لم يكن اليوم الدبلوماسي هذا العام مجرد مناسبة احتفالية تستعيد فيها البحرين تاريخها الدبلوماسي وتكرّم روّاد سياستها الخارجية، بل جاء في لحظة يتسع فيها حضور المملكة على المسرح الدولي بصورة غير مسبوقة.
فالدولة التي احتفت بمسيرتها الدبلوماسية أعلنت في الوقت ذاته مباشرة عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2026-2027، إلى جانب توليها مسؤوليات قيادية عربية ودولية، من رئاسة جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، إلى قيادة المجموعة العربية في اليونسكو، واستضافة قمم إقليمية ودولية. وهي معطيات تعكس تحولًا نوعيًا في مكانة البحرين الخارجية، يستمد جذوره من عمق التجربة البحرينية ذاتها.
فالقراءة المتأنية لتصريحات وزير الخارجية د. عبداللطيف الزياني خلال الاحتفال تكشف أن البحرين لا تنظر إلى الدبلوماسية بوصفها ممارسة منفصلة عن المجتمع والهوية، بل امتدادًا لإرث حضاري طويل وقيم إنسانية أصيلة تمارسها في الداخل قبل أن تقدمها للعالم. الاعتدال، والتعايش، والحوار، والالتزام بالاحترام المتبادل، ليست شعارات طارئة، بل عناصر تأسيسية في الرؤية البحرينية للاستقرار والسلام.
من هنا، لا تبدو الدبلوماسية الثقافية إضافة شكليّة على العمل الدبلوماسي، بل أحد مصادر قوته؛ فالدبلوماسية السياسية تتحرك عبر القرارات والمفاوضات، أما الدبلوماسية الثقافية فتعمل في فضاء أعمق وأطول أثرًا. حين تعرّف البحرين العالم بنفسها من خلال نموذج التعايش الديني، أو عبر مواقعها المسجلة على قائمة التراث العالمي، أو من خلال الفنون والحرف والموسيقى والذاكرة البحرية، فإنها تخاطب وجدان الشعوب قبل المؤسسات، وتبني صورة ذهنية قائمة على المعرفة والاحترام.
وهنا تتضح الفكرة الأساسية؛ مقعد البحرين في مجلس الأمن ليس حدثًا منفصلًا، بل نتيجة لمسار طويل أسهمت فيه السياسة والثقافة معًا. فالعالم الذي منح ثقته للبحرين يرى دولة لا تفصل بين قيمها الاجتماعية ومواقفها الدولية، ولا تتعامل مع السلام كشعار ظرفي، بل كممارسة يومية تتجسد في احترام الكرامة الإنسانية، ونصرة القضايا العادلة، والسعي إلى حلول سلمية للنزاعات.
وفي المقابل، يفرض هذا الحضور الدولي مسؤولية كبيرة وفرصة ثمينة في آن واحد؛ فملفات مجلس الأمن تتجاوز الإطار الإقليمي لتشمل الأمن الغذائي والمائي، والمناخ والطاقة، والاقتصاد والصراعات الممتدة. غير أن ما يميز البحرين في التعامل مع هذه القضايا أنها لا تذهب إليها بأدوات سياسية فقط، بل بسردية وطنية تؤمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ بإنسان قادر على العيش في بيئة عادلة، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية حين ربط الدور البحريني بالعمل الإنساني، والتعاون متعدد الأطراف، والدفاع عن الحقوق والكرامة الإنسانية.
في المحصلة، يمكن القول إن ما نحتفي به اليوم ليس مجرد نجاح دبلوماسي، بل تعبيرا عن مسار متكامل تلتقي فيه الثقافة بالسياسة.
فالدبلوماسية التي تمارسها البحرين تستمد قوتها من جذورها الاجتماعية والثقافية؛ من الإنسان البحريني، ومن الذاكرة الجمعية، ومن مجتمع تعلّم التعايش في الداخل، ثم قدّم هذا الرصيد الإنساني للعالم بوصفه ممارسة واقعية للسلام، لا خطابًا نظريًا.
{ باحثة في السياسات الثقافية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك