المسلمون: يستغيثون: «ويل للمطففين» سورة المطففين.
يقول الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره لهذه الآية الجليلة: «ويل للمطففين» (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (سورة المطففين).
إن الانتقال من الحديث عن العقيدة إلى الحديث عن أمر سلوكي ينظم تعامل الناس في البيع والشراء، هذا الانتقال إنما كان من شأن السور المدنية، ويعني أن الإسلام ينظم المجتمع على أسس الحق والعدل، وبعد أن صار الإسلام نظامًا شاملاً للحياة.
أما أن تكون سورة مكية فهذا أمر عجيب، يستلزم النظر إلى الحق سبحانه وتعالى حينما يشحن النفوس، هذه الشحنة الإيمانية بالحديث عن الإيمان واليقين باليوم الآخر، أراد سبحانه وتعالى أن يلفت إلى أن العقائد ليست مطلوبة لذاتها وليس الإقرار باللسان بهذه العقيدة مطلوبا لذاته، وإنما هي غايتها وإعلاؤها أي الدخول في الإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كل ذلك وسيلة لغاية، تلك الغاية هي أن ينظم الحق سبحانه سياسة البشر وحركة حياتهم. «تفسير الشيخ الشعراوي» ص / 223.
إذا فالعقيدة والنطق بالشهادتين، بل والإسلام كله إنما جاء ليكون نظامًا يسوس به هذه الحياة وينظم حركتها. ومعلوم أن التطفيف في الكيل والميزان إنما هو إخلال بالموازين التي تعهد الحق سبحانه بحمايتها وصيانتها، فقال تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9)) سورة الرحمن.
وإذا كانت إقامة العدل بالقسط أمرًا لازمًا لاستقامة السماوات والأرض، وهو أمر بالغ الخطورة مدد الله به سبحانه وتعالى بالكيل باستقامة أموال الناس وحقوقهم التي حرم الله تعالى حتى الاقتراب منها، فقال سبحانه: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) الأنعام / 152.
ولقد أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) العهد على نفسه بألا يقرب مال الناس، قال: «إني أنزلتُ نفسي من مال الله مَنْزِلَةَ ولي اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف». ولقد ألزم نفسه رضي الله عنه بقوله سبحانه: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف) النساء / 6.
هكذا ألزم الفاروق (رضوان الله تعالى) نفسه خضوعًا لأمر الله تعالى وشريعته كما ألزم من جاء بعده من الحكام والولاة الذين يظنون أن الناس وأموالهم خاضعون لهم دون حسيب أو رقيب. وإذا كان الإسلام العظيم حاسب الحكام والولاة على التطفيف في الشيء اليسير، وعاقب من يخوض في أموال الناس بالباطل أشد العقاب، وعاقب من يخرج عن شريعة الإسلام بأشد العقوبات، فكان رضي الله عنه يقطع يد من سرق ولو كان من أهل السلطة. فإذا زادوا في أموالهم أو استغلوا السلطة في أموالهم، فإذا كانت الزيادة شيئًا يسيرًا تركهم، أما إذا وجد الزيادة كبيرة وليست معللة أخذ نصف أموالهم ورد الزيادة إلى بيت مال المسلمين.
ولهذا كان كثير من الولاة ممن يصلحون للولاية بشروط عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يستعفون من الولاية، وقد لا يعجبهم ألا يجيد من يقيم مكانهم، وكان رضي الله عنه يلزم الولاة الذين يحضرون إليه ليقدموا تقريرهم الدوري إليه، وكان يلزمهم أن يدخلوا المدينة في وضح النهار حتى يراهم الناس ويراقبوا أحوالهم قبل أن يحضروا مجلس الخليفة.
كان هذا شأن الخليفة الراشد الثاني (رضي الله عنه) مع ولاته ومن يلي السلطة في عهده، وبسبب هذه الشدة في المحاسبة لا يستمر الولاة في عهده طويلًا، فرضي الله تعالى وأرضاه أي إمام صالح كان!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك