يشهد الاتحاد الأوروبي أزمات كثيرة غير مسبوقة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وذلك بسبب تورط هذا الاتحاد بشكل شبه جماعي في إثارة النعرات العدوانية ضد روسيا الاتحادية من ناحية ورفض أي مجال لأي مشروع لإنهاء الأزمة الأوكرانية وتوقف حلف الناتو عن التوسع وإعادة بناء العلاقة السليمة بين جناحي أوروبا الشرقي والغربي.
أما السبب الثاني لهذه الأزمة فهو الاقتصاد الذي تراجع بشكل دراماتيكي خلال السنوات الماضية وبدأت الصناعة الأوروبية التي كانت فخر التقدم في هذه القارة تتراجع كما تتراجع الخدمات العامة المقدمة للمواطنين وارتفاع نسب التضخم وانتشار المشاكل الاجتماعية والاضطرابات في أكثر من بلد بسبب ما أشرنا إليه من أزمات متكررة ومتصاعدة، ولذلك فإن الاتحاد الأوروبي اليوم يعيش مرحلة أزمة فجرت مؤخرا عددا من الخلافات العميقة بين بعض البلدان الأوروبية خاصة بين المجر وسلوفاكيا من ناحية وبين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من ناحية أخرى إضافة إلى أسباب أخرى من خارج الاتحاد الأوروبي منها مسألة استيراد النفط والغاز الروسيين والقيود التي فرضها الاتحاد الأوروبي من دون أي اعتبار للمصالح الوطنية لهذين البلدين فضلا عن الخلاف العميق حول الأموال الروسية المجمدة في بروكسل، كما أن بلجيكا ترفض ذلك أيضا وتراه نوعا من السرقة. هذا بالإضافة إلى خلافات أخرى عديدة تتعلق بالهجرة والطاقة والأزمة الأوكرانية بعضها يظهر على السطح وأخرى يظهر بعضها في شكل تسريبات إعلامية من حين لآخر من بعض البلدان الأوروبية.
ومن هنا جاء تحذير رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان من احتمالات انهيار الاتحاد الأوروبي في المستقبل إذا لم ينجح في تغيير أو استبدال النهج الليبرالي في الاتحاد الأوروبي وتعويضه بتمثيل الحكومات الوطنية ومراعاة مصالح كل بلد وعدم الضغط على الحكومات الوطنية لتتخلى عن مصالحها الوطنية إرضاء للجماعة الليبرالية، ولعل هذا التصريح يتطابق مع الاتجاه المتصاعد في البلدان الأوروبية نحو بروز الأحزاب الشعبوية اليمينية التي تدعو إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي وتعزيز المصالح الوطنية على حساب الشعارات الليبرالية فهذه الشعارات لا يجب أن تستمر مما يستدعي تغيير هذه النخبة التي تحكم الاتحاد الأوروبي حاليا وهي نخب لا تراعي المصالح الاستراتيجية للدول الأعضاء. ومن أطرف النقاط التي أشار إليها رئيس الوزراء المجري ضرورة استعادة الحقوق الوطنية المسلوبة بشكل غير قانوني من الشعوب الأوروبية بسبب السياسات الهوجاء وغير القانونية لقيادة الاتحاد الأوروبي الحالية، هذه القيادات التي أضعفت الحكومات الوطنية ولذلك دعا أوربان إلى تطهير الاتحاد الأوروبي على غرار ما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاليا من إبعاد النخب الليبرالية الفاشلة والتركيز على المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى.
إن ما يدعم هذا التوجه المتصاعد حاليا على الصعيد السياسي ما يمكن أن نسميه بالأفكار والدراسات التي تتكلم بشكل واضح وصريح عن المستقبل السلبي للاتحاد الأوروبي بشكل واضح من ذلك الدراسة الصادرة في عام 2024 للمؤرخ الفرنسي إمانويل تود بعنوان «هزيمة الغرب» هذا الكتاب فكك بعض العناصر الأساسية الخاصة بالأزمة التي يمر بها الغرب عامة وأوروبا خاصة، حيث أشار إلى أن مصير الحضارة الغربية سيكون مجهولاً خلال العقود القادمة إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه حاليا مركزا على أربعة أسباب أساسية في هذا المجال:
أولا: تراجع نسبة النمو الديموغرافي في البلدان عامة والأوروبية خاصة وهذا سيؤدي إلى الانهيار الديموغرافي والثقافي وربما يقوض الحضارة الغربية على المدى القريب والمتوسط، ففي مقابل مساحات واسعة من الأراضي فإن النمو الديموغرافي أصبح بسيطا وقليلا جدا في مقابل الهجرة من دول الجنوب ودول آسيا، مما سيؤدي إلى تغيرات جوهرية في التركيبة السكانية لهذه البلدان وبالتالي تغير في الثقافة والقيم وربما حتى في الاقتصاد.
ثانيا: انهيار القيم الدينية في الغرب يؤدي بالضرورة إلى تدمير النسيج الاجتماعي واختلاط الأوراق وتشويش في الثوابت مثل السماح بزواج المثليين والدفاع عن المثليين حتى في المدارس الابتدائية وهذا أمر قد يؤدي إلى نوع من العدمية في مقابل روسيا الاتحادية التي لا تزال تمثل قوة عالمية محافظة مما يجعلها أكثر صلابة وقوة في المستقبل.
الثالث: الاتحاد الأوروبي بشكل جماعي أسهم ويسهم في خلق أزمة هوية حيث فقدت أوروبا قدرتها على تقديم نموذج حضاري موحد.
رابعا: ورطة الاتحاد الأوروبي في محاربة روسيا الاتحادية استنادا إلى سرديات كاذبة وتحويل روسيا إلى نوع من الفوبيا، حيث بينت التجربة خلال الثلاث سنوات الماضية أن الغرب قد نصب فخا لروسيا في أوكرانيا لكنه في النهاية وقع فيه وها هو اليوم يدفع الثمن باهظا أمام الهزيمة العسكرية الغربية في شرق أوكرانيا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك