صاحبةُ أول روضة ونادي وصالون للأطفال ومشروع كافيه من نوعهم بالمملكة.. رائدة الأعمال.. مدربة جودة الحياة.. خبيرة الطب النفسي السلوكي.. محاربة السرطان البطلة نسيم محمد عبد اللطيف لأخبار الخليج:
يقول الروائي والرسام الأمريكي هنري ميلر: «الدرس الوحيد الواجب أن نتعلمه في هذه الحياة هو أن نعاني من دون أن نشكو»!
أن تبدو سعيدا رغم آلامك فهذا دليل على قوة شخصيتك وعمق إيمانك بأن الألم ثمره، وبأن الله لا يضع ثمارا على غصن ضعيف لا يقدر على حملها، فتحية لهذه المرأة التي تمتد رحلتها مع مرضها العضال الخبيث لأكثر من عشر سنوات عانت خلالها الأمرين ومع ذلك مازالت ابتسامتها لا تغيب عن وجهها بل تجد نفسها مصدر قوة لمن حولها.
محاربة السرطان البطلة نسيم محمد عبد اللطيف، امرأة من طراز مختلف، صاحبة بصمة نسائية ملهمة يقتدى بها، قررت أن تهزم المرض وتنتصر عليه في معركة الحياة، فحين اكتشفت إصابتها ازدادت قوة وإيمانا وراحت تحمل في قلبها جبالا من الصبر، ومضت في طريقها رغم الألم، حيث قررت أن ترتقي فوق كل سقطة، وتواجه هذا التحدي بعزيمة لا تلين، وأن تصنع من جراحها وقودا لنور يضيء لها الطريق نحو غد أفضل.
لقد أثبتت تجربتها أن المعاناة قد تجعل من صاحبها شخصا أفضل وأقوى ومصدر إلهام للآخرين يمدهم بروح الصمود والتفاؤل، ولكونها ليست امرأة عادية فقد استحقت وعن جدارة التوقف عند أهم محطات وتفاصيل رحلتها في الحياة، وذلك في الحوار التالي:
حدثينا عن نشأتك؟
-لقد نشأت علي حب القيادة والاستقلالية، وكان الفضل وراء ذلك والدتي التي كانت تحثنا على العمل في الإجازات الصيفية منذ المرحلة الإعدادية، حيث عملت في الصغر في عدة مجالات وأذكر أنني في البداية عملت بائعة في مجمع تجاري، ورغم شعوري بالخجل بعض الشيء من هذه المهنة البسيطة إلا أنني مع الوقت أصبحت فخورة بنفسي، كما تربيت كذلك على أهمية التحلي بالقوة والصمود في أوقات الشدة وهذا ما أفادني كثيرا عند المرور بتجارب الحياة القاسية، وقد كان حلم طفولتي أن أصبح في المستقبل سيدة أعمال بعد أن اكتشفت حبي للعمل التجاري مبكرا اقتداء بجدي الذي كان يعمل مقاولا ويمثل لي نموذجا جميلا، لذلك التحقت بجامعة البحرين لدراسة تخصص المحاسبة التي كانت من التخصصات المطلوبة في ذلك الوقت.
وبعد التخرج؟
-بعد التخرج في الجامعة ودراسة تخصص المحاسبة التحقت للعمل لدى أحد البنوك مدة أربع سنوات تقريبا، ثم تركت العمل المصرفي لكوني لم أجد فيه نفسي، وانتقلت إلى شركة بتلكو وعملت في قسم إدارة حسابات كبار الزبائن الذي أشبع شغفي، ثم أطلقت مشروعي الخاص.
كيف انطلق مشروعك؟
-لقد فكرت في مشروع خاص يشبع تمتعي بروح القيادة منذ الصغر، فقررت إنشاء أول روضة للأطفال تطبق النظام التعليمي البريطاني بمملكة البحرين، وسعيت من خلاله إلى إدخال أفكار وأساليب تعليمية جديدة وشيقة وبرامج وأنشطة متنوعة باستخدام نظرية التعليم عن طريق اللعب، كما وفرت بها كافيتريا، ورغم معارضة البعض لي خوفا من عدم نجاح المشروع إلا أنني أصررت وأطلقت المشروع، وأذكر أنني مدة عام كامل لم يلتحق بالروضة سوى طفل واحد نظرا لتزامن ذلك مع انتشار مرض أنفلونزا الخنازير عام 2009 وبالطبع تعرضت لخسائر مادية ونفسية كبيرة، إلى أن انفرجت هذه الأزمة ونجح المشروع بدرجة كبيرة، حتى أنني افتتحت أربعة أفرع له، ثم قررت الخوض في مشروع آخر.
وما المشروع الآخر؟
-لقد قررت إنشاء مشروع صالون للتجميل، وكان الأول من نوعه الذي يقدم خدماته للأطفال في البحرين ويستخدم منتجات خاصة بهم، حيث كان يضم قسما للأمهات وآخر لبناتهن، وبعد ذلك بحوالي عامين افتتحت الفرع الثاني لمشروع الحضانة ثم أطلقت مشروعا آخر مبتكرا وكان عبارة عن نادي للأطفال فريد من نوعه بالمملكة وكان ذلك في عام 2017 يضم الكثير من الأنشطة والبرامج التي تسهم في صقل شخصية الأطفال من خلال توفير فعاليات متنوعة بهدف تحقيق التعليم والمتعة للطفل في ذات الوقت.
ماذا عن دخولك المجال العقاري؟
-لقد انتقلت إلى مجال التطوير العقاري عبر الشراء والبناء والتأجير حيث أقدمت على توفير شقق سكنية غير تقليدية يتوفر فيها خدمات البنايات الكبيرة مع مراعاة الجانب النفسي والصحي للمؤجرين وغيرها من الأمور التي تجذبهم، ولذلك نجح المشروع بدرجة كبيرة، ثم جاءت جائحة كورونا لتقضي على كثير من مشاريعي التي اضطررت لبيع بعضها لتسديد الديون، وهنا قررت العمل على تطوير الذات ودراسة الكوتشينج، وحصلت على شهادة من المعهد الكندي للتدريب ومن معهد تدريب المدربين في البحرين، وأصبحت مدربة مؤهلة في هذا المجال.
ومتي بدأت رحلتك مع السرطان؟
-رحلتي مع مرض السرطان بدأت منذ حوالي عشر سنوات، وكانت البداية إصابة في الرحم، ثم انتقل إلى الثديين بسبب عدم المواظبة على الفحوصات بشكل دوري لانشغالي بمشاريعي، ومن ثم تم التشخيص هذه المرة في مرحلة متأخرة من انتشاره، وقيل لي إنه من الأنواع الشرسة، وبالطبع كانت صدمة كبيرة، ولكني و بسبب انتشار هذا المرض في عائلتي التي تحمل الجين الوراثي له كنت مؤهلة نفسيا إلى حد ما، خاصة أن والدتي سبقتني في الإصابة بهذا المرض اللعين، والآن أتلقى العلاج الكيماوي ومن بعده العلاج الإشعاعي، ثم الاستئصال وصولا إلى مرحلة العلاج الهرموني.
كيف تعاملت مع هذا المرض؟
-لا شك أنه في البداية مثلت الإصابة بهذا المرض صدمة شديدة لي، ولكني حرصت فترة ألا أخبر أي أحد، وذلك لأنني كنت دوما مصدر قوة لمن حولي وسأظل رغم أي شيء، حتى أنني حتى اليوم أخفي عمن حولي أي ألم أو معاناة وخاصة أبنائي الخمسة، لذلك كنت أول من دعمني واحتضني وطبطب علي، ولعل تجربة أمي مع هذا المرض منحتني القوة والثبات وقد شاهدت بنفسي كيف انهارت نفسيا حين بدأ شعرها في التساقط، لذلك قررت أن أقدم على حلاقة شعري تماما حتى لا يكسرني سقوطه بالتدريج.
هل تمرين بلحظات انكسار؟
-من المؤكد أنني أمر أحيانا بلحظات ضعف لا انكسار وهو أمر طبيعي لكل من أصيب بهذا المرض الخبيث، وذلك لكوني أتمتع بشخصية قوية لا تسمح لأي شيء أن يكسرها مهما كانت صعوبته، وكم أنا فخورة بذلك وبشكلي الحالي الذي لا يزعجني على الإطلاق، وأطل به على المتابعين لي على حسابي على الانستجرام دون أدنى شعور بالخجل، بل إنني أجد نفسي جميلة حتى ولو من دون شعر، وأذكر أن عائلتي بكت حين رأتني لأول مرة بهذا الشكل ومع ذلك أظهرت لهم أنني متماسكة وغير منزعجة على الإطلاق لحرصي دائما على عدم نقل أي مشاعر سلبية لمن حولي.
أكبر داعم لك؟
-أكبر الداعمين لي عبر مشواري بشكل عام هي والدتي، ثم عمتي المصابة بنفس المرض، وكذلك زوجها الطبيب، فهم من طمأنني وأبعد عني هاجس الموت الذي سيطر علي فترة في البداية ودفعني إلى ترتيب أمور أبنائي تحسبا لأي ظروف قد أمر بها، ولكن ولله الحمد اجتزت هذا الشعور وتلك المرحلة الصعبة بسلام واليوم أتلقى العلاج بكل شجاعة وإيمان، حيث تأقلمت على حياتي الجديدة، وهنا أوجه رسالة إلى كل امرأة بضرورة القيام بالفحص الدوري بانتظام للاكتشاف المبكر للمرض، وبالنسبة إلى أي مصابة به فعليها ألا تشعر بالفزع والهلع لأنه في نهاية أي نفق مظلم يكون هناك نور، لأن العامل النفسي مهم للغاية في العلاج، لذلك يجب أن تغوص في كابوس الاكتئاب أو التقوقع على نفسها بل تتقبل وضعها الجديد وتتكيف معه بكل قوة وصلابة.
حلمك الحالي؟
-لقد علمتني تجربتي أن أعيش اليوم بيومه، فلا ألتفت إلى الماضي، أو أفكر في المستقبل، وأن كل مر سيمر ويصبح نوعا من الذكرى، وكل ما أتمناه هو أن أنتهي من مرحلة العلاج بسلام، وألا يعود إلي هذا المرض إذا كتب الله سبحانه وتعالى لي الشفاء.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك