معظم الناس يكونون عادة من المستهلكين والمستخدمين لهذا المُنتج الرقمي الجديد، الذي يُطلق عليه الآن بالذكاء الاصطناعي، ولذلك لا يعرفون إلا كيفية استخدامه في الحصول على المعلومات في كل القطاعات وتطبيقاته في المجالات المختلفة، ولكن ليست لديهم أدنى فكرة عن الجوانب الأخرى المتعلقة به، وبالتحديد الأبعاد والانعكاسات السلبية لهذا المنتج التقني الحديث والمتطور الذي تسعى كل دول العالم بما فيها بعض دول الخليج إلى نيل التفوق والريادة في تطويره وإنتاجه واحتكار تسويقه.
فبعد أن بدأ هذا المنتج في الاستقرار في بعض دول العالم المتطور والمتقدم من خلال بناء البنية التحتية الخاصة به، وبالتحديد مراكز المعلومات، انكشفت بعض الأبعاد السلبية التي كانت مخفية وغير مرئية في مطلع استخدام هذا المنتج على كل المستويات، من الفرد، والمجتمع، والدولة برمتها. كما انعكست على البيئة ومواردها وثرواتها الطبيعية، من ماء، وهواء، وتربة، إضافة إلى استنزافها الشديد للماء والكهرباء، وبخاصة في الدول التي تعاني أصلاً من شح في هذه الموارد وارتفاع أسعار إنتاجها. وقد أحس المواطن العادي البسيط في هذه الدول، وشعر من قرب هذه السلبيات، فأثرت في معاشه وحياته اليومية، وبخاصة على فواتير الماء والكهرباء الشهرية التي يدفعها وأخذت في الارتفاع شهراً بعد شهر. ولذلك تحول الذكاء الصناعي من إنجاز تقني مشهود وملموس للعالم أجمع، إلى قضية ذات أبعاد اقتصادية، واجتماعية، بل وتحولت في بعض الدول التي لها الريادة والسبق في هذا المنتج، مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى قضية سياسية عامة، حسب التحقيق المنشور في صحيفة الواشنطن بوست في 7 يناير 2026.
ونتيجة لكل هذه الجوانب الخفية التي بدأت تظهر يوماً بعد يوم، وقلق وتخوف الشعب الأمريكي من تداعياته المستقبلية غير الواضحة، فإن رجال السياسة وأعضاء الكونجرس قاموا بنقل هذا الهم الشعبي العام إلى كل الشارع والمجتمع الأمريكي، وبالتحديد رداً على الأمر التنفيذي للرئيس ترامب في 13 ديسمبر 2025 الذي منع فيه الولايات الأمريكية اتخاذ أية خطوات تشريعية ونظامية لتنظيم وتقنين مراكز المعلومات الخاصة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتعددة.
فعلى سبيل المثال، صرحتْ النائبة الجمهورية السابقة في الكونجرس في ديسمبر 2025 «مارجوري تايلور جرين» قائلة إن: «التنافس مع الصين لا يعني أن نُصبح مثل الصين، فنهدد حقوق الولايات، ونؤثر في جهود التوظيف بدرجة واسعة، ونفاقم من مستوى الفقر، ونؤثر في البيئة ومصادر المياه». كذلك صرحت النائبة الديمقراطية «ألكسندريا أوكاسيو_كورتيز» وقالت: «إن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تسبب الانتحار لأطفالنا، وترفع مراكز البيانات من كلفة الكهرباء وتلوث المجتمعات المحلية، كما أن معظم الأمريكيين يعيشون في قلق من أن الذكاء الاصطناعي سيسلبهم وظائفهم ويجعلهم عاطلين دائماً عن العمل».
وعلاوة على تصريحات أعضاء الكونجرس، فقد أعلنت في 8 ديسمبر 2025 أكثر من 230 مجموعة ومنظمة بيئية ومجتمعية دعوتها للجهات المعنية إلى التوقف عن بناء مراكز جديدة للمعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية، ووجهت رسالة مفتوحة إلى الكونجرس تبين فيه عطش هذه المراكز للطاقة واستهلاكها الشديد للكهرباء، مما أدى إلى رفع فواتير الكهرباء والماء التي يدفعها الشعب الأمريكي، كما نجم عن تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تحديات بيئية خطيرة منها تلوث الهواء الجوي، وبخاصة بالنسبة إلى غاز ثاني أكسيد الكربون المتهم الأول في التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع مستوى سطح البحار. كما أن هذه المراكز تهدد الأمن المائي للمدن والولايات بسبب استنزافها الكبير للثروة المائية لعمليات التبريد. كذلك حثت هذه المنظمات في خطابها إلى الكونجرس على تجميد بناء مراكز جديدة، والتريث قليلاً وعدم التسرع في بناء وإنشاء البنية التحتية لهذه التقنية الحديثة، حتى تتضح الرؤية حول مختلف جوانب أبعادها، والعمل على اتخاذ خطوات متأنية وشاملة ومدروسة للتعرف من كثب على سلبيات مراكز المعلومات من جميع النواحي، البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية، ومصادر الطاقة والماء.
فاستعجال ترامب في تحقيق السبق والريادة والتفوق على الصين وغيرها من الدول في صناعة الذكاء الاصطناعي، وتجاهل الجوانب السلبية المتعلقة به وعدم أخذها في الاعتبار أثناء التطوير والبناء، تُرجع بي الذاكرة إلى أمريكا والغرب في مهد الثورة الصناعية عندما كان الهدف الأول والأخير هو الإنتاجي الصناعي السريع والكبير بسياسة مفرطة وعشوائية، وتحقيق النمو الاقتصادي والازدهار المعيشي للشعوب، وفي الوقت نفسه الغفلة الكاملة عن كل الجوانب السلبية الناجمة عن هذا النمو المعوق، وبخاصة من الناحية البيئية والانبعاثات السامة والخطرة إلى الهواء الجوي من المصانع، ومحطات توليد الكهرباء، ووسائل النقل. فهذه الانبعاثات ولَّدت قضايا وأزمات بيئية عالمية مثل تدهور طبقة الأوزون، والتغير المناخي، ومشكلات إقليمية عابرة للحدود الجغرافية مثل المطر الحمضي، والإثراء الغذائي والمد الأحمر في الأنهار والبحيرات، إضافة إلى المشكلات المحلية في كثير من مدن العالم كظاهرة الضباب الضوئي الكيميائي. وكل هذه الأزمات البيئية تسببت في كوارث بشرية أسقطت عشرات الآلاف من الضحايا والمرضى.
ولذلك لا بد على الإنسان أن يتعظ بهذا التاريخ البيئي المظلم، ويتعلم من هفواته وزلاته، فيقوم بدراسة جميع الجوانب المتعلقة بكل منتج جديد، كالذكاء الاصطناعي. ومن هذه الجوانب التي بدأت تنكشف بوضوح هو الاستهلاك الشديد للكهرباء والماء لمراكز معلومات الذكاء الاصطناعي، وما ينجم عنه من ملوثات تدمر صحة البيئة وتنعكس مباشرة على سلامة وأمن الإنسان من جهة وتحقيق الأمن والاستدامة في مجالي الطاقة والمياه.
أما في مجال استهلاك الكهرباء، فقد أكدت وكالة البلومبيرج في 5 يناير 2026 هذا الواقع المرير، حيث أفادت بأن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة، مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى دعم توليد الكهرباء بالطاقة النووية بمبلغ قدره 2.7 بليون دولار لتغطية الطلب بسبب الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى إحياء مصانع توليد الكهرباء بالفحم التي ماتت منذ عقود. كذلك صرحت شركة «ميتا» في 9 يناير 2026 بأنها ستبني مفاعلاً نووياً لسد احتياجاتها المرتفعة والمتسارعة من الكهرباء لمراكز المعلومات الخاصة بها. وقد أعلن وزير الطاقة الأمريكي «كريس رايت» في سبتمبر 2025 أن «الفحم الجميل النظيف سيكون ضرورياً للفوز في سباق الذكاء الاصطناعي» وأكد أنه سيستثمر 625 مليون دولار.
وقد نُشرتْ دراسة في مجلة(Patterns) في 17 ديسمبر 2025 تحت عنوان: «البصمة الكربونية واستهلاك المياه لمراكز المعلومات للذكاء الاصطناعي»، حيث قدَّرت أن البصمة الكربونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي تتراوح بين 32.6 و 79.7 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون في عام 2025، في حين أن بصمة المياه قد تصل إلى 312.5 إلى 764.6 بليون لتر، وهذه البصمة الكربونية والمائية للذكاء الاصطناعي بسبب شدة استهلاكها للكهرباء والماء، حيث أشارت الوكالة الدولية للطاقة إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تمثل قرابة 15% إلى 20% من إجمالي استهلاك وحاجة الكهرباء لمراكز المعلومات في عام 2024، وحاجتها إلى الكهرباء قد تصل إلى 47.4 جيجاواتس في عام 2024، وهذه أعلى من احتياجات واستهلاك كثير من دول العالم مثل بريطانيا التي تحتاج معدل 30.7. وهذا الاستهلاك الضخم للكهرباء يولد ملوثات من بينها غاز ثاني أكسيد الكربون المتهم في سخونة الأرض، حيث إن توليد الكهرباء من مراكز المعلومات على المستوى الدولي ينتج عنها 182 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، ويستهلك 560 بليون لتر من المياه في عام 2023.
وعلاوة على الجوانب المتعلقة بالبيئة، والصحة، وأمن الثروات الطبيعية من طاقة ومياه، فهناك الجوانب الاجتماعية والثقافية من حيث نشر المعلومات الخاطئة، والمزورة، والمضللة في جميع القطاعات، إضافة إلى البرامج الإباحية الجنسية الموجهة نحو الأطفال.
فكل هذه الجوانب السلبية الخفية وغير المرئية للذكاء الاصطناعي بدأت تنكشف يوماً بعد يوم، وأخذت هذه السلبيات تتفاقم مع الزمن، وتظهر بشكل أكثر وضوحاً، وأشد تأثيراً في صحة وسلامة المجتمعات، مما يؤكد ضرورة أن يدوس الإنسان على المكابح، ويضغط على فرامل قطار الذكاء الاصطناعي فيخفف من سرعته المتهورة ليسبر غور هذه الجوانب الخفية، ويتعامل معها من الآن قبل أن تستشري كثيراً، وتتجذر في قلب المجتمعات فلا يمكن علاجها.
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك