تمر أزمة السودان الشقيق بتداعيات خطيرة على كل المستويات وكان من آثارها المباشرة الأزمة الإنسانية التي تجاوزت كل الحدود فهنالك اليوم ملايين السودانيين الذين هجروا أو تشتتوا على دول العالم وهنالك عشرات الآلاف من الضحايا من القتلى والجرحى ومن آثارها ألخطيرة أيضا ما يرتبط بالاغتصاب والمجاعة والتشرد للآلاف من إخواننا السودانيين دون ان يظهر هنالك أي أفق جدي لإنهاء هذه الأزمة ووضع حد لها.
إن الأزمة السودانية في حقيقتها صراع سياسي وعسكري معقد بين جيش دولة السودان وقوات الدعم السريع وهي أزمة تعود في الحقيقة إلى فشل المرحلة الانتقالية التي تم الاتفاق عليها سابقا وتضارب المصالح والتي غذتها التدخلات الأجنبية مما أدى إلى الكارثة التي أشرنا إليها على الصعيد الإنساني والتي تسببت في انهيار الخدمات التي تقدمها الدولة وتدمير البنية التحتية وتفاقم الفقر والمجاعة مع أن السودان أرض خصبة وغنية قادرة على أن تكون سلة العالم العربي كله.
إن النزاع المباشر بين الجيش وقوات الدعم نجم في الأساس عن قرار الجيش بدمج هذه القوات ضمن الجيش السوداني الرسمي ولم تقبل قوات الدعم ذلك متذرعة بأسباب عديدة منها تأخر إعادة بناء مؤسسات الدولة بحسب ما تم الاتفاق عليه وقد أدى ذلك تدريجيا إلى الانقسام داخل المجتمع السوداني وإلى أزمة اقتصادية كبيرة عززها الصراع العسكري مما أدى إلى تفاقم الفقر وصعوبة الحصول على الغذاء وانهيار الخدمات الأساسية التي كانت تؤمن الحد الأدنى من احتياجات المواطن السوداني في الأمن والصحة والغذاء وغيرها.
ولا شك أيضا أن لهذا الصراع وجوها عديدة وارتباطات مختلفة محلية وخارجية وخاصة الصراعات القبلية والمنافع بين القيادات السودانية بمختلف توجهاتها والصراع على السلطة والثروة مما أدى إلى تكون العديد من المليشيات داخل المجتمع السوداني والتي أصبحت كيانات مسلحة بما عزز الانقسامات.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم خاصة إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه هو تفاقم الكارثة الإنسانية بما تحمله من المزيد من النزوح لملايين السودانيين وتفاقم المجاعة والموت المجاني والفظائع المروعة وكذلك توقف الإنتاج الزراعي الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد السوداني وزيادة الفقر وتوقف الخدمات توقفا شبه كامل في مناطق النزاع والأخطر من ذلك كله هو ظهور نزعات استقلالية لتقسيم السودان مجددا إلى كيانات متعددة وهذا سيكون له تداعيات خطيرة ليس على السودان فقط بل على الأمن الإقليمي والعربي.
من الواضح أن المجتمع الدولي ليس جاهزا للنزول بثقله السياسي والعسكري والاقتصادي لوقف إطلاق النار والضغط على الأطراف المختلفة للعودة إلى الحوار الوطني الشامل الذي يضم جميع الأطراف المدنية والعسكرية والقبلية والمجتمعية للدفع من جديد نحو إعادة تأسيس الدولة على أسس مدنية حقيقية توافقية يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات هذا طبعا يتطلب ضغوطا وجهودا ودعما دوليا وعربيا وإفريقيا لإنقاذ السودان وتمكينه من العودة إلى الحياة الطبيعية التي تجمع بين أبناء السودان بكل طوائفهم ومناطقهم في بوتقة وطنية واحدة.
من المؤكد أن هنالك أولويات عاجلة لحل هذه المشكلة وإيجاد طريق لوقف ماكينة القتل والتدمير وهي:
1 – العمل على وقف إطلاق النار في جميع مناطق السودان بحيث يلتزم الجميع بهذا الوقف تمهيدا لمعالجة هذه القضية الشائكة والبدء بحل المسألة الإنسانية خلال فترة وقف إطلاق النار بتوفير الغذاء والدواء وأماكن الإقامة لمئات الآلاف من المشردين الذين لا يجدون المأوى ولا الغذاء إضافة إلى وقف الانتهاكات بكل أشكالها.
2- البدء في الحوار السياسي الجاد الذي يفتح الباب أمام استعادة كيان الدولة والأمن والاستقرار لأبناء السودان الشقيق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك