العدد : ١٧٤٦٣ - الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٣ - الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ رجب ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تراجع المساعدات الدولية 2025.. آثار كارثية على الأوضاع الإنسانية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

تواجه‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬الدولية‭ ‬تحديات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تخفيضات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬تمويلها‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬مما‭ ‬يهدد‭ ‬بتفاقم‭ ‬الأوضاع‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭. ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬المساعدات‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬من‭ ‬الجهود‭ ‬العالمية‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬الأزمات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬والمتأثرة‭ ‬بالصراعات‭ ‬والكوارث،‭ ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬اليوم‭ ‬قاتمة‭ ‬للغاية‭. ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬التوقعات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التخفيضات‭ ‬لن‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الأثر‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الملايين،‭ ‬بل‭ ‬ستعيد‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتقدم‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الصحة‭ ‬والتنمية‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الحملة‭ ‬المستمرة‭ ‬لتشويه‭ ‬صورة‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬والتنمويّة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين‭ ‬الشعبويين‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬يُعد‭ ‬الإنفاق‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التنمية‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ووكالاتها‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬إنجازات‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التقدم‭.‬

من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات،‭ ‬الجهود‭ ‬المبذولة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬وعلاج‭ ‬الأمراض‭ ‬والوقاية‭ ‬منها‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬من‭ ‬2002‭ ‬إلى‭ ‬2021،‭ ‬أشار‭ ‬معهد‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬برشلونة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنمائية‭ ‬الرسمية‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬الوطنية‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬معدل‭ ‬الوفيات‭ ‬الإجمالي‭ ‬بنسبة‭ ‬23‭%‬،‭ ‬وفي‭ ‬وفيات‭ ‬الأطفال‭ ‬بنسبة‭ ‬39‭% ‬في‭ ‬93‭ ‬دولة‭ ‬منخفضة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬الدخل‭. ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬الوفيات‭ ‬بسبب‭ ‬نقص‭ ‬التغذية‭ ‬والملاريا‭ ‬انخفاضًا‭ ‬بنسبة‭ ‬56‭%.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭ ‬قد‭ ‬تعرّض‭ ‬لانتكاسة‭ ‬كبيرة،‭ ‬حيث‭ ‬وصف‭ ‬سام‭ ‬فيجرسكي،‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بـ«الركود‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬المساعدات‮»‬‭ ‬في‭ ‬العامين‭ ‬الأخيرين،‭ ‬نتيجة‭ ‬لتقليص‭ ‬حكومات‭ ‬عديدة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لمساهماتها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬تحذير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬سيكون‭ ‬‮«‬أسوأ‭ ‬عام‭ ‬إنساني‭ ‬مسجل‮»‬‭.‬

مع‭ ‬انخفاض‭ ‬الإنفاق‭ ‬الدولي‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬40‭% ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬أصدرت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬تقريرها‭ ‬العالمي‭ ‬حول‭ ‬الوضع‭ ‬الإنساني‭ ‬لعام‭ ‬2026،‭ ‬الذي‭ ‬يطالب‭ ‬بتقديم‭ ‬33‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬لمساعدة‭ ‬87‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬تأثروا‭ ‬بالحروب‭ ‬والمجاعات‭ ‬والكوارث‭ ‬المناخية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ندّد‭ ‬توم‭ ‬فليتشر،‭ ‬وكيل‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للشؤون‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بما‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«الحياة‭ ‬البائسة‭ ‬المتزايدة‮»‬‭ ‬لملايين‭ ‬الأشخاص‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

ومع‭ ‬انضمام‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وألمانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬خفضت‭ ‬مساعداتها‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬توقعت‭ ‬أوليفيا‭ ‬أوسوليفان‭ ‬وجيروم‭ ‬بوري،‭ ‬مديرة‭ ‬وباحثة‭ ‬في‭ ‬تشاتام‭ ‬هاوس،‭ ‬انخفاض‭ ‬التمويل‭ ‬العالمي‭ ‬بمقدار‭ ‬الثلث‭ ‬مقارنة‭ ‬بمستويات‭ ‬2023‭. ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬النزاعات‭ ‬والكوارث‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وآسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬وشرق‭ ‬أوروبا،‭ ‬فإن‭ ‬المساعدة‭ ‬المتاحة‭ ‬ستكون‭ ‬محدودة‭ ‬للغاية‭.‬

على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬حذر‭ ‬معهد‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التخفيضات‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عكس‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬مجالي‭ ‬الصحة‭ ‬والتنمية‮»‬،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬22‭ ‬مليون‭ ‬حالة‭ ‬وفاة‭ ‬إضافية‭ ‬قد‭ ‬تحدث‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2030‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬السياسات‭ ‬الضارة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬5‭.‬4‭ ‬ملايين‭ ‬وفاة‭ ‬لطفل‭ ‬دون‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تراجع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬المساعدات‭ ‬المعلنة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬للأغراض‭ ‬الإنسانية‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تجاوزت‭ ‬الأموال‭ ‬المقدمة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬56‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬انخفضت‭ ‬إلى‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬ربع‭ ‬المبلغ‭ ‬المطلوب،‭ ‬وأقل‭ ‬بنسبة‭ ‬40‭% ‬من‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬‮«‬عاجلًا‭ ‬وذا‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‮»‬‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

يُعد‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬الشخصية‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬فور‭ ‬توليه‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية،‭ ‬وقع‭ ‬ترامب‭ ‬أمرًا‭ ‬تنفيذيًا‭ ‬بتعليق‭ ‬أي‭ ‬التزامات‭ ‬تمويلية‭ ‬إنسانية‭ ‬أمريكية‭ ‬جديدة،‭ ‬كما‭ ‬فرض‭ ‬مراجعة‭ ‬دورية‭ ‬للمساعدات‭ ‬الخارجية‭. ‬وفي‭ ‬العام‭ ‬التالي،‭ ‬تحول‭ ‬الوضع‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬فوضى‭ ‬وارتباك‮»‬‭ ‬وفقًا‭ ‬لوصف‭ ‬فيجرسكي،‭ ‬مع‭ ‬إغلاق‭ ‬وكالة‭ ‬التنمية‭ ‬الدولية‭ ‬الأمريكية‭ ‬وإلغاء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬عقود‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭. ‬نتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬انخفضت‭ ‬مساهمات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬63‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬2024‭ ‬إلى‭ ‬38.4‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬8.1‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬2026‭.‬

عند‭ ‬مقارنة‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬بالمساعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬واشنطن‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬وترامب‭ ‬أنفقت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬33‭.‬77‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬مساعدات‭ ‬عسكرية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أو‭ ‬هجمات‭ ‬أمريكية‭ ‬على‭ ‬خصومها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭. ‬وأحد‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬النفقات‭ ‬كانت‭ ‬حزمة‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2023،‭ ‬والتي‭ ‬بلغت‭ ‬قيمتها‭ ‬6‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

مع‭ ‬تراجع‭ ‬الدور‭ ‬الأمريكي،‭ ‬اختارت‭ ‬دول‭ ‬غربية‭ ‬أخرى‭ ‬عدم‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬هدف‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬إنفاق‭ ‬0‭.‬7‭% ‬من‭ ‬دخلها‭ ‬القومي‭ ‬على‭ ‬المساعدات‭ ‬التنموية،‭ ‬فإن‭ ‬حكومة‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬أعلنت‭ ‬في‭ ‬2025‭ ‬عن‭ ‬تخفيضها‭ ‬إلى‭ ‬0‭.‬3‭% ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬القومي‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2027‭. ‬كما‭ ‬خفضت‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬والسويد‭ ‬وفرنسا‭ ‬إنفاقها‭ ‬على‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بل‭ ‬وزادت‭ ‬من‭ ‬مخصصات‭ ‬الإنفاق‭ ‬الدفاعي‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الكارثة‭ ‬التي‭ ‬سببها‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التخفيضات‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬اتجاه‭ ‬أوسع‭ ‬لتقليص‭ ‬المساعدات‭. ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2022‭ ‬و2025،‭ ‬خفضت‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬المانحة‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬باستثناء‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬مخصصاتها،‭ ‬حيث‭ ‬تصدرت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬القائمة‭ ‬بانخفاض‭ ‬بلغ‭ ‬81‭%‬،‭ ‬تلتها‭ ‬ألمانيا‭ (‬76%‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬السويد‭ (‬38%‭).‬

كما‭ ‬أشار‭ ‬رالف‭ ‬سودوف،‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬العمل‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬برلين،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التضامن‭ ‬والمسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬التنمية‭ ‬الإنسانية‭ ‬قد‭ ‬تلاشيا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬خصوصًا‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬ملء‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬خلفته‭ ‬التخفيضات‭ ‬الأمريكية‭.‬

بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬التخفيضات‭ ‬على‭ ‬ملايين‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬على‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬العاجلة،‭ ‬فإن‭ ‬التوقعات‭ ‬لا‭ ‬تبشر‭ ‬بالخير‭. ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬2025،‭ ‬حذر‭ ‬المقرر‭ ‬الخاص‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬350‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬بينهم‭ ‬200‭ ‬ألف‭ ‬طفل،‭ ‬قد‭ ‬لقوا‭ ‬حتفهم‭ ‬بسبب‭ ‬تقليص‭ ‬المساعدات‭ ‬العالمية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬تدهورًا‭ ‬حادًا‭ ‬كان‭ ‬بنغلاديش،‭ ‬حيث‭ ‬أدى‭ ‬تقليص‭ ‬التمويل‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬تخفيض‭ ‬حصص‭ ‬الغذاء‭ ‬للاجئي‭ ‬الروهينغيا‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭%.‬

وفي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬يعانون‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬لإلغاء‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تراخيص‭ ‬37‭ ‬منظمة‭ ‬غير‭ ‬حكومية‭ ‬آثار‭ ‬مدمرة‭ ‬على‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬على‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬التخفيضات،‭ ‬حذر‭ ‬معهد‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تفكيك‭ ‬الوكالة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للتنمية‭ ‬الدولية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬مليون‭ ‬حالة‭ ‬وفاة‭ ‬يمكن‭ ‬الوقاية‭ ‬منها‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬العقد‭. ‬كما‭ ‬أشارت‭ ‬ليندا‭ ‬روبنسون،‭ ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬المرأة‭ ‬والسياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬والفتيات‭ ‬يعانين‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬متناسب‭ ‬نتيجة‭ ‬لهذه‭ ‬التخفيضات‭.‬

أخيرًا،‭ ‬وبحسب‭ ‬توم‭ ‬فليتشر،‭ ‬فقد‭ ‬أنفقت‭ ‬الحكومات‭ ‬العالمية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2.7‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬بينما‭ ‬طلبت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬1‭% ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المبلغ‭ ‬لمحاولة‭ ‬معالجة‭ ‬الأزمات‭ ‬الإنسانية‭. ‬ورغم‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬فإن‭ ‬مواقف‭ ‬الحكومات‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬أي‭ ‬علامات‭ ‬على‭ ‬التغيير،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭.‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬التخفيضات‭ ‬في‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬رغم‭ ‬الظروف‭ ‬العالمية‭ ‬المعقدة،‭ ‬يهدد‭ ‬بإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الدوامة‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬والفقر‭. ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬قد‭ ‬نرى‭ ‬انهيارًا‭ ‬في‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬الصحية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تبعات‭ ‬خطيرة‭ ‬قد‭ ‬يصعب‭ ‬معالجتها‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬الوضع‭ ‬الآن‭ ‬تحركًا‭ ‬عاجلًا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لملء‭ ‬الفراغ‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التخفيضات،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬لضمان‭ ‬استدامة‭ ‬الدعم‭ ‬لملايين‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬على‭ ‬المساعدات‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا