العدد : ١٧٤٧٣ - السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٣ - السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حين تتقدم الدول بثقافتها.. البحرين من الدبلوماسية إلى مجلس الأمن

بقلم: عائشة السادة

السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يكن‭ ‬اليوم‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبة‭ ‬احتفالية‭ ‬تستعيد‭ ‬فيها‭ ‬البحرين‭ ‬تاريخها‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬وتكرّم‭ ‬روّاد‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬يتسع‭ ‬فيها‭ ‬حضور‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬الدولي‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬

فالدولة‭ ‬التي‭ ‬احتفت‭ ‬بمسيرتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬أعلنت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬مباشرة‭ ‬عضويتها‭ ‬غير‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬للفترة‭ ‬2026‭-‬2027،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توليها‭ ‬مسؤوليات‭ ‬قيادية‭ ‬عربية‭ ‬ودولية،‭ ‬من‭ ‬رئاسة‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوزاري،‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬المجموعة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬اليونسكو،‭ ‬واستضافة‭ ‬قمم‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭. ‬وهي‭ ‬معطيات‭ ‬تعكس‭ ‬تحولًا‭ ‬نوعيًا‭ ‬في‭ ‬مكانة‭ ‬البحرين‭ ‬الخارجية،‭ ‬يستمد‭ ‬جذوره‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬التجربة‭ ‬البحرينية‭ ‬ذاتها‭.‬

فالقراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬لتصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬د‭. ‬عبداللطيف‭ ‬الزياني‭ ‬خلال‭ ‬الاحتفال‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بوصفها‭ ‬ممارسة‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬والهوية،‭ ‬بل‭ ‬امتدادًا‭ ‬لإرث‭ ‬حضاري‭ ‬طويل‭ ‬وقيم‭ ‬إنسانية‭ ‬أصيلة‭ ‬تمارسها‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقدمها‭ ‬للعالم‭. ‬الاعتدال،‭ ‬والتعايش،‭ ‬والحوار،‭ ‬والالتزام‭ ‬بالاحترام‭ ‬المتبادل،‭ ‬ليست‭ ‬شعارات‭ ‬طارئة،‭ ‬بل‭ ‬عناصر‭ ‬تأسيسية‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬البحرينية‭ ‬للاستقرار‭ ‬والسلام‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الثقافية‭ ‬إضافة‭ ‬شكليّة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬بل‭ ‬أحد‭ ‬مصادر‭ ‬قوته؛‭ ‬فالدبلوماسية‭ ‬السياسية‭ ‬تتحرك‭ ‬عبر‭ ‬القرارات‭ ‬والمفاوضات،‭ ‬أما‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الثقافية‭ ‬فتعمل‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬أعمق‭ ‬وأطول‭ ‬أثرًا‭. ‬حين‭ ‬تعرّف‭ ‬البحرين‭ ‬العالم‭ ‬بنفسها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نموذج‭ ‬التعايش‭ ‬الديني،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬مواقعها‭ ‬المسجلة‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفنون‭ ‬والحرف‭ ‬والموسيقى‭ ‬والذاكرة‭ ‬البحرية،‭ ‬فإنها‭ ‬تخاطب‭ ‬وجدان‭ ‬الشعوب‭ ‬قبل‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتبني‭ ‬صورة‭ ‬ذهنية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والاحترام‭.‬

وهنا‭ ‬تتضح‭ ‬الفكرة‭ ‬الأساسية؛‭ ‬مقعد‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ليس‭ ‬حدثًا‭ ‬منفصلًا،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬لمسار‭ ‬طويل‭ ‬أسهمت‭ ‬فيه‭ ‬السياسة‭ ‬والثقافة‭ ‬معًا‭. ‬فالعالم‭ ‬الذي‭ ‬منح‭ ‬ثقته‭ ‬للبحرين‭ ‬يرى‭ ‬دولة‭ ‬لا‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬قيمها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومواقفها‭ ‬الدولية،‭ ‬ولا‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬السلام‭ ‬كشعار‭ ‬ظرفي،‭ ‬بل‭ ‬كممارسة‭ ‬يومية‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ونصرة‭ ‬القضايا‭ ‬العادلة،‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬سلمية‭ ‬للنزاعات‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يفرض‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬الدولي‭ ‬مسؤولية‭ ‬كبيرة‭ ‬وفرصة‭ ‬ثمينة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد؛‭ ‬فملفات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬تتجاوز‭ ‬الإطار‭ ‬الإقليمي‭ ‬لتشمل‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والمائي،‭ ‬والمناخ‭ ‬والطاقة،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والصراعات‭ ‬الممتدة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تذهب‭ ‬إليها‭ ‬بأدوات‭ ‬سياسية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بسردية‭ ‬وطنية‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الأمن‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬بإنسان‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عادلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عبّر‭ ‬عنه‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬حين‭ ‬ربط‭ ‬الدور‭ ‬البحريني‭ ‬بالعمل‭ ‬الإنساني،‭ ‬والتعاون‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬نحتفي‭ ‬به‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬نجاح‭ ‬دبلوماسي،‭ ‬بل‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬متكامل‭ ‬تلتقي‭ ‬فيه‭ ‬الثقافة‭ ‬بالسياسة‭. ‬

فالدبلوماسية‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬البحرين‭ ‬تستمد‭ ‬قوتها‭ ‬من‭ ‬جذورها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية؛‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني،‭ ‬ومن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية،‭ ‬ومن‭ ‬مجتمع‭ ‬تعلّم‭ ‬التعايش‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬ثم‭ ‬قدّم‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد‭ ‬الإنساني‭ ‬للعالم‭ ‬بوصفه‭ ‬ممارسة‭ ‬واقعية‭ ‬للسلام،‭ ‬لا‭ ‬خطابًا‭ ‬نظريًا‭.‬

{‭ ‬باحثة‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الثقافية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا