أطلقت أول مشروع تعليمي تطوعي من نوعه في العالم حاصل على المركز الثاني كأفضل عمل تطوعي بالمملكة.. صاحبة خبرة في القطاع المصرفي تمتد إلى ثلاثين عاما.. حنان عبدالمحسن حماد لـ«أخبار الخليج»:

يقول الزعيم البريطاني الشهير ونستون تشرشل: «نعيش بما نحصل عليه.. ونبني حياتنا بما نعطي»!
بالفعل، أسعد الناس ليسوا من يحصلون على المزيد، بل من يفعلون الكثير لغيرهم مندون توقع تلقي أي شيء في المقابل، وهذا ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق، فمثل هؤلاء يبنون حياتهم بما يعطونه انطلاقا من قناعتهم بأن قيمة الفرد لا تكمن فيما يجمعه أو يمتلكه، بل فيما يبذله من جهد ووقت في سبيل الآخرين، الأمر الذي يشكل معنى لوجودهم.
ومن بين هؤلاء هذه المرأة التي وجدت في العطاء ملاذها ومتعتها وسعادتها، فاتخذت منه رسالة في الحياة كرست لتأديتها كل الجهد والوقت، وذلك عبر مشروع تطوعي لتعليم اللغة الإنجليزية هو الأول من نوعه في العالم تحت عنوان «حلق بحلمك»، الذي يوجه خدماته لكل الأعمار من الجنسين بالمملكة.
حنان عبدالمحسن حماد صاحبة تجربة إنسانية متفردة وملهمة، لذلك استحقت عن جدارة التوقف عند تفاصيلها، وذلك في الحوار الآتي:
كيف تولدت فكرة المبادرة؟
لقد شعرت بالكره تجاه المدرسة في صغري، وكانت اللغة الإنجليزية هي السبب وراء هذا النفور وعدم معرفتي أو إلمامي بها ، حتى أنني كنت اتعمد الغياب في اليوم الذي تخصص فيه حصص لهذه المادة، ومع الوقت حدث نوع من التحول والتطور في شخصيتي، حيث بدأت اهتم بها وأبذل كل المحاولات وبمساعدة أختي لتعلم أساسياتها بهدف إتقانها، وبالفعل تعمقت فيها وتعلمتها في المرحلة الثانوية، وقد التحقت بجامعة البوليتكنك لدراسة تخصص إدارة الأعمال، واكتشفت أن عددا من زميلاتي لم يستطعن اكمال مشوارهن العلمي بسبب عائق اللغة الإنجليزية التي كانت مهمة جدا خلال المرحلة الجامعية وكذلك بالنسبة إلى سوق العمل، ومن هنا تولدت فكرة مشروعي وظلت تراودني إلى أن قررت إطلاقه.
وبعد التخرج؟
بعد التخرج في الجامعة عملت في القطاع المصرفي، وتنقلت بين عدة بنوك، ووصلت خبرتي إلى حوالي ثلاثين عاما مع عدد من البنوك العالمية، وبالطبع تعاملي مع الأجانب خلال عملي في هذا الحقل أسهم في إتقاني اللغة الإنجليزية، وقد مثلت محطة العمل لدي بنك إنفستكورب نقلة مهمة في مشواري التي امتدت حوالي 17 عاما.
ما هي مراحل تطور المشروع؟
حين شعرت بأهمية اللغة الإنجليزية بالنسبة إلى الكثيرين وخاصة انني أعشق مساعدة الآخرين قررت منذ سن مبكرة تدريسها للمقربين وللجيران والمعارف، وكانت البداية مع مجموعة من نساء الحي الذي أقطنه، ثم وجهت خدماتي إلى حوالي ثلاثين طالبا وطالبة من مختلف الأعمار في إحدى الصالات، وذلك في العطلة الأسبوعية، وكان ذلك بالتعاون مع ابنتي وصديقاتها وبعض الجهات مثل نادي سار الثقافي الرياضي، ثم توسع المشروع شيئا فشيئا وتطور ولكنه كان بشكل عشوائي فترة إلى أن تم وضع هيكل له.
كيف؟
لقد حدث ذلك حين عزمنا على المشاركة في جائزة محفوظة الزياني للعمل التطوعي، وكان عدد المستفيدين قد وصل إلى حوالي مائة شخص، حيث اقترح علينا القائمون على الجائزة هيكلة المبادرة وتسميتها وفتح حساب لنا على الانستجرام، ومن ثم وجود رؤية وخطة متكاملة، وبالفعل نفذنا جميع التوصيات وقررنا اطلاق اسم «حلق بحلمك» عليها، وهو ما يعني أننا على استعداد لتحقيق أحلام أي شخص، وكانت نقطة الانطلاقة رغم اننا لم نفز في تلك المسابقة.
هل خدمات البرنامج تقدم بالمجان؟
في البداية كانت الخدمة المقدمة عبر المبادرة بالمجان، ولكن مع تزايد عدد المستفيدين والفروع التي وصلت إلى خمسة في أنحاء المملكة قررنا فرض رسوم رمزية عبارة عن عشرين دينارا للشخص سنويا، وذلك للإيفاء بكل المتطلبات والمستلزمات، وهو بالطبع مبلغ بسيط للغاية، ويصل عدد المستفيدين حاليا إلى أكثر من 750 طالبا، وحتى أولياء الأمور وفرنا لهم برنامجا تعليميا خاصا بهم، ويتم التدريس في عطلات نهاية الأسبوع.
ماذا عن عدد المتطوعين؟
يصل عدد المتطوعين اليوم إلى أكثر من 300 شخص، وأجمل ما في الموضوع هو أن غالبيتهم من الشباب، حيث انضم إلينا بعض الطلبة بعد تخرجهم في الجامعة للمساعدة في تأدية رسالتنا، وأصبحوا قادة متطوعين، ولله الحمد حققنا هدف الاستدامة على مدار عشر سنوات، وجميع الفريق يتقاسمون هذه المسؤولية المشتركة وذلك تحت قيادتي، وأصبح للمشروع دور اجتماعي فيما يتعلق باكتساب العديد من المهارات وليس فقط تعلم اللغة الإنجليزية.
أصعب تحد؟
يمكن القول إن أصعب تحد واجهته على صعيد المشروع كان خلال فترة من الفترات، وذلك حين أصبح مشروعي بلا مقر، الأمر الذي وضعنا جميعا تحت ضغط نفسي رهيب، إلى أن تعاون معنا نادي جد حفص الثقافي الرياضي وفتح أبوابه أمامنا واستقبلنا، ولا يفوتني هنا توجيه كل الشكر والامتنان للقائمين عليه، وأخص بالذكر الأستاذ سعيد رضي.
سلاحك في مواجهة الأزمات؟
لا شك أنني مررت بتجارب قاسية على المستوى الإنساني لا أود ذكر تفاصيلها هنا، ولكني تجاوزتها بالصبر وبالإيمان وبالعمل التطوعي الذي أراه مخرجا من أي أزمة وملاذا للتخلص من أي ضغوطات نفسية، وأنا عموما لا أتوقف عند الشدائد بل أبحث دائما عن حل وبديل، فضلا عن انني أحمد الله دوما على كل النعم التي منحها لي وأشعر حقيقة بقيمتها، وهذا ما يحتاج إليه الجيل الجديد بشكل كبير.
هل ترين أن اللغة العربية في خطر؟
إذا كان اهتمامي باللغة الإنجليزية لأهميتها البالغة في الدراسة الجامعية وفي مجال العمل فهذا لا يقلل مطلقا من أهمية اللغة العربية لكونها هي لغة العقيدة والصلاة، ومن هنا أنصح الآباء بعدم التحدث باللغة الإنجليزية مع أبنائهم، لأنهم بذلك يرتكبون جريمة كبرى من الممكن أن تؤثر على هوية وشخصية الطفل، وإشعاره بالغربة في وطنه.
وما هي وضعية العمل التطوعي؟
مازالت مجتمعاتنا العربية بحاجة إلى نشر ثقافة العمل التطوعي وتكريسها في نفوس مواطنيها من مختلف الأعمار، فهناك كثيرون يعيشون في دائرة أنفسهم ويكتفون بذلك، وهنا يأتي دور رجال الدين والمنزل والمدرسة ووسائل الإعلام في نشر قيمة ما يسمى التجارة مع الله، وهي مسؤولية مشتركة يجب تأكيدها، فأحيانا أصادف أمهات يرفضن التعاون معنا فيما يتعلق بدور أبنائهن الاجتماعي، مع أن جوهر الإسلام هو التكافل الاجتماعي، كما يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق هذا الهدف، ولإبراز أهمية أن يخصص أي فرد جزءا من وقته للعطاء، وليس فقط حين تتوافر لديه الفرصة، وهذا ما فعلته شخصيا مع ابنتي التي تتعاون معي كثيرا وبدافع من داخلها في تأدية رسالتي التطوعية.
مبدأ تسيرين عليه؟
هناك حكمة أضعها دائما نصب عينيّ عبر مسيرتي، مفادها أن الله إذا أغلق بابا أمامك فهو يفتح في المقابل أبوابا أخرى أجمل، ومن ثم لا يجب الشعور باليأس أو الندم على أي شيء.
مَن وراء نجاحك؟
أكبر داعم لي عبر مسيرتي كانت والدتي رحمها الله، فهي من غرست بداخلي معني الإيثار والعطاء وإنكار الذات، وكم أنا فخورة بالسير على خطاها، وبتربية أبنائي على نفس النهج، ولعل أهم انجازاتي التي أفخر بتحقيقها خلال مشواري هو تسيير سفينة حياتي الأسرية رغم أي تحديات واجهناها، فالأسرة بالنسبة إلي في قمة أولوياتي مهما بلغت مسؤولياتي.
حلمك الحالي؟
أحلم بتطبيق هذا المشروع في كل دولة حول العالم، وأن يشمل جميع المواد الدراسية، وهو أمر لا يتطلب رأسمال ضخما، واليوم بصدد مشروع لتدريس اللغة العربية للأطفال من عمر 5-9 سنوات في المدارس الخاصة للأجانب والمواطنين، كما أتمنى زيادة عدد الفروع في مملكة البحرين. وكم أنا فخورة بحصول مشروعي على المركز الثاني كأفضل عمل تطوعي وذلك في مسابقة الشيخ علي بن عيسى آل خليفة، وهو شيء لم أكن لأحققه من دون دعم عدد من المتطوعين وخاصة الشباب الذين ساعدوني كثيرا، على رأسهم ندى الراشد وجاسم مخلوق ومحمد علي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك