العدد : ١٧٥١٢ - الأربعاء ٠٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٢ - الأربعاء ٠٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

العرب ومخططات إعادة تشكيل الشرق الأوسط!

بقلم: د. عبد المنعم سعيد

الأحد ٠١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬هناك‭ ‬مفهومان‭ ‬مترابطان‭ ‬بزغا‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬خلال‭ ‬الشهور‭ ‬الماضية‭ ‬هما‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬،‭ ‬وإقامة‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭. ‬النطق‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬‮«‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‮»‬‭ ‬مباشرة‭ ‬وجرى‭ ‬العزف‭ ‬عليهما‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬منه‭ ‬ومن‭ ‬أعضاء‭ ‬حكومته‭ ‬ومن‭ ‬جوقة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬داخل‭ ‬وخارج‭ ‬إسرائيل‭.‬

إن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإعلانات‭ ‬ليست‭ ‬للدعاية‭ ‬أو‭ ‬الضغط،‭ ‬هي‭ ‬أهداف‭ ‬استراتيجية‭ ‬تعني‭ ‬حشدا‭ ‬هائلا‭ ‬للإمكانيات‭ ‬والقدرات‭ ‬التي‭ ‬تحققها‭ ‬عبر‭ ‬فترة‭ ‬أو‭ ‬فترات‭ ‬زمنية؛‭ ‬المهم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬لا‭ ‬تراجع‭ ‬ولا‭ ‬نكوص‭. ‬إن‭ ‬إنشاء‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬ذاتها‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬اليهودية‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬هرتزل‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬بازل‭ ‬1897؛‭ ‬وبعدها‭ ‬جاءت‭ ‬الدولة‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬المعارك‭ ‬الحالية‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬توجد‭ ‬إشارات‭ ‬كثيرة‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬مبكر‭ ‬للحرب‭ ‬والاستيطان‭ ‬واستغلال‭ ‬ظروف‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬ملائمة‭ ‬لتحويل‭ ‬مفهوم‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭. ‬الصورة‭ ‬الصغرى‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬‮«‬البيجر‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أطاحت‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬بألفي‭ ‬قيادة‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬اللبناني‭ ‬والتي‭ ‬جرى‭ ‬الإعداد‭ ‬لها‭ ‬عبر‭ ‬شهور‭ ‬وسنوات‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬المسألة‭ ‬الكبرى‭ ‬هي‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السلام‭ ‬أو‭ ‬التطبيع‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قيادة‭ ‬الإقليم‭ ‬كله‭ ‬بعد‭ ‬تقليم‭ ‬كل‭ ‬الأظافر‭ ‬التي‭ ‬تعوق‭ ‬هذه‭ ‬المهمة؛‭ ‬مع‭ ‬الاستفادة‭ ‬القصوى‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬زيارة‭ ‬‮«‬نتنياهو‮»‬‭ ‬لواشنطن‭ ‬الأخيرة‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬بالخلاص‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الإقليمية‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬جرى‭ ‬الإعداد‭ ‬لها‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬عسكرية‭ ‬واستخبارية‭. ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لمفاوضات‭ ‬نووية‭ ‬وإنما‭ ‬لقطع‭ ‬الرأس‭ ‬الإيرانية‭ ‬عبر‭ ‬الإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬حكم‭ ‬‮«‬الملالى‮»‬‭ ‬كله‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لإجهاض‭ ‬اللحظة‭ ‬‮«‬الجهادية‮»‬‭ ‬وإنما‭ ‬لخلق‭ ‬الردع‭ ‬لدى‭ ‬الأطراف‭ ‬الإقليمية‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ولن‭ ‬تقبل‭ ‬القيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المزعومة‭ ‬للإقليم‭.‬

‭ ‬كذلك‭ ‬فإن‭ ‬زيارة‭ ‬نتنياهو‭ ‬لواشنطن‭ ‬جرت‭ ‬بينما‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬النقطة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬وثيقة‭ ‬‮«‬شرم‭ ‬الشيخ‮»‬‭ ‬للسلام‭ ‬متعثرة‭ ‬لأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تتلكأ‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬عبر‭ ‬سلسلة‭ ‬وقائع‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬غير‭ ‬الممكنة‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬سوف‭ ‬تشكل‭ ‬غطاء‭ ‬لابتلاع‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬مهدت‭ ‬له‭ ‬إسرائيل‭ ‬والاستيطان‭ ‬والعدوان‭ ‬المباشر‭ ‬والاحتجاج‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الضفة‭ ‬الغربية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مشهد‭ ‬جغرافي‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬‮«‬يهودا‭ ‬والسامرة‮»‬‭ ‬المذكور‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العبرية‭.‬

إن‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الإقليم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬هو‭ ‬منح‭ ‬‮«‬يهودية‮»‬‭ ‬الدولة‭ ‬عمقا‭ ‬ثقافيا؛‭ ‬بينما‭ ‬يكون‭ ‬التمهيد‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬ووضعها‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬السلام‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬غلالة‭ ‬التبعية؛‭ ‬وتجنيد‭ ‬الدروز‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬وهم‭ ‬المنتشرون‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬الشامي‭.‬

إن‭ ‬الظروف‭ ‬للأسف‭ ‬مواتية‭ ‬للحركة‭ ‬الإسرائيلية؛‭ ‬وعلى‭ ‬الجبهة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فإن‭ ‬موقف‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬الرافض‭ ‬لضم‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬المشقة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬ابتغاء‭ ‬لجائزة‭ ‬نوبل‭ ‬حيث‭ ‬أعطته‭ ‬إسرائيل‭ ‬بديلا‭ ‬لها‭.‬

‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬استخدام‭ ‬القانون‭ ‬الأساسي‭ ‬للصراع‭ ‬العربي‭ ‬والفلسطيني‭ - ‬الإسرائيلي‭ ‬هو‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬وتحقيق‭ ‬الحقائق‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬تم‭ ‬بمهارة‭ ‬شديدة‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فضت‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬حماس‭ ‬بكارة‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لتحقيق‭ ‬الانقسام‭ ‬في‭ ‬الجبهة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إشعال‭ ‬الانقسام‭ ‬داخل‭ ‬غزة‭ ‬ثم‭ ‬داخل‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬والآن‭ ‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬داخل‭ ‬كلاهما‭ ‬لكى‭ ‬يذهب‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الله‭ ‬الواسعة‭. ‬الحلقة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬دائما‭ ‬هي‭ ‬انتهاز‭ ‬الفرص‭ ‬التاريخية،‭ ‬وكان‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬لديهم‭ ‬القدرة‭ ‬العميقة‭ ‬على‭ ‬الانقسام‭ ‬لعائلات‭ ‬ومدن‭ ‬وقبائل‭. ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬عمومه‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الانقسامات‭ ‬العرقية‭ ‬والدينية‭ ‬والمذهبية‭ ‬ما‭ ‬يغري‭ ‬التوجه‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الإقليم‭ ‬مغرية‭ ‬وواعدة‭.‬

إن‭ ‬نتنياهو‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬ورائه‭ ‬شمروا‭ ‬عن‭ ‬سواعدهم‭ ‬لتغيير‭ ‬الحقائق‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬الاستعانة‭ ‬بواشنطن‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬بها‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ستوقف‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابا‭ ‬للسلام‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ولكن‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬ناحيتها‭ ‬مستعدة‭ ‬دائما‭ ‬للمواجهة‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬يوما‭ ‬فتكون‭ ‬شريكة‭ ‬وفاعلة‭ ‬ولديها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬الزمن‭. ‬الكرة‭ ‬الآن‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬حيث‭ ‬آثار‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬باقية‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬حروب‭ ‬محلية،‭ ‬وتوجهات‭ ‬انقسامية‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬الحلفاء‭ ‬بحكم‭ ‬الطبيعة‭ ‬الجغرافية‭ ‬والتاريخ‭ ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬مؤخرا‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬اليمنية‭ ‬والأخرى‭ ‬السودانية‭.‬

كذلك‭ ‬فإن‭ ‬سوريا‭ ‬واليمن‭ ‬وليبيا‭ ‬تتأرجح‭ ‬داخل‭ ‬حروب‭ ‬أهلية‭ ‬بينما‭ ‬العراق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬عاصية‭ ‬على‭ ‬الترتيبات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬وضعتها‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الاحتلال‭. ‬ولكن،‭ ‬ولحسن‭ ‬الحظ،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬إدراكا‭ ‬كبيرا‭ ‬لمخاطر‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬مصر‭ ‬وشركائها‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬وقف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬عند‭ ‬حدها‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بالحديث‭ ‬المباشر‭ ‬لإسرائيل‭ ‬وشعبها‭ ‬أو‭ ‬باستخدام‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬بقيادة‭ ‬ترامب‭ ‬لترجمة‭ ‬الموقف‭ ‬الإيجابي‭ ‬لترامب‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬والقطاع‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭. ‬ونرى‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬ما‭ ‬يناسب‭ ‬مفاهيمها‭ ‬المشار‭ ‬إليها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬جل‭ ‬أنشطتها‭ ‬سوف‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬استغلال‭ ‬الزمن،‭ ‬ومنع‭ ‬وجود‭ ‬جبهة‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭ ‬لوقف‭ ‬التوغل‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭.‬

‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬منع‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬مآربها‭ ‬هي‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا