العدد : ١٧٤٧٣ - السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٣ - السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

عملية كركاس: هل هي بداية الصراع على النفوذ بين القوى الكبرى؟

بقلم: د. جاسم بونوفل

السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

العملية‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬باختطاف‭ ‬الرئيس‭ ‬الفنزويلي‭ ‬مادورو‭ ‬بواسطة‭ ‬فرقة‭ ‬‮«‬دلتا‮»‬‭ ‬النخبوية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬واقتياده‭ ‬مكبلا‭ ‬ً‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬أشارت‭ ‬المصادر‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تثير‭ ‬لغطاً‭ ‬واسعاً،‭ ‬وردود‭ ‬فعل‭ ‬متباينة‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاعلامية؛‭ ‬حيث‭ ‬تساءل‭ ‬الجميع‭ ‬عن‭ ‬مشروعية‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬ومدى‭ ‬توافقها‭ ‬مع‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ومدى‭ ‬انسجامها‭ ‬مع‭ ‬الأعراف‭ ‬الدولية‭.‬

لقد‭ ‬تباينت‭ ‬مواقف‭ ‬الدول‭ ‬إزاء‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬مؤيد‭ ‬ومعارض،‭ ‬وقد‭ ‬بنت‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬موقفها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المبررات‭ ‬التي‭ ‬دفعدتها‭ ‬إلى‭ ‬تأييد‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬أو‭ ‬معارضتها‭.‬

ولهذا‭ ‬ترى‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭  ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الشعب‭ ‬الفنزويلي؛‭ ‬لأن‭ ‬رئيسه‭ ‬نيكولاس‭ ‬مادورو‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬انتخابات‭ ‬يتهمه‭ ‬الغرب‭ ‬بتزويرها،‭  ‬وبذلك‭  ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬رئيس‭ ‬غير‭ ‬شرعي،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬مطلوب‭ ‬في‭ ‬المحاكم‭  ‬الأمريكية‭ ‬بسبب‭ ‬اتهامه‭ ‬بتجارة‭ ‬المخدرات،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬سياساته‭ ‬ومواقفة‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬جر‭ ‬فنزويلا‭ ‬إلى‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬طاحنة‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أرضها‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬باطنها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬احتياطيات‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬النفط،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يُمكّنْ‭ ‬الشعب‭ ‬الفنزويلي‭ ‬من‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بثروته‭ ‬النفطية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬أدخل‭ ‬بلاده‭ ‬في‭ ‬تحالفات‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬تصنف‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬دول‭ ‬خاضعة‭ ‬للحصار‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬إيران‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬أحزاب‭ ‬تصنف‭ ‬بأنها‭ ‬إرهابية‭ ‬كـ‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬في‭ ‬لبنان‭.‬

بينما‭ ‬عبرت‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬معارضتها‭ ‬الشديدة‭ ‬للعملية،‭ ‬ووصفت‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بأنه‭ ‬عمل‭ ‬طائش،‭ ‬بل‭ ‬وصفت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العملية‭ ‬بأنها‭ ‬قرصنة،‭ ‬وانتهاك‭ ‬صارخ‭ ‬لمبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وتصرف‭ ‬غير‭ ‬مسؤول‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬يفترض‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬أولى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭.‬

المراقب‭ ‬لمواقف‭ ‬الدول‭ ‬سيكتشف‭ ‬من‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المؤيدة‭ ‬لعملية‭ ‬ترامب‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتبنى‭ ‬السردية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬ألمانيا‭ ‬التي‭ ‬عبر‭ ‬مستشارها‭ ‬عن‭ ‬تأييده‭ ‬للعملية‭ ‬بقوله‭: ‬إن‭ ‬مادورو‭ ‬‮«‬قاد‭ ‬بلاده‭ ‬إلى‭ ‬الخراب،‭ ‬وإنه‭ ‬متورط‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬المخدرات‮»‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬رئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬الإيطالية‭ ‬جورجيا‭ ‬ميلوني‭ ‬التي‭ ‬دافعت‭ ‬عن‭ ‬العملية‭ ‬الأمريكية‭ ‬معتبرة‭ ‬أنها‭ ‬تندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬الدفاع‮»‬‭ ‬المشروع‭.‬

وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬مواقف‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نستغرب‭ ‬أن‭ ‬تتبنى‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬الأمريكية؛‭ ‬لأنها‭ ‬ببساطة‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وبالتحديد‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬ترامب‭ ‬شخصياً،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنها‭ ‬تتماهى‭ ‬مع‭ ‬سياستها‭ ‬ويكون‭ ‬رأيها‭ ‬منسجماً‭ ‬معها،‭ ‬ولهذا‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬بتبرير‭ ‬العملية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تبنت‭ ‬السردية‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحفظ‭ ‬وذهبت‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬يُعد‭ ‬مشروعاً‭ ‬ويصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الشعب‭ ‬الفنزويلي‭!‬

المفارقة‭ ‬العجيبة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تؤيد‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬عملية‭ ‬ترامب‭ ‬تظهر‭ ‬أصوات‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تندد‭ ‬بهذه‭ ‬العملية‭ ‬وتدينها،‭ ‬وتُحَمّلْ‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬شخصياً‭ ‬مسؤوليتها،‭ ‬وتحذر‭ ‬من‭ ‬تداعياتها،‭ ‬وآثارها‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النواب‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬الذين‭ ‬استهجنوا‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬وأدانوها،‭ ‬وقد‭ ‬وصفها‭ ‬كبيرهم‭ ‬زعيم‭ ‬الأقلية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬تشاك‭ ‬شومر‭ ‬بأنها‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬تصرفاً‭ ‬طائشاً‮»‬،‭ ‬وذهب‭ ‬السيناتور‭ ‬المستقل‭ ‬عن‭ ‬ولاية‭ ‬فيرمونت‭ ‬بيرني‭ ‬ساندرز‭ ‬إلى‭ ‬القول‭: ‬‮«‬ليس‭ ‬لرئيس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬جر‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه‭ ‬قال‭ ‬السيناتور‭ ‬الديمقراطي‭ ‬روبن‭ ‬جاليجو‭ ‬في‭ ‬تدوينة‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬إكس‭ ‬الأمريكية‭: ‬‮«‬إننا‭ ‬تحولنا‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬شرطي‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬متنمر‭ ‬العالم‮»‬‭.‬

السؤال‭ ‬المهم‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وخارجها‭ ‬هو‭: ‬لماذا‭ ‬قام‭ ‬ترامب‭ ‬بهذه‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬استفزت‭ ‬دولا‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬العالم؟

في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الدوافع‭ ‬فهي‭ ‬إيمانه‭ ‬العميق‭ ‬‮«‬بعقيدة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬مونرو‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬الأدبيات‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬ظهرت‭ ‬قبل‭ ‬قرنين‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬وقد‭ ‬أطلقها‭ ‬الرئيس‭ ‬الخامس‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬جيمس‭ ‬مونرو‭ ‬عام‭ ‬1823م‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬رئاسته‭ (‬1817-1825‭) ‬وتقوم‭ ‬فكرتها‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬مبادئ‭ ‬أهمها‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬الجنوبية‭ ‬‮«‬منطقة‭ ‬نفوذ‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‮»‬‭. ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬وقناعة‭ ‬ترامب‭ ‬به‭ ‬أصدر‭ ‬أوامره‭ ‬باختطاف‭ ‬الرئيس‭ ‬مادورو،‭ ‬وإحضاره‭ ‬مقيدا‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬للحقوق‭ ‬السيادية‭ ‬لفنزويلا‭ ‬وكأنها‭ ‬أرض‭ ‬مستباحة‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬رأيناه‭ ‬عبر‭ ‬شاشات‭ ‬التلفزة‭ ‬في‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬الحالي‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬فنزويلا‭ ‬كان‭ ‬مشهدا‭ ‬واقعياً‭ ‬وليس‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬سينمائي‭ ‬هوليوودي،‭ ‬وإنه‭ ‬حكاية‭ ‬حقيقية‭ ‬تم‭ ‬نسج‭ ‬خيوطها‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بأيادي‭ ‬مسؤولين‭ ‬أمريكيين‭. ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬المعتمدة‭ ‬منذ‭ ‬قرنين‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬قام‭ ‬بتنفيذها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬فأدخل‭ ‬عليها‭ ‬تعديلاً‭ ‬بسيطاً‭ ‬فاستبدل‭ ‬حرف‭ ‬الميم‭ ‬بحرف‭ ‬الدال‭ ‬لتصبح‭ ‬‮«‬عقيدة‭ ‬دونرو‮»‬‭ ‬لتناسب‭ ‬العصر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬‮«‬أحقية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أراضي‭ ‬أمريكا‭ ‬الجنوبية‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬ترسم‭ ‬معالم‭ ‬علاقات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والبحر‭ ‬الكاريبي،‭ ‬وأن‭ ‬بطل‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬‮«‬ترامب‮»‬‭ ‬سيدخل‭ ‬التاريخ‭ ‬لأنه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬نفذ‭ ‬وصية‭ ‬‮«‬مونرو‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬أعطى‭ ‬أوامره‭ ‬بتنفيذ‭ ‬عملية‭ ‬كراكاس‭. ‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬سابقيه‭ ‬من‭ ‬الرؤساء‭ ‬الأمريكيين‭ ‬صراحته‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬الافصاح‭ ‬عما‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬خاطره‭ ‬من‭ ‬دون‭  ‬تكلف‭ ‬أو‭ ‬تغليف‭ ‬عباراته‭ ‬بلغة‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬وكما‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬أمثالنا‭ ‬الشعبية‭ ‬‮«‬اللي‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬لسانه»؛‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬سياساته‭ ‬وطموحاته‭ ‬ويلعب‭ ‬على‭ ‬المكشوف،‭ ‬ويفعل‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬اعتباره‭ ‬أي‭ ‬حواجز‭ ‬أو‭ ‬تابوهات‭  ‬تفرضها‭ (‬مبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭) ‬ويمكن‭ ‬ان‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬طموحاته،‭ ‬ولذلك‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬تكرار‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬الاستحواذ‭ ‬والهيمنة‭ ‬على‭ ‬جرينلاند‭ ‬الخاضعة‭ ‬لسيادة‭ ‬الدنمارك‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تأكيد‭ ‬شعب‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬استقلاله،‭ ‬وهو‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬فنزويلا‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬بروفة‮»‬‭ ‬لعمليات‭ ‬قادمة‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى‭. ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬بإلحاح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬ترامب،‭ ‬ويلجم‭ ‬اندفاعه،‭ ‬ويمنعه‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬تحقيق‭ ‬طموحاته‭ ‬بالقوة؟‭ ‬الإجابة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.. ‬لا‭.‬

في‭ ‬الواقع،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬رصد‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬التعويل‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬ردع‭ ‬أمريكا‭ ‬عن‭ ‬مواصلة‭ ‬سياستها‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬إرادتها‭ ‬بالقوة،‭ ‬نكتشف‭ ‬أن‭ ‬أغلبية‭ ‬الردود‭ ‬كانت‭ ‬ضعيفة‭ ‬ولا‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الحدث‭ ‬وهو‭ ‬خطف‭ ‬رئيس‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬وعضو‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة؛‭ ‬فأكبر‭ ‬قوتين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هما‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬عبرتا‭ ‬عن‭ ‬استنكارهما‭ ‬ببيانات‭ ‬هشة‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬مضامينها‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬حول‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬بحثنا‭ ‬عن‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬بهما‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬فلربما‭ ‬لديهما‭ ‬حسابات‭ ‬خاصة‭ ‬تدفعهما‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬مواقف‭ ‬غير‭ ‬متشددة‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬وعود‭ ‬أمريكية‭ ‬ومن‭ ‬ترامب‭ ‬شخصياً‭ ‬بتقديمه‭ ‬تنازلات‭ ‬لهما‭ ‬في‭ ‬ملفي‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وتايوان؛‭ ‬حيث‭ ‬يذهب‭ ‬بعض‭ ‬المحللين‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬ملامحه‭ ‬سيكون‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬دول‭ ‬هي‭ ‬أمريكا‭ ‬وروسيا‭ ‬والصين‭.‬

أما‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭ (‬أوروبا‭) ‬فستكون‭ ‬خارج‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وهناك‭ ‬عدة‭ ‬مؤشرات‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الخريطة‭ ‬الدولية‭ ‬الجديدة‭ ‬ستكون‭ ‬بلا‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬منها‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا