تظهر احتمالية أن يكون لأي هجوم أمريكي، في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، على إيران تداعيات استراتيجية على دول الخليج العربي، وخاصة بعد التصعيد الأخير الذي شهدته المنطقة في عام 2025. مع تأثيرات الهجمات العسكرية الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية وتكثيف الحملة السياسية والعسكرية الأمريكية، يواجه الشرق الأوسط تحديات جديدة قد تعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي. في هذا السياق، يبرز السؤال حول تأثير هذه التحركات على الأمن الخليجي، وخاصة في ظل الغموض الذي يكتنف استجابة إيران المحتملة وقرار واشنطن بشأن خياراتها العسكرية.
في يونيو 2025، بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية التي استمرت 12 يومًا ضد إيران، التي انضمت إليها الولايات المتحدة بشن غارات جوية على ثلاثة مواقع نووية رئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان، شنت طهران هجومًا صاروخيًا على القاعدة العسكرية الأمريكية في العديد بقطر. وفي ذلك السياق، تساءل إميل حكيم، مدير الأمن الإقليمي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، عن كيفية أن «شعورًا بالخوف وعدم اليقين» سيهيمن على منطقة الخليج العربي «سنوات»، في حين ساد «التفاؤل والنشوة» في واشنطن وتل أبيب.
وفي الأسابيع الأولى من عام 2026 عاد هذا الشعور مع تصاعد التهديدات بين إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب والنظام الإيراني. بعد أن قوبلت الاحتجاجات الواسعة النطاق في طهران بقمع عنيف جديد، أكد ترامب أن لديه «خيارات قوية للغاية» لمهاجمة إيران والقضاء على قدراتها العسكرية. في المقابل، أشار بلال ي. صعب، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس، إلى أن النظام الإيراني «تعهد بالرد على أي ضربة أمريكية» من خلال مهاجمة «القواعد العسكرية الأمريكية وأهداف أخرى في المنطقة».
بناءً على ذلك، يضع هذا التصعيد دولًا أخرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك دول الخليج العربي، مرة أخرى في مرمى نيران مواجهة عنيفة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران. وعلى الرغم من أن إدارة ترامب أمضت النصف الثاني من عام 2025 في محاولة لتعزيز التزاماتها الأمنية مع شركائها الإقليميين، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت احتمالات الرد الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط ستمنع في الوقت الراهن تحقيق طموحات الحكومة الأمريكية بإسقاط النظام في طهران.
منذ انضمامه إلى الهجمات الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025 عبر شن ضربات على المنشآت النووية، واصل ترامب توجيه تهديدات مباشرة إلى قيادة البلاد. وفي أعقاب انتشار الاحتجاجات الجماهيرية في يناير 2026، تصاعدت حدة هذا الخطاب، حيث حث الرئيس الأمريكي المواطنين الإيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي في 13 يناير على «مواصلة الاحتجاج» و«السيطرة على مؤسساتكم»، مؤكدًا لهم أن «المساعدة قادمة»، وهي مزاعم رفض لاحقًا توضيحها.
ورغم أن دان صباغ، محرر الشؤون الدفاعية والأمنية في صحيفة «الغارديان»، أشار إلى أن ترامب «لا يملك خياراتٍ تُذكر، إن لم تكن معدومة، من شأنها أن تُساعد» المتظاهرين الإيرانيين -إذ من المرجح أن تستهدف الهجمات العسكرية الأمريكية المنشآت الدفاعية للنظام وقيادة الحكومة بدلاً من القوات الداخلية- فقد أوضح صباغ كيف أن الرئيس الأمريكي «حصر نفسه» في موقف «يُجبره على الهجوم» لكي «يحافظ على مصداقيته».
وقد تم تأكيد استنتاج بلال صعب بأن هذه التهديدات «يجب أن تؤخذ على محمل الجد» من خلال إلغاء الحكومة الأمريكية محادثات الوساطة المخطط لها مع المسؤولين الإيرانيين، بالإضافة إلى تحذير وزارة الخارجية الأمريكية للمواطنين الأمريكيين بمغادرة إيران على الفور، ما يشير إلى أن موجة جديدة من الهجمات قد تكون قادمة.
إن أي ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران ستكون لها حتمًا تداعيات أمنية كبيرة على بقية دول المنطقة، تمامًا كما كان الحال مع الصراع بين إسرائيل وإيران في عام 2024، وحرب الأيام الاثني عشر المذكورة في يونيو 2025. وفي هذا السياق، استشهد البروفيسور شهرام أكبر زاده، مدير منتدى دراسات الشرق الأوسط بجامعة ديكين في ملبورن، بالهجوم الذي وقع في 3 يناير على فنزويلا كدليل على أن ترامب «يفضل العمليات القصيرة والحاسمة ذات المخاطر الدنيا على القوات الأمريكية».
كما أشارت وسائل الإعلام الغربية إلى أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يكون المصدر المحتمل لأي عمل عسكري ضد إيران، حيث أشار صباغ إلى أنه مع إعادة انتشار حاملات الطائرات الأمريكية التي كانت متمركزة سابقًا في الشرق الأوسط إلى البحر الكاريبي والساحل الغربي للولايات المتحدة، فإن «أي ضربات جوية أو صاروخية» ضد إيران «من المرجح أن تأتي من قواعد جوية أمريكية وحليفة» في المنطقة أو تشملها.
وحتى لو لم تنطلق الهجمات الأمريكية ضد إيران من إحدى قواعدها الموجودة في المنطقة، فقد أفادت رويترز بأن طهران حذرت بالفعل بأنها سترد بهجمات انتقامية على القواعد الأمريكية في المنطقة. وقد عزز هذا التهديد تصريحات أدلى بها علي شمخاني، مستشار خامنئي، الذي كتب على موقع إكس أن الهجوم الإيراني السابق على قاعدة العديد الجوية يجب أن «يخلق فهمًا حقيقيًا» لإرادة النظام وقدرته على الرد على أي هجوم أمريكي بضربات مماثلة.
وكما يحدث دائمًا خلال أي تصعيد ضد إيران، صدرت تحذيرات بشأن احتمال إغلاق مضيق هرمز، وهو إجراء يرى آندي ليبو، رئيس شركة ليبو أويل أسوشيتس، أنه قد «يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط الخام العالمية بمقدار يتراوح بين 10 و20 دولارًا للبرميل». لا تقل خطورة عن ذلك التهديدات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين التي تعتبر مراكز الشحن في المنطقة «أهدافًا مشروعة» للهجمات العسكرية، وكما لم يوضح ترامب طبيعة الهجوم الأمريكي ضد إيران، لم تكشف طهران عن تفاصيل حول من أو ما ستكون أهدافًا للهجمات الانتقامية في البحر.
أما فيما يتعلق بالضمانات الأمنية الأمريكية لدول الخليج العربي، فقد وقعت إدارة ترامب في النصف الثاني من عام 2025 اتفاقيات دفاعية جديدة مع قطر والسعودية. ومع ذلك، فإن رد واشنطن على أي هجوم إيراني على سيادة دول مجلس التعاون الخليجي سيُشكّل المعيار النهائي لالتزامات الولايات المتحدة الأمنية طويلة الأمد. وقد أفاد معهد هدسون في واشنطن بأن طهران لا تزال تمتلك «حوالي 2000 صاروخ باليستي، بما في ذلك أنظمة قصيرة ومتوسطة المدى قادرة على ضرب أهداف إقليمية».
إن الإشارة التي أرسلها الجيش الأمريكي بتقليص عدد أفراده في قاعدة العديد كـ«إجراء احترازي» اتُخذ «استجابةً للتوترات الإقليمية الحالية» تشير إلى أن إيران قد تشن ضربة انتقامية ضد القواعد الأمريكية في الخليج العربي.
في ظل هذه المخاطر، ليس من المستغرب أن تكون الحكومات العربية من بين الدول التي تحث واشنطن على ضبط النفس، على الرغم من أن رد ترامب على التهديدات الإيرانية المضادة، الذي مفاده «إذا فعلوا ذلك، فسوف نضربهم بمستويات لم يسبق لهم أن تعرضوا لها من قبل»، لا يوفر الضمانات الأمنية المطلوبة لدول مجلس التعاون الخليجي.
وإضافةً إلى احتمال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران، يجب أيضًا تأكيد تصعيد البيت الأبيض في عهد ترامب حملة الضغط الاقتصادي، بطريقة ستؤثر على دول أخرى بشكل أعمق. ووفقًا لساب، فإن العديد من أقرب مستشاري ترامب يوصون حاليًا «بالعمل غير العسكري في الوقت الراهن»، وتشمل هذه الأساليب «العمليات الإلكترونية» و«عقوبات اقتصادية أشد»، ولهذا الغرض، هدد الرئيس الأمريكي بفرض تعريفات جمركية جديدة بنسبة 25% على الواردات إلى الاقتصاد الأمريكي من الدول التي تواصل التجارة مع إيران «بأثر فوري».
وأوضح باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي في صحيفة «الغارديان»، أن «العقوبات الأمريكية الثانوية كانت حتى الآن تستهدف الشركات التي تتاجر مع إيران، ثم تسعى لاستخدام الدولار في أي معاملة». إلا أن هذا الإجراء له تداعيات على 140 دولة، وفقًا لوثائق البنك الدولي، لا تزال تتاجر مع طهران، وإن كان ذلك في بعض الحالات بكميات ضئيلة جدًا، كتصدير الأدوية فقط.
ورغم أن الصين -الهدف الأبرز لحملة ترامب للعقوبات الثانوية ضد إيران- تُعد أكبر شريك تجاري لها بفارق كبير، حيث تجاوزت قيمة صادراتهما في العام المنتهي في أكتوبر 2025م 14.5 مليار دولار، تجدر الإشارة إلى أن العراق (10.5 مليارات دولار)، والإمارات العربية المتحدة (7.5 مليارات دولار)، وتركيا (7.3 مليارات دولار) تُعد أيضًا من بين أكبر شركاء إيران التجاريين الخارجيين. ولم تقدم واشنطن حتى الآن أي تفاصيل حول ما إذا كانت بعض الحكومات الشريكة ستُستثنى من أي تعريفات جمركية جديدة أو لا.
كما أن هناك تداعيات اقتصادية دولية أوسع. مع تهديد الصين -التي تُشير بيانات شركة كيبلر، ومقرها لندن، إلى أنها تستحوذ على نحو 77% من صادرات طهران من النفط الخام- بالرد على تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية بإجراءات اقتصادية عقابية مماثلة، قد نشهد جولة أخرى من الإجراءات المالية المتبادلة بين أكبر اقتصادين في العالم.
وفي هذا السياق، أشار جيريمي بوين، المحرر الدولي في بي بي سي، إلى أن ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ قد «اتفقا فعليًا على هدنة في حربهما التجارية الخريف الماضي»، متسائلاً عما إذا كان الزعيم الأمريكي «يريد تعريض» القمة الأمريكية الصينية المقبلة للخطر «لمجرد مواصلة الضغط على إيران؟».
وبغض النظر عن هذا العامل الاقتصادي، فإن نوايا البيت الأبيض في عهد ترامب تجاه إيران تتجه بشكل متزايد نحو خيار عسكري، حيث كتب كل من ألانيا ترين وكيفن ليبتاك من شبكة سي إن إن عن شعور الرئيس الأمريكي «بالإلزام بتنفيذ» تهديداته التي أطلقها على مدى سنوات ضد النظام الإيراني.
وهكذا، على الرغم من أن صانعي السياسات في واشنطن يعلمون جيدًا أن التصعيد العنيف مع إيران سيهدد الأمن الإقليمي ويجلب المزيد من المخاطر المباشرة على السيادة الوطنية لشركاء الولايات المتحدة في الدفاع في الخليج العربي وعبر الشرق الأوسط الأوسع، كما خلص صعب، فإن «الاعتبار الأهم» بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي قد يكون في نهاية المطاف «شخصيًا»، بمعنى آخر كيف «ستؤثر الضربة، سواء نجحت أو فشلت، على التصورات عنه في الداخل والخارج».
ومع استمرار تصاعد التهديدات والتحديات التي تفرضها سياسة إدارة ترامب تجاه إيران، يبقى الوضع في منطقة الخليج العربي معلقًا بين تصعيد عسكري محتمل وضغوط اقتصادية. تترقب دول الخليج تداعيات هذه السياسات في ظل انعدام اليقين الذي يحيط بمستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية.
إن أي تصعيد عسكري قد يجر المنطقة نحو مواجهة أكبر قد تغير مجرى الأحداث في الشرق الأوسط بشكل جذري، وهو ما يترك العديد من الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كان ترامب سيتمكن من تحقيق أهدافه الاستراتيجية من دون دفع المنطقة إلى حافة الحرب الشاملة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك