العدد : ١٧٤٦٣ - الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٣ - الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ رجب ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

التعايش رؤية تصنع في البحرين.. قراءة في تجربة مركز الملك حمد

بقلم: عائشة يوسف السادة

الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تكن‭ ‬مشاركتي‭ ‬في‭ ‬‮«‬دبلوم‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬التعايش‮»‬‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬نظرية‭ ‬إضافية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬سعيًا‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مفاهيم‭ ‬اعتدنا‭ ‬تداولها‭ ‬بوصفها‭ ‬مسلّمات‭: ‬السلام،‭ ‬التعايش،‭ ‬الحوار،‭ ‬ودور‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتغيَّر‭ ‬بوتيرة‭ ‬متسارعة‭. ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬البرنامج‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬ينفِّذه‭ ‬مركز‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬جامعة‭ ‬السلام‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومؤسسة‭ ‬جُويا‭ ‬للتعليم‭ ‬العالي‭ ‬بمالطا‭ ‬–‭ ‬ليبرهن‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم،‭ ‬رغم‭ ‬حضورها‭ ‬المكثّف‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬العام،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬أعمق‭ ‬تُعيد‭ ‬وصلها‭ ‬بالواقع،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تبقيها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الشعارات‭.‬

قدّم‭ ‬الدبلوم،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقاربته‭ ‬المتعددة‭ ‬التخصصات،‭ ‬مساحة‭ ‬فكرية‭ ‬غنية‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬والثقافة،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬فهماً‭ ‬أكثر‭ ‬تكاملاً‭ ‬لتعقيدات‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬العالمي‭ ‬الراهن‭. ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬لم‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬محتوى‭ ‬أكاديمي،‭ ‬بل‭ ‬فتحت‭ ‬نقاشات‭ ‬حقيقية‭ ‬حول‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬القيم‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬التجربة‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬لمركز‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح،‭ ‬الذي‭ ‬مثّل‭ ‬الإطار‭ ‬القيمي‭ ‬والفكري‭ ‬لهذا‭ ‬البرنامج‭. ‬فقد‭ ‬عكس‭ ‬الدبلوم‭ ‬رؤية‭ ‬بحرينية‭ ‬واضحة‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬التعايش‭ ‬مشروعًا‭ ‬معرفيًا‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬لا‭ ‬مبادرة‭ ‬ظرفية،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬الخطاب،‭ ‬وعلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والتأهيل‭ ‬بوصفهما‭ ‬أساسًا‭ ‬للاستدامة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬لافتًا‭ ‬كيف‭ ‬انتقلت‭ ‬مفاهيم‭ ‬التعايش‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬مبادئ‭ ‬أخلاقية‭ ‬عامة‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تحليل‭ ‬وممارسة‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬الثقافي‭.‬

أحد‭ ‬أهم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬أتاحها‭ ‬الدبلوم‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للثقافة‭ ‬بوصفها‭ ‬فاعلًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬السلام‭. ‬فالثقافة‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا‭ ‬مكمّلًا‭ ‬للسياسات،‭ ‬بل‭ ‬فضاء‭ ‬تتشكل‭ ‬فيه‭ ‬الصور‭ ‬الذهنية‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬وتُبنى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬سرديات‭ ‬الهوية‭ ‬والانتماء‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬النقاشات‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬المصالح‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تتغذى‭ ‬على‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬الثقافي،‭ ‬وعلى‭ ‬غياب‭ ‬المساحات‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بالاعتراف‭ ‬المتبادل‭.‬

من‭ ‬منظور‭ ‬عملي،‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الوعي‭ ‬بدور‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الثقافي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كمنظمين‭ ‬للفعاليات‭ ‬أو‭ ‬حُماة‭ ‬للتراث،‭ ‬بل‭ ‬كوسطاء‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المعنى‭ ‬وبناء‭ ‬الجسور‭. ‬فالمثقف،‭ ‬وصانع‭ ‬السياسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬والممارس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحقل،‭ ‬جميعهم‭ ‬معنيون‭ ‬اليوم‭ ‬بطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جديدة‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للثقافة‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬النزاعات؟‭ ‬وكيف‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الاختلاف‭ ‬إلى‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬إثراء؟

على‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي،‭ ‬غيَّر‭ ‬الدبلوم‭ ‬طريقة‭ ‬مقاربتي‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التعايش‭ ‬مفهومًا‭ ‬يُقاس‭ ‬بغياب‭ ‬الصراع‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬مستمرة‭ ‬تتطلب‭ ‬شجاعة‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالآخر،‭ ‬وقدرة‭ ‬الاستماع،‭ ‬واستعدادًا‭ ‬لمراجعة‭ ‬الذات‭. ‬كما‭ ‬عزّز‭ ‬القناعة‭ ‬بأن‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي،‭ ‬حين‭ ‬يُؤطّر‭ ‬برؤية‭ ‬واضحة،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحلول‭ ‬الكبرى،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬موازٍ‭ ‬لها‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬الاستقطابات،‭ ‬وتُختبر‭ ‬فيه‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬المعرفة‭ ‬بالفعل،‭ ‬وتُعيد‭ ‬للثقافة‭ ‬مكانتها‭ ‬كقوة‭ ‬ناعمة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬السلام‭. ‬فالتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬لا‭ ‬يُدرّس‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يُمارس،‭ ‬ويُبنى‭ ‬خطوةً‭ ‬خطوة،‭ ‬عبر‭ ‬وعيٍ‭ ‬نقدي،‭ ‬ومؤسساتٍ‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الآمن‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭.  ‬كما‭ ‬تجسده‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مركز‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح‭.‬

 

{ باحثة‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الثقافية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا