لم تكن مشاركتي في «دبلوم الدراسات العليا المشترك في التعايش» بحثًا عن معرفة نظرية إضافية بقدر ما كانت سعيًا إلى إعادة التفكير في مفاهيم اعتدنا تداولها بوصفها مسلّمات: السلام، التعايش، الحوار، ودور الثقافة في عالم يتغيَّر بوتيرة متسارعة. وقد جاء البرنامج – الذي ينفِّذه مركز الملك حمد للتعايش والتسامح بالتعاون مع جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة ومؤسسة جُويا للتعليم العالي بمالطا – ليبرهن أن هذه المفاهيم، رغم حضورها المكثّف في الخطاب العام، تحتاج إلى مراجعة أعمق تُعيد وصلها بالواقع، لا أن تبقيها في إطار الشعارات.
قدّم الدبلوم، من خلال مقاربته المتعددة التخصصات، مساحة فكرية غنية جمعت بين القانون الدولي، الدبلوماسية، حقوق الإنسان، الاقتصاد، والثقافة، ما أتاح فهماً أكثر تكاملاً لتعقيدات التعايش السلمي في السياق العالمي الراهن. الأهم من ذلك أن التجربة لم تُختزل في محتوى أكاديمي، بل فتحت نقاشات حقيقية حول مسؤولية الأفراد والمؤسسات في تحويل القيم إلى ممارسة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التجربة عن الدور المحوري لمركز الملك حمد للتعايش والتسامح، الذي مثّل الإطار القيمي والفكري لهذا البرنامج. فقد عكس الدبلوم رؤية بحرينية واضحة ترى في التعايش مشروعًا معرفيًا طويل الأمد، لا مبادرة ظرفية، يقوم على بناء الإنسان قبل الخطاب، وعلى الاستثمار في التعليم والتأهيل بوصفهما أساسًا للاستدامة. لقد كان لافتًا كيف انتقلت مفاهيم التعايش من كونها مبادئ أخلاقية عامة إلى أدوات تحليل وممارسة قابلة للتطبيق في مجالات متعددة، من العمل الدبلوماسي إلى الفعل الثقافي.
أحد أهم التحولات التي أتاحها الدبلوم هو إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها فاعلًا أساسيًا في بناء السلام. فالثقافة ليست ترفًا مكمّلًا للسياسات، بل فضاء تتشكل فيه الصور الذهنية عن الآخر، وتُبنى من خلاله سرديات الهوية والانتماء. وقد أظهرت النقاشات أن كثيرًا من النزاعات لا تبدأ من اختلاف المصالح بقدر ما تتغذى على سوء الفهم الثقافي، وعلى غياب المساحات التي تسمح بالاعتراف المتبادل.
من منظور عملي، أسهمت هذه التجربة في تعميق الوعي بدور العاملين في الشأن الثقافي، ليس فقط كمنظمين للفعاليات أو حُماة للتراث، بل كوسطاء في صناعة المعنى وبناء الجسور. فالمثقف، وصانع السياسات الثقافية، والممارس في هذا الحقل، جميعهم معنيون اليوم بطرح أسئلة جديدة: كيف يمكن للثقافة أن تسهم في الوقاية من النزاعات؟ وكيف ننتقل من إدارة الاختلاف إلى تحويله إلى مصدر إثراء؟
على المستوى الشخصي، غيَّر الدبلوم طريقة مقاربتي للعديد من القضايا. لم يعد التعايش مفهومًا يُقاس بغياب الصراع فقط، بل عملية مستمرة تتطلب شجاعة الاعتراف بالآخر، وقدرة الاستماع، واستعدادًا لمراجعة الذات. كما عزّز القناعة بأن العمل الثقافي، حين يُؤطّر برؤية واضحة، قادر على أن يكون جزءًا من الحلول الكبرى، لا مجرد نشاط موازٍ لها.
في زمن تتزايد فيه الاستقطابات، وتُختبر فيه القيم الإنسانية على نحو غير مسبوق، تبرز أهمية مثل هذه البرامج التي تربط المعرفة بالفعل، وتُعيد للثقافة مكانتها كقوة ناعمة فاعلة في بناء السلام. فالتعايش السلمي لا يُدرّس فقط، بل يُمارس، ويُبنى خطوةً خطوة، عبر وعيٍ نقدي، ومؤسساتٍ تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الآمن نحو مستقبل أكثر استقرارًا. كما تجسده رؤية البحرين من خلال مركز الملك حمد للتعايش والتسامح.
{ باحثة في السياسات الثقافية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك