العدد : ١٧٤٦٢ - الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٢ - الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المسلمون يصرخون: ويل للمطففين!

بقلم: عبدالرحمن بن الفلاح

الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

المسلمون‭: ‬يستغيثون‭: ‬‮«‬ويل‭ ‬للمطففين‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬المطففين‭.‬

يقول‭ ‬الإمام‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬متولي‭ ‬الشعراوي‭ ‬في‭ ‬تفسيره‭ ‬لهذه‭ ‬الآية‭ ‬الجليلة‭: ‬‮«‬ويل‭ ‬للمطففين‮»‬‭ (‬1‭) ‬الذين‭ ‬إذا‭ ‬اكتالوا‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬يستوفون‭ (‬2‭) ‬وإذا‭ ‬كالوهم‭ ‬أو‭ ‬وزنوهم‭ ‬يخسرون‭ (‬سورة‭ ‬المطففين‭).‬

إن‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العقيدة‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أمر‭ ‬سلوكي‭ ‬ينظم‭ ‬تعامل‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬البيع‭ ‬والشراء،‭ ‬هذا‭ ‬الانتقال‭ ‬إنما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬السور‭ ‬المدنية،‭ ‬ويعني‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬ينظم‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬الحق‭ ‬والعدل،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬صار‭ ‬الإسلام‭ ‬نظامًا‭ ‬شاملاً‭ ‬للحياة‭.‬

أما‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬سورة‭ ‬مكية‭ ‬فهذا‭ ‬أمر‭ ‬عجيب،‭ ‬يستلزم‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬حينما‭ ‬يشحن‭ ‬النفوس،‭ ‬هذه‭ ‬الشحنة‭ ‬الإيمانية‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬الإيمان‭ ‬واليقين‭ ‬باليوم‭ ‬الآخر،‭ ‬أراد‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬أن‭ ‬يلفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العقائد‭ ‬ليست‭ ‬مطلوبة‭ ‬لذاتها‭ ‬وليس‭ ‬الإقرار‭ ‬باللسان‭ ‬بهذه‭ ‬العقيدة‭ ‬مطلوبا‭ ‬لذاته،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬غايتها‭ ‬وإعلاؤها‭ ‬أي‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬بشهادة‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭ ‬وأن‭ ‬محمدًا‭ ‬رسول‭ ‬الله،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬وسيلة‭ ‬لغاية،‭ ‬تلك‭ ‬الغاية‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬ينظم‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬سياسة‭ ‬البشر‭ ‬وحركة‭ ‬حياتهم‭. ‬‮«‬تفسير‭ ‬الشيخ‭ ‬الشعراوي‮»‬‭ ‬ص‭ / ‬223‭.‬

إذا‭ ‬فالعقيدة‭ ‬والنطق‭ ‬بالشهادتين،‭ ‬بل‭ ‬والإسلام‭ ‬كله‭ ‬إنما‭ ‬جاء‭ ‬ليكون‭ ‬نظامًا‭ ‬يسوس‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬وينظم‭ ‬حركتها‭. ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬التطفيف‭ ‬في‭ ‬الكيل‭ ‬والميزان‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬إخلال‭ ‬بالموازين‭ ‬التي‭ ‬تعهد‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬بحمايتها‭ ‬وصيانتها،‭ ‬فقال‭ ‬تعالى‭: (‬والسماء‭ ‬رفعها‭ ‬ووضع‭ ‬الميزان‭ (‬7‭) ‬ألا‭ ‬تطغوا‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ (‬8‭) ‬وأقيموا‭ ‬الوزن‭ ‬بالقسط‭ ‬ولا‭ ‬تخسروا‭ ‬الميزان‭ (‬9‭)) ‬سورة‭ ‬الرحمن‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬إقامة‭ ‬العدل‭ ‬بالقسط‭ ‬أمرًا‭ ‬لازمًا‭ ‬لاستقامة‭ ‬السماوات‭ ‬والأرض،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭ ‬مدد‭ ‬الله‭ ‬به‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬بالكيل‭ ‬باستقامة‭ ‬أموال‭ ‬الناس‭ ‬وحقوقهم‭ ‬التي‭ ‬حرم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬حتى‭ ‬الاقتراب‭ ‬منها،‭ ‬فقال‭ ‬سبحانه‭: (‬ولا‭ ‬تقربوا‭ ‬مال‭ ‬اليتيم‭ ‬إلا‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن‭ ‬حتى‭ ‬يبلغ‭ ‬أشده‭) ‬الأنعام‭ / ‬152‭.‬

ولقد‭ ‬أخذ‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬العهد‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬بألا‭ ‬يقرب‭ ‬مال‭ ‬الناس،‭ ‬قال‭: ‬‮«‬إني‭ ‬أنزلتُ‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬الله‭ ‬مَنْزِلَةَ‭ ‬ولي‭ ‬اليتيم‭ ‬إن‭ ‬استغنيت‭ ‬استعففت،‭ ‬وإن‭ ‬افتقرت‭ ‬أكلت‭ ‬بالمعروف‮»‬‭. ‬ولقد‭ ‬ألزم‭ ‬نفسه‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬بقوله‭ ‬سبحانه‭: (‬وابتلوا‭ ‬اليتامى‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬بلغوا‭ ‬النكاح‭ ‬فإن‭ ‬آنستم‭ ‬منهم‭ ‬رشدًا‭ ‬فادفعوا‭ ‬إليهم‭ ‬أموالهم‭ ‬ولا‭ ‬تأكلوها‭ ‬إسرافًا‭ ‬وبدارًا‭ ‬أن‭ ‬يكبروا‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬غنيًا‭ ‬فليستعفف‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬فقيرًا‭ ‬فليأكل‭ ‬بالمعروف‭) ‬النساء‭ / ‬6‭.‬

هكذا‭ ‬ألزم‭ ‬الفاروق‭ (‬رضوان‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭) ‬نفسه‭ ‬خضوعًا‭ ‬لأمر‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬وشريعته‭ ‬كما‭ ‬ألزم‭ ‬من‭ ‬جاء‭ ‬بعده‭ ‬من‭ ‬الحكام‭ ‬والولاة‭ ‬الذين‭ ‬يظنون‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬وأموالهم‭ ‬خاضعون‭ ‬لهم‭ ‬دون‭ ‬حسيب‭ ‬أو‭ ‬رقيب‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الإسلام‭ ‬العظيم‭ ‬حاسب‭ ‬الحكام‭ ‬والولاة‭ ‬على‭ ‬التطفيف‭ ‬في‭ ‬الشيء‭ ‬اليسير،‭ ‬وعاقب‭ ‬من‭ ‬يخوض‭ ‬في‭ ‬أموال‭ ‬الناس‭ ‬بالباطل‭ ‬أشد‭ ‬العقاب،‭ ‬وعاقب‭ ‬من‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬شريعة‭ ‬الإسلام‭ ‬بأشد‭ ‬العقوبات،‭ ‬فكان‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬يقطع‭ ‬يد‭ ‬من‭ ‬سرق‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬السلطة‭. ‬فإذا‭ ‬زادوا‭ ‬في‭ ‬أموالهم‭ ‬أو‭ ‬استغلوا‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬أموالهم،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الزيادة‭ ‬شيئًا‭ ‬يسيرًا‭ ‬تركهم،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬وجد‭ ‬الزيادة‭ ‬كبيرة‭ ‬وليست‭ ‬معللة‭ ‬أخذ‭ ‬نصف‭ ‬أموالهم‭ ‬ورد‭ ‬الزيادة‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬مال‭ ‬المسلمين‭.‬

ولهذا‭ ‬كان‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الولاة‭ ‬ممن‭ ‬يصلحون‭ ‬للولاية‭ ‬بشروط‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬يستعفون‭ ‬من‭ ‬الولاية،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يعجبهم‭ ‬ألا‭ ‬يجيد‭ ‬من‭ ‬يقيم‭ ‬مكانهم،‭ ‬وكان‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬يلزم‭ ‬الولاة‭ ‬الذين‭ ‬يحضرون‭ ‬إليه‭ ‬ليقدموا‭ ‬تقريرهم‭ ‬الدوري‭ ‬إليه،‭ ‬وكان‭ ‬يلزمهم‭ ‬أن‭ ‬يدخلوا‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬وضح‭ ‬النهار‭ ‬حتى‭ ‬يراهم‭ ‬الناس‭ ‬ويراقبوا‭ ‬أحوالهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحضروا‭ ‬مجلس‭ ‬الخليفة‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬شأن‭ ‬الخليفة‭ ‬الراشد‭ ‬الثاني‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬مع‭ ‬ولاته‭ ‬ومن‭ ‬يلي‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬عهده،‭ ‬وبسبب‭ ‬هذه‭ ‬الشدة‭ ‬في‭ ‬المحاسبة‭ ‬لا‭ ‬يستمر‭ ‬الولاة‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬طويلًا،‭ ‬فرضي‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬وأرضاه‭ ‬أي‭ ‬إمام‭ ‬صالح‭ ‬كان‭!‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا