العدد : ١٧٤٧٢ - الجمعة ٢٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٢ - الجمعة ٢٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

وجه من دلمون.. وما تبقّى من الحكاية

بقلم: نبيلة رجب

الجمعة ٢٣ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬صدر‭ ‬إعلان‭ ‬اكتشاف‭ ‬أثري‭ ‬نادر‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬الحلة‮»‬‭ ‬جنوب‭ ‬البحرين،‭ ‬لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الخبر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تفاصيله‭ ‬الظاهرة‭. ‬الاكتشاف‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬قناع‭ ‬خزفي‭ ‬مزخرف‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬3300‭ ‬عام‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬عُثر‭ ‬عليه‭ ‬داخل‭ ‬قبر‭ ‬جماعي‭ ‬يضم‭ ‬امرأتين‭ ‬من‭ ‬حضارة‭ ‬دلمون‭ ‬ورضيعًا‭. ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أندر‭ ‬المكتشفات‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬عُثر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬تفاصيل‭ ‬كهذه‭ ‬تستوقف‭ ‬القارئ،‭ ‬لأنها‭ ‬تتصل‭ ‬بحياة‭ ‬انتهت،‭ ‬وبطريقة‭ ‬وداع‭ ‬اختيرت‭ ‬بعناية‭.‬

وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬في‭ ‬الجريدة،‭ ‬انتابني‭ ‬شعور‭ ‬أنني‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬إنساني‭ ‬متكامل‭. ‬القناع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭: ‬امرأتان،‭ ‬طفل،‭ ‬ووجه‭ ‬خزفي‭ ‬وُضع‭ ‬ليُرافقهم‭ ‬في‭ ‬رحلتهم‭ ‬الأخيرة‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة،‭ ‬يتغيّر‭ ‬موقع‭ ‬القناع‭ ‬في‭ ‬الذهن،‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬قطعة‭ ‬أثرية‭ ‬نادرة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬رمزًا‭ ‬لطريقة‭ ‬نظر‭ ‬الإنسان‭ ‬الدلموني‭ ‬إلى‭ ‬الموت،‭ ‬وإلى‭ ‬ما‭ ‬بعده‭.‬

وجود‭ ‬القناع‭ ‬داخل‭ ‬قبر‭ ‬جماعي‭ ‬يستدعي‭ ‬التوقّف‭ ‬عند‭ ‬معنى‭ ‬الوجه‭ ‬نفسه‭. ‬لماذا‭ ‬يُختار‭ ‬وجه‭ ‬ليُرافق‭ ‬الموت؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمثّله‭ ‬لمن‭ ‬صنعه‭ ‬ووضعه‭ ‬وودّع‭ ‬به‭ ‬أحبابه؟‭ ‬الأسئلة‭ ‬هنا‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الإجابات،‭ ‬لأنها‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬نظرة‭ ‬الإنسان‭ ‬الدلموني‭ ‬إلى‭ ‬العبور‭ ‬والذاكرة،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬وظيفة‭ ‬القناع‭ ‬وحده‭.‬

حين‭ ‬نذكر‭ ‬حضارة‭ ‬دلمون،‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬نستحضرها‭ ‬كمرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬أو‭ ‬اسمًا‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬الآثار‭. ‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭ ‬أعادني‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬داخل‭ ‬تلك‭ ‬الحضارة‭. ‬إلى‭ ‬امرأة‭ ‬اهتمت‭ ‬بجسدها،‭ ‬واستخدمت‭ ‬الكحل،‭ ‬وارتدت‭ ‬خواتم‭ ‬من‭ ‬أصداف‭ ‬البحر‭. ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومية‭ ‬مألوفة‭ ‬في‭ ‬بساطتها،‭ ‬رغم‭ ‬المسافة‭ ‬الزمنية‭ ‬الهائلة‭. ‬الإنسان‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬فكرة‭ ‬مجرّدة،‭ ‬وإنما‭ ‬حياة‭ ‬عاشت،‭ ‬واختارت‭ ‬كيف‭ ‬تُودَّع‭.‬

الأشياء‭ ‬التي‭ ‬وُجدت‭ ‬مع‭ ‬القناع،‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬خياطة‭ ‬وجرار‭ ‬وأدوات‭ ‬تجميل،‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬لم‭ ‬تغب‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الوداع‭. ‬الجسد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مُهمَلًا،‭ ‬والعلاقة‭ ‬بالعالم‭ ‬لم‭ ‬تنقطع‭ ‬عند‭ ‬الموت‭. ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬حين‭ ‬تُجمع،‭ ‬ترسم‭ ‬صورة‭ ‬مجتمع‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الطقوس‭ ‬امتدادًا‭ ‬للحياة،‭ ‬لا‭ ‬قطيعة‭ ‬معها‭.‬

موقع‭ ‬‮«‬الحلة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬منه‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭ ‬ليس‭ ‬مكانًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عنّا‭. ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬نعيش‭ ‬عليها‭ ‬اليوم‭. ‬نمشي‭ ‬فوق‭ ‬أرض‭ ‬تحمل‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬الذاكرة،‭ ‬بعضها‭ ‬ظاهر،‭ ‬وبعضها‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬يكتشفه‭. ‬فحين‭ ‬نقرأ‭ ‬عن‭ ‬اكتشاف‭ ‬أثري‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬كهذا،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نقرأ‭ ‬عن‭ ‬ماضٍ‭ ‬منتهٍ،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬ذاكرة‭ ‬مازالت‭ ‬تسكن‭ ‬المكان،‭ ‬وتدعونا‭ ‬إلى‭ ‬التوقّف‭ ‬عندها‭.‬

هنا،‭ ‬تتجاوز‭ ‬قيمة‭ ‬الاكتشاف‭ ‬حدود‭ ‬الدراسة‭ ‬الأكاديمية‭. ‬لتصبح‭ ‬مسألة‭ ‬وعي‭. ‬كيف‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الآثار؟‭ ‬هل‭ ‬نراها‭ ‬أخبارًا‭ ‬سريعة‭ ‬الزوال،‭ ‬أم‭ ‬شواهد‭ ‬على‭ ‬حكاية‭ ‬طويلة‭ ‬مازلنا‭ ‬جزءًا‭ ‬منها؟‭ ‬المسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬الآثار‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬عند‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬عند‭ ‬الاحترام‭ ‬الداخلي‭ ‬لفكرة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬ليست‭ ‬صفحة‭ ‬بيضاء،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬امتداد‭ ‬لتجارب‭ ‬بشرية‭ ‬سبقتنا‭ ‬بقرون‭.‬

لا‭ ‬يحتاج‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬تقنية‭ ‬عن‭ ‬مادة‭ ‬القناع‭ ‬ليشعر‭ ‬بأهميته‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬هنا،‭ ‬أحبّ،‭ ‬وخاف،‭ ‬وودّع،‭ ‬وترك‭ ‬أثرًا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬يومًا‭ ‬أن‭ ‬يُعرض،‭ ‬لكنه‭ ‬قَبِل‭ ‬أن‭ ‬يُكتشف،‭ ‬ليقول‭ ‬إن‭ ‬الهوية‭ ‬ليست‭ ‬شعارًا،‭ ‬وإنما‭ ‬تراكم‭ ‬حياة‭.‬

حين‭ ‬يخرج‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬بعد‭ ‬3300‭ ‬عام،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يطالبنا‭ ‬بالدهشة‭ ‬ولا‭ ‬بالمقارنة،‭ ‬إنما‭ ‬يطلب‭ ‬شيئًا‭ ‬أبسط‭: ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬قليلًا،‭ ‬أن‭ ‬نُصغي،‭ ‬وأن‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬ذاكرتنا‭ ‬بوصفها‭ ‬كائنًا‭ ‬حيًا،‭ ‬لا‭ ‬مادة‭ ‬جامدة‭. ‬وربما،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإصغاء‭ ‬الهادئ،‭ ‬نعيد‭ ‬وصل‭ ‬ما‭ ‬انقطع‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬تاريخ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يومًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬كما‭ ‬نتصور‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا