العملية الأمريكية التي انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو بواسطة فرقة «دلتا» النخبوية الأمريكية، واقتياده مكبلا ً إلى السجن في نيويورك بحسب ما أشارت المصادر الأمريكية، لا تزال تثير لغطاً واسعاً، وردود فعل متباينة في الأوساط القانونية والسياسية والاعلامية؛ حيث تساءل الجميع عن مشروعية هذه العملية، ومدى توافقها مع القانون الدولي، ومدى انسجامها مع الأعراف الدولية.
لقد تباينت مواقف الدول إزاء هذه العملية ما بين مؤيد ومعارض، وقد بنت كل دولة موقفها على أساس عدد من المبررات التي دفعدتها إلى تأييد هذه العملية أو معارضتها.
ولهذا ترى بعض الدول أن ما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصب في مصلحة الشعب الفنزويلي؛ لأن رئيسه نيكولاس مادورو وصل إلى السلطة عن طريق انتخابات يتهمه الغرب بتزويرها، وبذلك ينظر إليه على أنه رئيس غير شرعي، كما أنه مطلوب في المحاكم الأمريكية بسبب اتهامه بتجارة المخدرات، فضلاً عن أن سياساته ومواقفة قادت إلى جر فنزويلا إلى الوقوع في أزمات اقتصادية طاحنة بالرغم من أن أرضها تحمل في باطنها أكثر من نصف احتياطيات العالم من النفط، ومع ذلك لم يُمكّنْ الشعب الفنزويلي من الاستمتاع بثروته النفطية، كما أنه أدخل بلاده في تحالفات مع دول تصنف على أنها دول خاضعة للحصار مثل «إيران»، أو مع أحزاب تصنف بأنها إرهابية كـ«حزب الله» في لبنان.
بينما عبرت دول أخرى عن معارضتها الشديدة للعملية، ووصفت ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية بأنه عمل طائش، بل وصفت بعض الدول العملية بأنها قرصنة، وانتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي، وتصرف غير مسؤول من دولة يفترض فيها أن تكون هي أولى الدول التي تحترم سيادة الدول، وتحافظ على مبادئ القانون الدولي.
المراقب لمواقف الدول سيكتشف من الوهلة الأولى أن الدول المؤيدة لعملية ترامب هي تلك التي تتبنى السردية الأمريكية، ومن هذه الدول ألمانيا التي عبر مستشارها عن تأييده للعملية بقوله: إن مادورو «قاد بلاده إلى الخراب، وإنه متورط في تجارة المخدرات»، وكذلك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي دافعت عن العملية الأمريكية معتبرة أنها تندرج في إطار «الدفاع» المشروع.
وبالنظر إلى مواقف هذه الدول فإننا لا نستغرب أن تتبنى وجهة النظر الأمريكية؛ لأنها ببساطة تسير في فلك السياسة الأمريكية وبالتحديد السياسة التي ينتهجها ترامب شخصياً، ولهذا فإنها تتماهى مع سياستها ويكون رأيها منسجماً معها، ولهذا فهي لم تكتف بتبرير العملية فحسب، بل إنها تبنت السردية الأمريكية من دون تحفظ وذهبت إلى القول إن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية يُعد مشروعاً ويصب في مصلحة الشعب الفنزويلي!
المفارقة العجيبة في هذا المشهد هي أنه في الوقت الذي تؤيد بعض الدول عملية ترامب تظهر أصوات في داخل الولايات المتحدة تندد بهذه العملية وتدينها، وتُحَمّلْ الرئيس ترامب شخصياً مسؤوليتها، وتحذر من تداعياتها، وآثارها على الولايات المتحدة، وهذا ما فعله عدد من النواب الديمقراطيين الذين استهجنوا هذه العملية وأدانوها، وقد وصفها كبيرهم زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر بأنها كانت «تصرفاً طائشاً»، وذهب السيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز إلى القول: «ليس لرئيس الولايات المتحدة الحق في جر هذا البلد إلى الحرب من جانب واحد». وفي الاتجاه نفسه قال السيناتور الديمقراطي روبن جاليجو في تدوينة على منصة إكس الأمريكية: «إننا تحولنا في أقل من عام من شرطي العالم إلى متنمر العالم».
السؤال المهم الذي يطرح في داخل الولايات المتحدة وخارجها هو: لماذا قام ترامب بهذه العملية التي استفزت دولا عديدة في العالم؟
في البحث عن الدوافع فهي إيمانه العميق «بعقيدة الرئيس الأمريكي مونرو» التي تشير الأدبيات السياسية الأمريكية إلى أنها ظهرت قبل قرنين من الزمان، وقد أطلقها الرئيس الخامس للولايات المتحدة جيمس مونرو عام 1823م خلال فترة رئاسته (1817-1825) وتقوم فكرتها أساساً على أربعة مبادئ أهمها اعتبار أن دول أمريكا الجنوبية «منطقة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية». وبناء على هذا المبدأ وقناعة ترامب به أصدر أوامره باختطاف الرئيس مادورو، وإحضاره مقيدا إلى نيويورك من دون مراعاة للحقوق السيادية لفنزويلا وكأنها أرض مستباحة.
من هنا، يمكن القول إن المشهد الذي رأيناه عبر شاشات التلفزة في الثاني من يناير الحالي على أرض فنزويلا كان مشهدا واقعياً وليس جزءاً من فيلم سينمائي هوليوودي، وإنه حكاية حقيقية تم نسج خيوطها في البيت الأبيض بأيادي مسؤولين أمريكيين. وهي عملية تنسجم مع الاستراتيجية الأمريكية المعتمدة منذ قرنين من الزمان، قام بتنفيذها هذه المرة الرئيس ترامب، فأدخل عليها تعديلاً بسيطاً فاستبدل حرف الميم بحرف الدال لتصبح «عقيدة دونرو» لتناسب العصر من دون تغيير في مضمونها الذي يؤكد «أحقية الولايات المتحدة في أراضي أمريكا الجنوبية» وهي ترسم معالم علاقات الولايات المتحدة مع دول أمريكا الجنوبية والبحر الكاريبي، وأن بطل هذه الحكاية «ترامب» سيدخل التاريخ لأنه الرئيس الأمريكي الذي نفذ وصية «مونرو» عندما أعطى أوامره بتنفيذ عملية كراكاس.
إن ما يميز ترامب عن سابقيه من الرؤساء الأمريكيين صراحته المباشرة في الافصاح عما يجول في خاطره من دون تكلف أو تغليف عباراته بلغة الدبلوماسية، وكما نقول في أمثالنا الشعبية «اللي في قلبه على طرف لسانه»؛ فهو لا يخفي سياساته وطموحاته ويلعب على المكشوف، ويفعل ما يقوله من دون أن يضع في اعتباره أي حواجز أو تابوهات تفرضها (مبادئ القانون الدولي) ويمكن ان تحول دون تحقيق طموحاته، ولذلك فهو لا يتردد في تكرار رغبته في الاستحواذ والهيمنة على جرينلاند الخاضعة لسيادة الدنمارك بالرغم من تأكيد شعب هذا البلد استقلاله، وهو يرى أن ما جرى في فنزويلا مجرد «بروفة» لعمليات قادمة في بلدان أخرى. السؤال الجوهري الذي يطرح بإلحاح في هذا السياق هو: هل يستطيع أحد في العالم أن يقف في وجه ترامب، ويلجم اندفاعه، ويمنعه من مواصلة تحقيق طموحاته بالقوة؟ الإجابة حتى الآن.. لا.
في الواقع، ومن خلال رصد ردود أفعال الدول التي يمكن التعويل عليها في ردع أمريكا عن مواصلة سياستها القائمة على فرض إرادتها بالقوة، نكتشف أن أغلبية الردود كانت ضعيفة ولا ترقى إلى مستوى الحدث وهو خطف رئيس دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة؛ فأكبر قوتين في العالم اليوم إلى جانب الولايات المتحدة هما روسيا والصين عبرتا عن استنكارهما ببيانات هشة لا تختلف في مضامينها كثيراً عن الدول التي ليس لها حول ولا قوة. وإذا ما بحثنا عن الأسباب التي أدت بهما إلى اتخاذ هذا الموقف فلربما لديهما حسابات خاصة تدفعهما إلى تبني مواقف غير متشددة بناء على وعود أمريكية ومن ترامب شخصياً بتقديمه تنازلات لهما في ملفي أوكرانيا وتايوان؛ حيث يذهب بعض المحللين إلى القول إن النظام الدولي الجديد الذي بدأت تظهر ملامحه سيكون مقتصراً على ثلاث دول هي أمريكا وروسيا والصين.
أما القارة العجوز (أوروبا) فستكون خارج النظام الدولي، وهناك عدة مؤشرات تدل على أن الخريطة الدولية الجديدة ستكون بلا تأثير كبير منها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك