بعد مرور أكثر من عامين على بدء العدوان الإسرائيلي المدمر على قطاع غزة، قد يتوقع المرء أن نلمس بعض التحسن الملحوظ في فهم الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وطريقة عرض أبعاده، غير أن تغطية الصحافة الأمريكية للاجتماع الذي عقد مؤخرا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أوضحت أن الطريق لا يزال طويلاً.
لا شك أننا شهدنا في الأشهر الأخيرة زيادة في التغطية الإعلامية الأمريكية لمعاناة الفلسطينيين، مع التركيز على القصص الفردية نظرا للآلام المأساوية التي سببتها إسرائيل لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين فقدوا أفراد أسرهم ومنازلهم وأشياء أخرى كثيرة.
في الواقع، فقد شهدنا خلال الأسبوع الماضي نشر عدد من هذه التقارير، بما في ذلك مقالات مطولة ركزت عناوينها على تفاقم سوء التغذية في قطاع غزة؛ وعشرات الآلاف من الفلسطينيين المشردين الذين يعانون من أمطار الشتاء الباردة؛ وهجمات المستوطنين اليهود على قرى الضفة الغربية؛ وحتى بعض الأمل الدائم في العودة الذي عبر عنه اللاجئون الفلسطينيون الذين يعيشون في العديد من الدول العربية.
إن هذا التعاطف مع الإنسان الفلسطيني لهو تطور جديد ومهم لا نملك إلا أن نثمنه. فحتى خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر أكثر من عامين، لم يحظ الفلسطينيون بهذا الاهتمام والتعاطف إلا فترة وجيزة. ففيما كان عشرات الآلاف من الفلسطينيين يقتلون ظلت معظم التقارير الإعلامية الأمريكية تكرس ما تسميه مبدأ «التوازن» الظاهر، وذلك بالسماح للمصادر الإسرائيلية الرسمية بالتضليل أو التعتيم على ما يجري في قطاع غزة.
فعلى سبيل المثال، وبعد قصف مستشفى أو مبنى سكني، ما أسفر عن مقتل العشرات من المدنيين الفلسطينيين، كان الإسرائيليون يلمحون إلى أن القتلى كانوا في الواقع عناصر من حماس، أو أبرياء تستخدمهم حماس كدروع بشرية، أو أن أعداد القتلى مبالغ فيها، أو أن التقارير سابقة لأوانها ويجب أن تنتظر نتائج تحقيق إسرائيلي (والذي، في أغلب الأحيان، لا يصدر أبداً).
وباتباع نفس النهج يوماً بعد يوم، نجح الإسرائيليون في خلق قدر كافٍ من التشتيت ليتمكنوا من افتعال الفظائع التالية والتغطية عليها، وقد نجحت حججهم وذرائعهم القائلة «لن نفعل شيئاً كهذا» أو «أعداؤنا يكذبون ويحاولون إيذاءنا» أو «حماس هي من بدأت هذه الحرب وهي المسؤولة عن كل ما حدث منذ 7 أكتوبر» في كبح جماح مؤيديهم وحمايتهم من الإدانة الرسمية أو من تسليط العقوبات عليهم.
وقد استغل المدافعون عن إسرائيل في الكونغرس الأمريكي ومحللو وسائل الإعلام هذه الحجج والذرائع ليس فقط للدفاع عن إسرائيل من اتهامات جرائم الحرب، ولكن أيضًا لاتهام الدول أو الجماعات أو الأفراد الذين يوجهون إليها هذه الاتهامات بالانخراط في معاداة السامية.
وبعد انقضاء شهور عديدة، لم يبدأ هذا الوضع بالتغير إلا في السنة الثانية من الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة. فقد بدأت تظهر قصصٌ وتقارير تُصوّر الفلسطينيين كضحايا للعدوان الإسرائيلي. والأهم من ذلك، أن العديد من هذه القصص والتقارير ركّزت على أفراد أو عائلات، ما أتاح رؤية الفلسطينيين بكامل إنسانيتهم، لا مجرد رقم أو جزء من كتلة مجهولة، وهذا هو واقعنا اليوم.
وبعد قرنٍ كامل ظل خلاله الفلسطينيون يختزلون في مجرد مشكلةٍ يجب حلها أو عقبةٍ كأداء أمام أمن إسرائيل، باتت تُروى اليوم قصصٌ فرديةٌ للفلسطينيين، ويُضفى على الجانب الفلسطيني من المعادلة طابعٌ إنساني. ومع ذلك، لا تزال هناك مشكلاتٌ جوهريةٌ في كيفية تغطية وسائل الإعلام لهذا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
فعلى سبيل المثال، غالباً ما تُكتب القصص والتقارير المتعلقة بالمآسي التي تُلحق بالفلسطينيين الأبرياء بصيغة المبني للمجهول، حيث يموت الأطفال الفلسطينيون بسبب انخفاض درجة حرارة الجسم أو الجوع أو نقص العلاج الطبي، كما لو كانت هذه أحداثاً طبيعية.
وفي خضم هذا النوع من الخطاب الذي يتم التسويق له، لا توجه الأصابع إلى أي طرف ولا يتم بالتالي تحميله مسؤولية تشريد الفلسطينيين، أو معضلة نقص الغذاء، أو تدمير المستشفيات، أو رفض السماح بدخول الإمدادات الطبية الكافية إلى قطاع غزة المدمر.
ثمة مشكلة ثانية في التغطية الإعلامية الأمريكية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي التناقض بين ما نعرفه عن ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين وما يُبذل من جهود لمعالجة هذه الممارسات. وقد تجلى هذا التناقض بوضوح في التغطية الإعلامية لاجتماع نتنياهو وترامب في مارالاغو، وهي تغطية إعلامية كانت في معظمها، في أحسن الأحوال، ضرباً من الخيال.
كانت التغطية الإعلامية التي سبقت القمة في صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز واضحة بشأن ما تفعله إسرائيل، حيث تناولت المقالات الأخيرة ما يلي: استمرار هجمات إسرائيل على الفلسطينيين في غزة (أكثر من 400 قتيل منذ «وقف إطلاق النار»)؛ ورفض تسريع وصول الغذاء والمأوى والإمدادات الطبية إلى المنطقة؛ وخطط مسؤولي ترامب لبدء «إعادة الإعمار» في منطقة غزة الخاضعة لسيطرة إسرائيل؛ ورفض إسرائيل أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة.
إن الاستنتاجات المنطقية من هذه الممارسات الإسرائيلية هي أنه لا يوجد وقف إطلاق نار حقيقي، وأن استمرار المساومة حول بنود «الخطة» غير المحددة ليس إلا تضليلاً. وفي الوقت نفسه، تمضي إسرائيل قدما في مزيد من ترسيخ «حقائق ثابتة» في الشطر الذي تسيطر عليه من قطاع غزة، بينما تجعل الحياة مستحيلة على الفلسطينيين في الشطر الآخر، الذي تكاد تنعدم فيه الحياة.
إن صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست لم تغطيا قمة ترامب-نتنياهو بهذه الطريقة، بل إنهما قدمتا الاجتماع بشكل إيجابي وسوقتا له كفرصة للزعيمين لإظهار الوحدة و«التعبير عن تقديرهما العميق» لبعضهما البعض.
لقد أشارت الصحيفتان إلى شائعات عن وجود خلافات بين الرجلين، وإلى مخاوف من أن يؤدي الانقسام إلى عرقلة أو إعاقة تنفيذ وقف إطلاق النار الهش (على حد تعبيرهما) وتطبيق خطة السلام في غزة.
وبالنظر إلى المقالات التي نشرتها الصحيفتان مؤخراً والتي توضح بالتفصيل ما يعانيه الفلسطينيون والنوايا المعلنة بوضوح للإسرائيليين في غزة والضفة الغربية، فلا بد أن صحيفتي «الواشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» تدركان أن تغطيتهما وتحليلهما لقمة مارالاغو لم يعكسا الواقع الأليم بأي شكل من الأشكال.
لا شك أن مثل هذه التغطية الإعلامية تتيح لكل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو فرصة المماطلة، ما يسمح لهما بمتابعة أجنداتهما الخاصة في قطاع غزة، مع تجاهل المعاناة المستمرة التي لا تطاق والتي تُفرض على الفلسطينيين الأبرياء.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك