حين صدر إعلان اكتشاف أثري نادر في موقع «الحلة» جنوب البحرين، لفت انتباهي ما وراء الخبر أكثر من تفاصيله الظاهرة. الاكتشاف تمثّل في قناع خزفي مزخرف يعود إلى أكثر من 3300 عام.
لقد عُثر عليه داخل قبر جماعي يضم امرأتين من حضارة دلمون ورضيعًا. وهو من أندر المكتشفات الأثرية التي عُثر عليها في البحرين حتى اليوم، تفاصيل كهذه تستوقف القارئ، لأنها تتصل بحياة انتهت، وبطريقة وداع اختيرت بعناية.
وأنا أقرأ هذه السطور في الجريدة، انتابني شعور أنني أمام مشهد إنساني متكامل. القناع جزء من هذا المشهد: امرأتان، طفل، ووجه خزفي وُضع ليُرافقهم في رحلتهم الأخيرة. في هذه اللحظة، يتغيّر موقع القناع في الذهن، من كونه قطعة أثرية نادرة إلى كونه رمزًا لطريقة نظر الإنسان الدلموني إلى الموت، وإلى ما بعده.
وجود القناع داخل قبر جماعي يستدعي التوقّف عند معنى الوجه نفسه. لماذا يُختار وجه ليُرافق الموت؟ وما الذي كان يمثّله لمن صنعه ووضعه وودّع به أحبابه؟ الأسئلة هنا أهم من الإجابات، لأنها تكشف عن نظرة الإنسان الدلموني إلى العبور والذاكرة، لا عن وظيفة القناع وحده.
حين نذكر حضارة دلمون، كثيرًا ما نستحضرها كمرحلة تاريخية أو اسمًا في كتب الآثار. هذا الاكتشاف أعادني إلى الإنسان داخل تلك الحضارة. إلى امرأة اهتمت بجسدها، واستخدمت الكحل، وارتدت خواتم من أصداف البحر. إلى تفاصيل يومية مألوفة في بساطتها، رغم المسافة الزمنية الهائلة. الإنسان هنا ليس فكرة مجرّدة، وإنما حياة عاشت، واختارت كيف تُودَّع.
الأشياء التي وُجدت مع القناع، من أدوات خياطة وجرار وأدوات تجميل، تشير إلى أن تفاصيل الحياة لم تغب حتى في لحظة الوداع. الجسد لم يكن مُهمَلًا، والعلاقة بالعالم لم تنقطع عند الموت. هذه التفاصيل الصغيرة، حين تُجمع، ترسم صورة مجتمع يرى في الطقوس امتدادًا للحياة، لا قطيعة معها.
موقع «الحلة» الذي خرج منه هذا الاكتشاف ليس مكانًا بعيدًا عنّا. هو جزء من هذه الجزيرة الجميلة التي نعيش عليها اليوم. نمشي فوق أرض تحمل طبقات من الذاكرة، بعضها ظاهر، وبعضها ينتظر من يكتشفه. فحين نقرأ عن اكتشاف أثري في مكان كهذا، فنحن لا نقرأ عن ماضٍ منتهٍ، وإنما عن ذاكرة مازالت تسكن المكان، وتدعونا إلى التوقّف عندها.
هنا، تتجاوز قيمة الاكتشاف حدود الدراسة الأكاديمية. لتصبح مسألة وعي. كيف ننظر إلى هذه الآثار؟ هل نراها أخبارًا سريعة الزوال، أم شواهد على حكاية طويلة مازلنا جزءًا منها؟ المسؤولية تجاه الآثار لا تبدأ عند الحماية القانونية فقط، وإنما عند الاحترام الداخلي لفكرة أن هذه الأرض ليست صفحة بيضاء، وأن ما نراه اليوم امتداد لتجارب بشرية سبقتنا بقرون.
لا يحتاج القارئ إلى معرفة تقنية عن مادة القناع ليشعر بأهميته. يكفي أن يدرك أن هناك من عاش هنا، أحبّ، وخاف، وودّع، وترك أثرًا لم يكن يقصد به يومًا أن يُعرض، لكنه قَبِل أن يُكتشف، ليقول إن الهوية ليست شعارًا، وإنما تراكم حياة.
حين يخرج وجه من الأرض بعد 3300 عام، فهو لا يطالبنا بالدهشة ولا بالمقارنة، إنما يطلب شيئًا أبسط: أن نتوقف قليلًا، أن نُصغي، وأن نتعامل مع ذاكرتنا بوصفها كائنًا حيًا، لا مادة جامدة. وربما، في هذا الإصغاء الهادئ، نعيد وصل ما انقطع بيننا وبين تاريخ لم يكن يومًا بعيدًا كما نتصور.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك