أول بحرينية تنال الماجستير في تقويم منهج التربية الأسرية للمرحلة الإعدادية.. حاصلة على جائزة الأم المثالية.. صاحبة قصة إنسانية تُسطَّر بحروف من ذهب.. أخصائية أولى للمناهج بوزارة التربية والتعليم عفاف محمود الموسوي لأخبار الخليج:
يقول الأديب جبران خليل جبران: «الفراق نار ليس لها حدود.. لا يشعر به إلا من اكتوى بناره!»
نعم، الفقد جرح لا يبرأ، وصمت يكسو الدموع، يترك غصة في الروح، هو القاتل الصامت، القاهر المميت، لذلك حين تغلق هذه المرأة البطلة عينيها تجد نفسها محاصرة بذكريات الفراق التي تطاردها على الدوام، وكل ما تفعله هو التعلم من حزنها شيئا، وألا تسمح له أن يبتلع آمالها أو يحولها إلى رماد.
عفاف محمود الموسوي، اختصاصية أولى مناهج بوزارة التربية والتعليم، أول بحرينية تحصل على رسالة الماجستير في مناهج التربية الأسرية للمرحلة الإعدادية، استحقت عن جدارة أن تحصد جائزة الأم المثالية على مستوى مملكة البحرين، وذلك لكونها صاحبة قصة إنسانية بامتياز تسطر حروفها من ذهب، فقد فقدت زوجها وطفلتيها في حادث انقلاب سيارة أثناء عودتهم من دولة الكويت قلب حياتها رأسا على عقب، لتبقى ذكراهم في قلبها إلى الأبد.
الفراق يؤلم القلب بشدة، حتى أنه يشعرنا بفقدان الحياة، وكأن الألوان اختفت من حولنا وأصبح الكون مظلما، الأمر الذي يسرق السعادة والبهجة من نفوسنا ليترك محلها جرحا عميقا، فكم بكت عيونها، ونزفت روحها، ولكنها أبت إلا أن تواصل الرحلة وأن تصبح عونا وسندا لمن تبقى من أبنائها ولوالدتها التي اعتصرت ألما على ما واجهته فلذة كبدها في هذه الحياة.
حول هذه التجربة العبرة كان الحوار التالي:
*حدثينا عن طفولتك؟
-لقد تربيت وسط أسرة مترابطة بشدة، وكنت الطفلة الأولى بها، وكان والدي معلما للغة العربية، وكان يهتم كثيرا بتعليمنا منذ الصغر، ومن ثم يمكن القول إنني نشأت نشأة تعليمية تربوية بامتياز، الأمر الذي زرع بداخلي حب التعلم منذ نعومة أظافري، أما عن هواياتي المفضلة فكانت القراءة والاطلاع والتعلم وبنهم شديد، وقد تمنيت أن أصبح طبيبة في المستقبل، إلا أن الظروف حالت دون تحقيق ذلك.
*متي تم تحديد رؤيتك للمستقبل؟
-في مرحلة الثانوية العامة استطعت تحديد رؤيتي للمستقبل وذلك بعد حصولي علي بعثة للدراسة في جمهورية مصر العربية كإخصائية تغذية، حيث قررت السفر والحصول علي شهادة البكالوريوس في التربية الأسرية، ثم عدت إلى وطني وعملت معلمة في هذا التخصص، بعد ذلك رغبت في إعداد رسالة الماجستير حول تقويم مناهج التربية الأسرية، وسعيت إلي تطويرها، وأوصيت بتدريسها في المرحلة الإعدادية بما يناسب الفئة العمرية والفروق الفردية، علما بأنني أتممت هذه الرسالة أثناء وجودي بالمستشفى بعد تعرضي أنا وأسرتي لحادث انقلاب للسيارة في طريق عودتنا من دولة الكويت إلى البحرين، والذي قلب حياتي رأسا علي عقب.
*ماذا عن تجربة هذا الحادث؟
-لقد كانت تجربة قاسية ومريرة إلى أبعد مما يتصوره أي عقل، فقد انقلبت بنا السيارة أنا وزوجي وأبنائي في طريق عودتنا إلى البحرين، وبعد فقداني للوعي استيقظت على أفظع منظر شاهدته في حياتي حيث وجدت جثث زوجي وابنتي (أمينة ست سنوات، ودانة خمس سنوات) ملقاة على الأرض، ولم يتبق لي سوى ابنتي نورية وابني أحمد، علما بأنني كنت حاملا في ابنتي عالية التي أعادت لي الحياة من جديد.
*كيف؟
-خلال الحادث تعرضت لكسور عديدة في أنحاء متفرقة من جسدي ولقطع في عدد من الأصابع، وكانت حالتي يرثى لها، وقد قضيت في المستشفى حوالي سبعة أشهر للعلاج خاصة أنني كنت حاملا، وأثناء هذه الفترة أتممت إعداد رسالة الماجستير، وبفضل الله سبحانه وتعالى ودعم والدتي وإخواني تجاوزت هذه المحنة وقد كانت ولادة ابنتي بمثابة بداية جديدة لحياتي حفزتني على المواصلة بكل قوة وعلى الوقوف علي قدمي من جديد.
*سلاحك في مواجهة هذه المحنة؟
أبنائي الأحياء ووالدتي كانوا بمثابة السلاح الذي واجهت به هذه المحنة والإصرار على العبور منها بسلام، حيث شعرت بأنهم في أشد الحاجة إلي ولتمتعي بالقوة والصلابة ومن ثم هم من دوني سوف يضيعون في متاهات الحياة، ومن هنا عزمت على تعويضهم أفضل عوض، وكنت شديدة الحرص على إشعار والدتي خاصة بأن هذه الأزمة لم تكسرني رغم آلامها المبرحة، وبذلت قصارى جهدي كي أصبح سندا لها ولأبنائي، وبالطبع في البداية مررت بمرحلة الصدمة حوالي شهرين، بعدها تماسكت وقررت المضي قدما في مسيرتي وأن أكون أقوى من أي ظروف.
*مرحلة ما بعد الولادة؟
-أذكر أنني عقب الولادة وخروجي من المستشفى شاهدت في الطريق نفس سيارة زوجي التي كان يقودها وقت الحادث، فشعرت بغصة مريرة آلمتني كثيرا، ومع الوقت وبفضل الخالق سبحانه وتعالى بدأت أمارس حياتي بشكل شبه طبيعي، وتخلصت من الملابس السوداء بعد ميلاد ابنتي وقلت لنفسي حينئذ ها هو النهار قد أشرق من جديد بعد شهور من العيش في الظلام الدامس، الأمر الذي دفعني إلي كتابة قصة بعنوان «ضوء النهار».
*بداية تجربتك مع المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية؟
-لن أنسى الوقفة الإنسانية لوزارة التربية والتعليم معي في تلك الأزمة حيث تم نقلي إلى مدرسة قريبة من مكان إقامتي، وكذلك منحي إجازة حتي موعد الولادة، والتي بدأت مرحلة جديدة من حياتي بعدها، حتى أنني شرعت في دراسة رسالة الدكتوراه، إلا أن البرنامج أغلق في الجامعة الخليجية ولم أتمكن من المواصلة، وحاولت جاهدة تعويض ابنتي نورية التي كان عمرها عامين وابني أحمد البالغ من العمر تسعة أشهر عن فقد الأب والأختين وانضممت إلى المؤسسة الملكية الخيرة، والتي ألحقتني بورش ودورات لتأهيلي لمرحلة ما بعد الفقد، وقدمت لي كل الدعم المادي والمعنوي، والأجمل أنها منحتني جائزة الأم المثالية.
*ماذا تعني لك هذه الجائزة؟
-تلك الجائزة التي حصلت عليها على مستوى مملكة البحرين تعني لي الكثير وأجدها أجمل حصاد لتجربة مريرة عشتها ولكني لم أسمح لها بأن تكسرني أو توقفني عن أداء رسالتي العائلية بل كانت وراء تمتعي بالقوة والإرادة كما أنها صنعت مني شخصية أفضل ملهمة للآخرين، وقد استحققت هذه الجائزة لكوني بنيت نفسي بنفسي مهنيا وعلميا، وسعيت نحو تطوير ذاتي واستمررت في عطائي لوطني من خلال عملي، أما على الصعيد الأسري فقد وفرت لأبنائي مستوى معيشيا مناسبا بعد أن خرجت من الحادث صفر اليدين لا زوج ولا طفلتي ولا بيت ولا سيارة ولكن بدعم والدتي وإخواني تحسنت ظروفي واليوم أصبحت أمتلك منزلا وسيارة، ومع الأيام أدركت أن الفقد نعمة وأن وراء كل شر خيرا، وأن الله سبحانه وتعالى إذا أخذ منك شيئا فهو يعطيك أكبر منه، كما علمتني تجربتي أهمية التمتع بالذكاء العاطفي.
*أهم قيمة لأبنائك حرصت على غرسها في أبنائك؟
أنا من الطائفة الشيعية وزوجي من الطائفة السنية ومع ذلك حرصنا على تربية أبنائنا على السلام الداخلي مع أنفسهم وعلى حب الآخر والتعايش معه وعلى مساعدة الآخرين، ولله الحمد لم يشعر أي فرد من أسرتنا بأي فرق بين المذهبين، وكان لي تجربة سياسية أضافت لي الكثير فكريا وثقافيا.
*وما هذه التجربة؟
-لقد شاركت في انتخابات مجلس النواب، وسعيت نحو تأهيل نفسي لخوض هذه التجربة عبر اكتساب خبرة سياسية في هذا الشأن وذلك من خلال الالتحاق بدورات متخصصة في معهد التنمية السياسية ولكني لم أحقق الفوز رغم وصولي إلى الدور الثاني، وكان برنامجي الانتخابي يركز على تعلم المرأة وتطورها والتصدي لما تعاني منه من مشاكل وخاصة من فئة الأرامل، وكيف يمكنها الوقوف على قدمها بعد أي تعثر، وذلك استلهاما من واقع تجربتي الخاصة التي تؤكد عدم الاستسلام لأي انكسار، بل تعتبره فترة استراحة، من بعدها تعاود النهوض من جديد وتواصل المسيرة بكل عزيمة وإصرار.
*حلمك الحالي؟
-كم أتمنى إكمال دراستي العليا والحصول على درجة الدكتوراه، وأن أسهم في تطوير مهارات أبنائنا من الجيل الجديد التعليمية والحياتية، وغرس أهمية الترابط الأسري في نفوسهم والذي أراه اليوم في خطر، هذا فضلا عن أملي في المشاركة في أعمال خيرية خارج المملكة عبر لجان الإغاثة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك