تواجه المساعدات الإنسانية الدولية تحديات غير مسبوقة في ظل تخفيضات حادة في تمويلها منذ عام 2025، مما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في السنوات القادمة. في وقت كانت فيه المساعدات جزءًا أساسيًا من الجهود العالمية للتخفيف من وطأة الأزمات في الدول الفقيرة والمتأثرة بالصراعات والكوارث، تبدو الصورة اليوم قاتمة للغاية. إذ تشير التوقعات إلى أن هذه التخفيضات لن تقتصر على الأثر المباشر على حياة الملايين، بل ستعيد عقارب الساعة إلى الوراء فيما يتعلق بالتقدم الذي تحقق في مجالات الصحة والتنمية.
على الرغم من الحملة المستمرة لتشويه صورة المساعدات الإنسانية والتنمويّة من قبل بعض السياسيين الشعبويين في نصف الكرة الغربي في العقود الأخيرة، يُعد الإنفاق الدولي في مجالات التنمية والرعاية الصحية تحت مظلة الأمم المتحدة ووكالاتها أحد أبرز إنجازات المجتمع الدولي في القرن الماضي، رغم أنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من التقدم.
من أبرز هذه الإنجازات، الجهود المبذولة في مجالات الرعاية الصحية، وعلاج الأمراض والوقاية منها. فعلى سبيل المثال، من 2002 إلى 2021، أشار معهد الصحة العالمية في برشلونة إلى أن زيادة المساعدات الإنمائية الرسمية من الحكومات الوطنية أسهمت في تقليص معدل الوفيات الإجمالي بنسبة 23%، وفي وفيات الأطفال بنسبة 39% في 93 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل. كما شهدت الوفيات بسبب نقص التغذية والملاريا انخفاضًا بنسبة 56%.
إلا أن هذا التقدم قد تعرّض لانتكاسة كبيرة، حيث وصف سام فيجرسكي، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، ما حدث بـ«الركود الكبير في المساعدات» في العامين الأخيرين، نتيجة لتقليص حكومات عديدة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لمساهماتها بشكل كبير. وقد أدى هذا إلى تحذير من أن عام 2025 سيكون «أسوأ عام إنساني مسجل».
مع انخفاض الإنفاق الدولي بنسبة تقارب 40% منذ عام 2024، أصدرت الأمم المتحدة تقريرها العالمي حول الوضع الإنساني لعام 2026، الذي يطالب بتقديم 33 مليار دولار لمساعدة 87 مليون شخص تأثروا بالحروب والمجاعات والكوارث المناخية. وفي هذا السياق، ندّد توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، بما وصفه بـ«الحياة البائسة المتزايدة» لملايين الأشخاص على الأرض.
ومع انضمام المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا إلى مجموعة الدول التي خفضت مساعداتها الإنسانية في عام 2026، توقعت أوليفيا أوسوليفان وجيروم بوري، مديرة وباحثة في تشاتام هاوس، انخفاض التمويل العالمي بمقدار الثلث مقارنة بمستويات 2023. وبالنظر إلى استمرار النزاعات والكوارث في مناطق مثل الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وشرق أوروبا، فإن المساعدة المتاحة ستكون محدودة للغاية.
على المدى الطويل، حذر معهد الصحة العالمية من أن هذه التخفيضات ستؤدي إلى «عكس عقود من التقدم في مجالي الصحة والتنمية»، مشيرًا إلى أن أكثر من 22 مليون حالة وفاة إضافية قد تحدث بحلول عام 2030 إذا استمرت السياسات الضارة، بما في ذلك 5.4 ملايين وفاة لطفل دون سن الخامسة.
في عام 2025، كان هناك تراجع حاد في المساعدات المعلنة من الدول الغربية للأغراض الإنسانية. ففي حين تجاوزت الأموال المقدمة للأمم المتحدة 56 مليار دولار في عام 2023، انخفضت إلى 12 مليار دولار فقط في 2025، وهو ما يشكل ربع المبلغ المطلوب، وأقل بنسبة 40% من المبلغ الذي يعد «عاجلًا وذا أولوية قصوى» من قبل الأمم المتحدة.
يُعد دونالد ترامب الشخصية الأكثر تأثيرًا في هذا المجال. فور توليه ولايته الثانية، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا بتعليق أي التزامات تمويلية إنسانية أمريكية جديدة، كما فرض مراجعة دورية للمساعدات الخارجية. وفي العام التالي، تحول الوضع إلى «فوضى وارتباك» وفقًا لوصف فيجرسكي، مع إغلاق وكالة التنمية الدولية الأمريكية وإلغاء أكثر من 80% من عقود المساعدات الخارجية. نتيجة لذلك، انخفضت مساهمات الولايات المتحدة في المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة من أكثر من 63 مليار دولار في 2024 إلى 38.4 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 8.1 مليارات دولار فقط في 2026.
عند مقارنة هذه الأرقام بالمساعدات العسكرية التي قدمتها واشنطن لإسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين، نجد أن إدارة بايدن وترامب أنفقت أكثر من 33.77 مليار دولار على مساعدات عسكرية لإسرائيل أو هجمات أمريكية على خصومها في الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023. وأحد أبرز هذه النفقات كانت حزمة الأسلحة الأخيرة التي قدمتها إدارة ترامب في سبتمبر 2023، والتي بلغت قيمتها 6.4 مليار دولار.
مع تراجع الدور الأمريكي، اختارت دول غربية أخرى عدم اتخاذ خطوات أكثر فاعلية. على سبيل المثال، رغم أن المملكة المتحدة كانت من الدول القليلة التي حققت هدف الأمم المتحدة في إنفاق 0.7% من دخلها القومي على المساعدات التنموية، فإن حكومة حزب العمال تحت قيادة كير ستارمر أعلنت في 2025 عن تخفيضها إلى 0.3% من الدخل القومي ابتداءً من عام 2027. كما خفضت دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا والسويد وفرنسا إنفاقها على المساعدات الإنسانية، بل وزادت من مخصصات الإنفاق الدفاعي.
على الرغم من الكارثة التي سببها عام 2025، فإن هذه التخفيضات تتماشى مع اتجاه أوسع لتقليص المساعدات. بين عامي 2022 و2025، خفضت جميع الدول الكبرى المانحة المساعدات الإنسانية، باستثناء المفوضية الأوروبية والمملكة المتحدة، مخصصاتها، حيث تصدرت الولايات المتحدة القائمة بانخفاض بلغ 81%، تلتها ألمانيا (76%)، ثم السويد (38%).
كما أشار رالف سودوف، مدير مركز العمل الإنساني في برلين، إلى أن التضامن والمسؤولية تجاه التنمية الإنسانية قد تلاشيا على مستوى العالم، خصوصًا من الحكومات الأوروبية التي فشلت في ملء الفراغ الذي خلفته التخفيضات الأمريكية.
بالنظر إلى آثار هذه التخفيضات على ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية العاجلة، فإن التوقعات لا تبشر بالخير. في يوليو 2025، حذر المقرر الخاص للأمم المتحدة من أن أكثر من 350 ألف شخص، بينهم 200 ألف طفل، قد لقوا حتفهم بسبب تقليص المساعدات العالمية. ومن بين المناطق التي شهدت تدهورًا حادًا كان بنغلاديش، حيث أدى تقليص التمويل الأمريكي إلى تخفيض حصص الغذاء للاجئي الروهينغيا بنسبة 50%.
وفي الشرق الأوسط، ما زال الفلسطينيون يعانون في غزة والضفة الغربية المحتلة، حيث كان لإلغاء الحكومة الإسرائيلية تراخيص 37 منظمة غير حكومية آثار مدمرة على أولئك الذين يعتمدون على المساعدات الخارجية.
وفي ظل هذه التخفيضات، حذر معهد الصحة العالمية من أن تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد يؤدي إلى 14 مليون حالة وفاة يمكن الوقاية منها بحلول نهاية العقد. كما أشارت ليندا روبنسون، الباحثة في شؤون المرأة والسياسة الخارجية، إلى أن النساء والفتيات يعانين بشكل غير متناسب نتيجة لهذه التخفيضات.
أخيرًا، وبحسب توم فليتشر، فقد أنفقت الحكومات العالمية أكثر من 2.7 تريليون دولار على الدفاع في عام 2025، بينما طلبت الأمم المتحدة فقط ما يعادل 1% من ذلك المبلغ لمحاولة معالجة الأزمات الإنسانية. ورغم هذه الفجوة الكبيرة، فإن مواقف الحكومات لا تظهر أي علامات على التغيير، ما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية بشكل أكبر.
إن استمرار هذه التخفيضات في المساعدات الإنسانية، رغم الظروف العالمية المعقدة، يهدد بإعادة إنتاج الدوامة من المعاناة والفقر. إذا استمر هذا التوجه، قد نرى انهيارًا في البنى التحتية الصحية والاجتماعية في عديد من الدول النامية، وهو ما سيؤدي إلى تبعات خطيرة قد يصعب معالجتها في المستقبل. إذ يتطلب الوضع الآن تحركًا عاجلًا ليس فقط لملء الفراغ الناجم عن هذه التخفيضات، بل أيضًا لضمان استدامة الدعم لملايين الأشخاص الذين يعتمدون على المساعدات في البقاء على قيد الحياة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك