الحكومات الغربية التي اضطرت، تحت ضغوط شعبية هائلة، إلى التعهد بإجراءات ضد إسرائيل وجدت في قمع الحريات وخطة ترامب لما يسمى «السلام» لغزة المخرج للتراجع عما أعلنته.
فألمانيا، التي كانت في أغسطس الماضي، قد أصدرت قرارا بحظر الأسلحة التي «قد تستخدمها» إسرائيل في غزة، أعلنت رفع الحظر، بل ووافق برلمانها على صفقة مقدارها 3.5 مليارات دولار لمد نظام دفاعها الصاروخي ليحمى إسرائيل! والاتحاد الأوروبي الذى كان على وشك تعليق كل الاتفاقات التجارية مع إسرائيل تراجع برلمانه عن أي عقوبات!
أما الولايات المتحدة، الداعم الأهم لإسرائيل، فالوضع فيها يستحق مزيدا من التفصيل. فرئيسها أعلن مؤخرا أنه لا يرى في سلوك إسرائيل أي شيء يقوض خطته «للسلام»، وأن السبب في أي عرقلة يأتي من «الأطراف الأخرى»! لكن الهوة تتسع بين الرأي العام الأمريكي وسلوك النخبة السياسية عموما تجاه إسرائيل.
ولعل الأكثر أهمية في التحول الجوهري في الرأي العام هو ذلك الذي حدث على يمين الساحة السياسية، ويجسد فشلا حقيقيا للاستراتيجية التي تبناها نتنياهو. فقبل طوفان الأقصى، كان التحول المناهض للدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل يتزايد باضطراد على يسار الساحة السياسية وسط قاعدة الحزب الديمقراطي الانتخابية، لا في أوساط نخبته باستثناءات محدودة.
ومن هنا، باتت القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري، المعقل الرئيسي لدعم إسرائيل. ونتنياهو أسهم فعليا في خسارة الديمقراطيين. فلعله أول رئيس وزراء لإسرائيل لم يحرص على أن يظل دعم إسرائيل عابرا للحزبين بأمريكا؛ فهو اتخذ مواقف منحازة علنا للجمهوريين، ما أثار حفيظة الكثيرين بالحزب الديمقراطي. وهو في ذلك كان يراهن على تيار اليمين الأصولي المسيحي، الذي ينتمي قطاع معتبر فيه للصهيونية المسيحية الداعم لإسرائيل بالمطلق.
كذلك، فان لوبي إسرائيل لم يكن أقل غطرسة من نتنياهو؛ فأسهم، هو الآخر، في تحولات الرأي العام. فعلى مدى عقود طويلة، كان يحرص على دعم حملات السياسيين من الحزبين، والعمل لصالح إسرائيل خلف الأبواب المغلقة لا في العلن لئلا يثير حفيظة عموم الأمريكيين. لكن اللوبي في آخر عقدين صار أكثر يمينية من أغلبية اليهود الأمريكيين الذين يزعم تمثيلهم، وصار يعلن صراحة، بل ويتباهى، بإنفاق الملايين لهزيمة أعضاء ديمقراطيين بالكونجرس متى تجرأوا وانتقدوا إسرائيل. كم ان قياداته لم تخف احتفاءها بفوز ترامب!
لكن حرب الإبادة في غزة أحدثت طوفانا داخل الحزب الجمهوري طال قاعدة ترامب الانتخابية، وخصوصا بين الشباب؛ فاحتفاء اللوبي بقمع الإدارة لحريات الأمريكيين لحساب إسرائيل والدعم المالي والعسكري منذ طوفان الأقصى، فضلا عن قصف إيران لحساب إسرائيل، كان بالنسبة إلى الشباب نقضا لتعهدات «أمريكا أولا» التي قطعها ترامب على نفسه. فبات 53% من شباب الحزب يناهضون الدعم السنوي لإسرائيل وتقول أغلبيتهم أنهم سيختارون مرشحين يتعهدون بخفض ذلك الدعم أو إلغائه! والخطاب العام بأمريكا صار يشهد أصواتا على اليمين واليسار تنتقد صراحة نفوذ اللوبي الصهيوني، بل صار مرشحون من الحزبين يتعهدون علنا برفض تمويل اللوبي الصهيوني لحملاتهم الانتخابية القادمة!
لكن كل ذلك لا يعنى مطلقا أن اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأمريكية سيتخلى عما بناه على مدى سبعة عقود. كل ما في الأمر أنه سيعود للعمل من وراء الستار كما كان يفعل قبلا. وله، بالمناسبة، عشرات المنظمات التي تحمل أسماء لا تمت بصلة لإسرائيل تسمح بالعودة لتلك الاستراتيجية. ثم إن قانون تمويل الحملات الانتخابية بشكله الراهن يسمح للوبي الصهيوني، أكثر من أي وقت مضى، بشراء السياسيين من دون الإفصاح عن حجم الأموال ومصدرها.
باختصار معركة إسرائيل القادمة في داخل أمريكا ستكون، في تقديري، معركة بين نخبة أمريكا السياسية والرأي العام الذي تمثله!
{ باحثة مختصة في الشؤون الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك