العدد : ١٧٤٦٣ - الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٣ - الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ رجب ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

من أجل إنقاذ السودان

بقلم: د. نبيل العسومي

الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

تمر‭ ‬أزمة‭ ‬السودان‭ ‬الشقيق‭ ‬بتداعيات‭ ‬خطيرة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬المباشرة‭ ‬الأزمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬كل‭ ‬الحدود‭ ‬فهنالك‭ ‬اليوم‭ ‬ملايين‭ ‬السودانيين‭ ‬الذين‭ ‬هجروا‭ ‬أو‭ ‬تشتتوا‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وهنالك‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬من‭ ‬القتلى‭ ‬والجرحى‭ ‬ومن‭ ‬آثارها‭ ‬ألخطيرة‭ ‬أيضا‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بالاغتصاب‭ ‬والمجاعة‭ ‬والتشرد‭ ‬للآلاف‭ ‬من‭ ‬إخواننا‭ ‬السودانيين‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يظهر‭ ‬هنالك‭ ‬أي‭ ‬أفق‭ ‬جدي‭ ‬لإنهاء‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬ووضع‭ ‬حد‭ ‬لها‭.‬

إن‭ ‬الأزمة‭ ‬السودانية‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬صراع‭ ‬سياسي‭ ‬وعسكري‭ ‬معقد‭ ‬بين‭ ‬جيش‭ ‬دولة‭ ‬السودان‭ ‬وقوات‭ ‬الدعم‭ ‬السريع‭ ‬وهي‭ ‬أزمة‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلى‭ ‬فشل‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليها‭ ‬سابقا‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح‭ ‬والتي‭ ‬غذتها‭ ‬التدخلات‭ ‬الأجنبية‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬الكارثة‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليها‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإنساني‭ ‬والتي‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬انهيار‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الدولة‭ ‬وتدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وتفاقم‭ ‬الفقر‭ ‬والمجاعة‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬السودان‭ ‬أرض‭ ‬خصبة‭ ‬وغنية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬سلة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كله‭.‬

إن‭ ‬النزاع‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬الجيش‭ ‬وقوات‭ ‬الدعم‭ ‬نجم‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬عن‭ ‬قرار‭ ‬الجيش‭ ‬بدمج‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬ضمن‭ ‬الجيش‭ ‬السوداني‭ ‬الرسمي‭ ‬ولم‭ ‬تقبل‭ ‬قوات‭ ‬الدعم‭ ‬ذلك‭ ‬متذرعة‭ ‬بأسباب‭ ‬عديدة‭ ‬منها‭ ‬تأخر‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليه‭ ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬الانقسام‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬السوداني‭ ‬وإلى‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبيرة‭ ‬عززها‭ ‬الصراع‭ ‬العسكري‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الفقر‭ ‬وصعوبة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الغذاء‭ ‬وانهيار‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تؤمن‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬احتياجات‭ ‬المواطن‭ ‬السوداني‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬والصحة‭ ‬والغذاء‭ ‬وغيرها‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬لهذا‭ ‬الصراع‭ ‬وجوها‭ ‬عديدة‭ ‬وارتباطات‭ ‬مختلفة‭ ‬محلية‭ ‬وخارجية‭ ‬وخاصة‭ ‬الصراعات‭ ‬القبلية‭ ‬والمنافع‭ ‬بين‭ ‬القيادات‭ ‬السودانية‭ ‬بمختلف‭ ‬توجهاتها‭ ‬والصراع‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬والثروة‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تكون‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المليشيات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬السوداني‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬كيانات‭ ‬مسلحة‭ ‬بما‭ ‬عزز‭ ‬الانقسامات‭.‬

إن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬السودان‭ ‬اليوم‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استمر‭ ‬الوضع‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬تفاقم‭ ‬الكارثة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬النزوح‭ ‬لملايين‭ ‬السودانيين‭ ‬وتفاقم‭ ‬المجاعة‭ ‬والموت‭ ‬المجاني‭ ‬والفظائع‭ ‬المروعة‭ ‬وكذلك‭ ‬توقف‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للاقتصاد‭ ‬السوداني‭ ‬وزيادة‭ ‬الفقر‭ ‬وتوقف‭ ‬الخدمات‭ ‬توقفا‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع‭ ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬هو‭ ‬ظهور‭ ‬نزعات‭ ‬استقلالية‭ ‬لتقسيم‭ ‬السودان‭ ‬مجددا‭ ‬إلى‭ ‬كيانات‭ ‬متعددة‭ ‬وهذا‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬خطيرة‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬السودان‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬والعربي‭.‬

من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬ليس‭ ‬جاهزا‭ ‬للنزول‭ ‬بثقله‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬الحوار‭ ‬الوطني‭ ‬الشامل‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬المدنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والقبلية‭ ‬والمجتمعية‭ ‬للدفع‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬مدنية‭ ‬حقيقية‭ ‬توافقية‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬الجميع‭ ‬بأنهم‭ ‬متساوون‭ ‬في‭ ‬الحقوق‭ ‬والواجبات‭ ‬هذا‭ ‬طبعا‭ ‬يتطلب‭ ‬ضغوطا‭ ‬وجهودا‭ ‬ودعما‭ ‬دوليا‭ ‬وعربيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬لإنقاذ‭ ‬السودان‭ ‬وتمكينه‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬السودان‭ ‬بكل‭ ‬طوائفهم‭ ‬ومناطقهم‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬وطنية‭ ‬واحدة‭.‬

من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬هنالك‭ ‬أولويات‭ ‬عاجلة‭ ‬لحل‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬وإيجاد‭ ‬طريق‭ ‬لوقف‭ ‬ماكينة‭ ‬القتل‭ ‬والتدمير‭ ‬وهي‭:‬

1‭ ‬–‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مناطق‭ ‬السودان‭ ‬بحيث‭ ‬يلتزم‭ ‬الجميع‭ ‬بهذا‭ ‬الوقف‭ ‬تمهيدا‭ ‬لمعالجة‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬الشائكة‭ ‬والبدء‭ ‬بحل‭ ‬المسألة‭ ‬الإنسانية‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬بتوفير‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬وأماكن‭ ‬الإقامة‭ ‬لمئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المشردين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يجدون‭ ‬المأوى‭ ‬ولا‭ ‬الغذاء‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬الانتهاكات‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها‭.‬

2-‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬السياسي‭ ‬الجاد‭ ‬الذي‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬استعادة‭ ‬كيان‭ ‬الدولة‭ ‬والأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬لأبناء‭ ‬السودان‭ ‬الشقيق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا