برهة في مركز استعلامات طريق اللؤلؤ.. اللؤلؤ الذي أدهش بريقه شغف جاك كارتير التاجر الفرنسي المشهور، تخطو قليلا.. تسافر رائحة البخور إلى أنوف الزوار، في الداخل تستقبلك جدران الطين التي مازالت شامخة تحكي لنا قصص اليامال وعرق جباه السواعد السمر والإبحار في غياهب المجهول، تتلاقى أمواج البحر مع أمواج البشر.
خلف الأزقة الضيقة، تشاهد كيف ينسكب اللون الأرجواني في أفواه العلب الفضية، إنه فخر صناعة المحرق.
في إحدى الزوايا، تتكدس سلال التمر، وكأن أحلام الذين رحلوا مازالت متكدسة فوق بعضها بعضا، في زاوية أخرى يجلس الغواصون والبحارة في المقهى الشعبي يتبادلون أطراف الحديث عن شجون الغوص وأحلام اليقظة التي تنقلهم إلى مصاف النواخذة، وآخرون من الغاصة يدخنون لفائف سجائرهم، ينفخون الدخان الذي يتصاعد في السماء ثم يتلاشى كما تتلاشى أحلامهم.
على الرغم من أننا نعتبر البحر في تراثنا مصدر خير وبركة، فإنه اختطف أعز الأحبة في لمح البصر!
السياحة الداخلية ليست سياحة عابرة، بل تعكس هوية تراث الشعوب من عادات وتقاليد وفنون وحرف وأكلات شعبية وملابس تقليدية، وجميع هذه المفاهيم يتم نقلها إلى الأجيال من خلال إقامة المهرجانات والفعاليات التي تسهم في تعزيز الشعور بالانتماء والفخر بهوية الوطن.
المهرجانات الناجحة كمهرجان «ليالي المحرق» ينشط أيضًا الحركة الاقتصادية الداخلية في البلاد حيث يستقطب أعدادا كبيرة من العائلات في دول الخليج العربية الشقيقة التي تشاركنا في الموروث التاريخي كمنطقة واحدة تجمعنا بثقافة وإرث تاريخي مشترك، وأصبح بذلك وجهة إقليمية فاعلة في الاقتصاد الداخلي، وهي ضمن استراتيجية وزارة السياحة، كما هي إحدى أهداف الاتحاد العربي للمرشدين السياحيين في تفعيل السياحة البينية مع الدول المجاورة كما أكدتها توصيات مؤتمر الاتحاد الذي عقد في شهر مايو 2025 في مدينة القاهرة.
يخلق التراث الشعبي تجربة سياحية تجمع بين الترفيه والثقافة، وهذا ما فعلته هيئة البحرين للثقافة والآثار، حيث استطاعت تحويل ليل المحرق إلى ليالٍ مقمرة بأجواء الفرح والمتعة والثقافة في آن واحد، حيث تحظى خطط المحافظة على الموروث التاريخي والتراث بأهمية كبيرة لدى حكومتنا الرشيدة في غرس القيم الوطنية وارتباطها الوثيق بتراث الأجداد، فتدرك الأجيال مفهوم الاعتزاز بالهوية البحرينية الأصيلة والمحافظة عليها جيلًا بعد جيل، وهذا ما يؤكده أيضًا المشروع الوطني الرائد «بحريننا».
ساحات مهرجانات فعاليات العيد الوطني المجيد هي الأخرى فرصة للمساهمة في الترويج للسياحة الداخلية، وقد استثمرنا كمرشدين سياحيين هذه المناسبات للمساهمة في الترويج من خلال وجود المرتادين من المواطنين والطلبة والجاليات والسياح في توزيع المطبوعات والخرائط التي تتحدث عن المعالم السياحية والتاريخية في البلاد، لا بد من تقديم الشكر إلى الجهات التي أسهمت في إنجاح هذه المبادرة منها هيئة البحرين للسياحة والمعارض ومحافظة المحرق وبحريننا وبصمة وطن لتؤكد أهمية نشر تاريخ حضارة بلادنا العريق.
نحن نؤكد أن بعد انتهاء مشروع ترميم المباني والبيوت التاريخية في مدينة المحرق سوف تكون محط أنظار السياح والزوار من دول العالم وسوف تشكل زيارتها تجربة سياحية وتراثية فريدة شأن المدن التي تم ترميمها في الدول الأخرى كمدينة جدة التاريخية ومدينة سيدي بوسعيد في تونس والحي القديم بالقاهرة.
يستقطب موسم البواخر السياحية هذا العام باخرتين إحداهما (MSC) تنقل 5000 سائح من دول العالم، تأتي كل يوم اثنين وتغادر في الخامسة مساءً، حبذا لو يتم استثمار هذا المهرجان التراثي الرائع أن يفتح أيضًا في الفترة الصباحية وتوفير بعض الحرفيين الآخرين وبعض الأكلات الشعبية لكي يتمكن السياح من زيارته والتعرف على تراث الغوص وعلى نماذج من العمارة البحرينية، وأن يدرج المهرجان ضمن برامج الجولات السياحية خلال إقامته. إنه إضافة قيمة، ويتم دفع أجور الحرفيين المشاركين من قبل الشركة المنظمة للباخرة، وذلك بالتنسيق مع هيئة البحرين للثقافة والآثار، فالشراكة مع الأسر المنتجة تؤسس قيمة إضافية لمشروع يندرج ضمن السياحة المستدامة. القرية التراثية هي أيضًا نموذج آخر للسياحة الداخلية، إذ استقطب 110 آلاف زائر في عطلة نهاية الأسبوع، كما أشارت إليه الإحصائيات، وهذا الرقم بالتأكيد ضخ مبالغ مالية جيدة. لا ننسى دورة الإعلام من خلال التغطية المكثفة لتلفزيون البحرين عن جميع المهرجانات والفعاليات المصاحبة، فقد استطاع أن يوصل رسائل ممنهجة إلى الدول الخليجية الشقيقة، ما شجع الكثير من العائلات على زيارة البحرين.
إن فوز جناح البحرين في معرض ناساكا الدولي باليابان والحصول على جائزة الآغا بالإضافة إلى نجاحات ليالي المحرق، جميعها إنجازات يستحق عليها الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة الرئيس التنفيذي لهيئة البحرين للثقافة والآثار الحصول على وسام جلالة ملك البلاد المعظم.
رئيس المرشدين السياحيين أصدقاء دلمون
الممثل الإقليمي للاتحاد العربي للمرشدين السياحيين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك