في 3 يناير 2026، قامت الولايات المتحدة بخطوة جريئة لاجتياح فنزويلا سياسيًا عبر اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، وهو ما أحدث صدمة في العالم بأسره. الهجوم لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كان بداية لمرحلة جديدة من التحكم في أحد أكبر مصادر النفط في العالم، وهو ما يهدد بإعادة تشكيل خريطة سوق الطاقة العالمية.
هذا الهجوم يفتح الباب لتساؤلات حول مستقبل فنزويلا في ظل الهيمنة الأمريكية، وأثر ذلك على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وخاصة في ظل التنافس المتزايد بين القوى العظمى على استثمار هذه الموارد الضخمة.
تتجاوز تداعيات اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة في 3 يناير 2026 التأثيرات الجيوسياسية الخطيرة المرتبطة باستخدام القوة العسكرية من جانب الحكومة الأمريكية في أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى. فهذه الأحداث تحمل تأثيرًا طويل الأمد على سوق الطاقة العالمي.
نظرًا إلى مكانة فنزويلا كأكبر دولة تمتلك احتياطيًا من النفط الخام، وكونها عضوًا مؤسسًا في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، فإن إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إدارة الولايات المتحدة للبلاد فترة غير محددة، وتشجيعه الشركات الأمريكية على إعادة هيكلة البنية التحتية النفطية لصالحها، يعكس مستقبلًا تهيمن فيه واشنطن على سياسات الطاقة في دولة منتجة مهمة على الصعيد العالمي.
على الرغم من أن رد فعل سوق النفط الفوري كان أقل من المتوقع بسبب فائض العرض والطلب، فإن أهمية السيطرة الأمريكية على الموارد النفطية على المدى الطويل تظل كبيرة، بالإضافة إلى تعزيز الوصول إلى إمدادات النفط الخام الثقيل.
في ظل تقلبات السوق العالمية في السنوات الأخيرة، انتقد جيسون بوردوف، مدير مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، الإجراءات الأمريكية الأخيرة، واصفًا إياها بأنها «نزعة تجارية قصيرة النظر». أما بشأن مستقبل فنزويلا، فرغم احتجاز مادورو حاليًا في الولايات المتحدة بانتظار محاكمته بتهم تهريب المخدرات والأسلحة، فقد أشار ريتشارد نيفيو، الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى أن «المستقبل لا يزال غامضًا بعد ذلك».
لتقييم تداعيات هجوم ترامب على فنزويلا في سوق الطاقة العالمية، من الضروري أولاً فهم الوضع الحالي لفنزويلا. بحسب معهد الطاقة في لندن، تمتلك فنزويلا نحو 17% من احتياطيات النفط العالمية، بما يعادل أكثر من 300 مليار برميل. ورغم هذه الموارد الضخمة، لا تمثل فنزويلا حاليًا سوى 1% من الإنتاج العالمي للنفط الخام، ومن المتوقع أن ينخفض هذا الرقم إلى 1.1 مليون برميل يوميًا في عام 2025، بعد أن بلغ ذروته في السبعينيات بـ3.5 ملايين برميل يوميًا، حين كانت فنزويلا تشكل أكثر من 7% من الطلب العالمي على النفط.
ورغم اعتماد فنزويلا على صادرات النفط للحصول على 95% من إيراداتها الخارجية، فإن سكوت مونتغمري، المحاضر في كلية جاكسون للدراسات الدولية بجامعة واشنطن، أشار إلى أن البنية التحتية النفطية في البلاد «في حالة سيئة» بسبب «نقص الصيانة للمعدات وآبار النفط».
يعود التدخل الأمريكي في قطاع النفط الفنزويلي إلى أوائل القرن العشرين، وقد انتقد ترامب تأميم النفط في فنزويلا خلال فترة حكم هوغو تشافيز، الذي اعتبره «إحدى أكبر عمليات سرقة الممتلكات الأمريكية في التاريخ». في هذا السياق، وثقت بلومبيرج كيف أن شركتي إكسون موبيل وكونوكو فيليبس الأمريكيتين فازتا بـ«أحكام تحكيم دولية واسعة النطاق» بعد تأميم النفط، فيما تواصل شركة شيفرون العمل بموجب ترخيص من وزارة الخزانة الأمريكية، ما يجعلها تسيطر على نحو ربع إنتاج النفط الفنزويلي.
لذلك، من غير المستغرب أن تنظر إدارة ترامب في البداية إلى إزاحة مادورو كنتاج لانتخابات رئاسية مثيرة للجدل ولزعم تهريب، ولكن سرعان ما تبنى البيت الأبيض «تغييرًا سريعًا في التركيز» نحو «تأمين موارد النفط الفنزويلية»، وهو ما اعتبره كارثيك سانكاران، الباحث في معهد كوينسي، تأكيدًا لأن «السيطرة على نفط فنزويلا» كانت «قوة دافعة رئيسية» وراء تحركات واشنطن. كما أوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قائلاً إن الولايات المتحدة ستكتفي بـ«إدارة السياسة» بدلًا من «تأمين حقول النفط» لنفسها، ما يعد انتهاكًا للسيادة الدولية.
ورغم أن مرافق النفط الرئيسية في فنزويلا لم تكن هدفًا للضربات الأمريكية في الهجوم في 3 يناير، فقد أشار بيتر ماكنالي، رئيس محللي القطاعات في شركة «ثيرد بريدج» بنيويورك، إلى أن «إعادة هيكلة الصناعة ستتطلب عشرات المليارات من الدولارات»، حيث تقدّر شركة «ريستاد إنرجي» أن ما لا يقل عن 100 مليار دولار من الاستثمارات الرأسمالية ستكون ضرورية لرفع مستوى الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًا.
وادعى ترامب أن سيطرة الولايات المتحدة على صناعة النفط الفنزويلية «لن تكلف دافع الضرائب الأمريكي قرشًا واحدًا»، مضيفًا أن الأموال ستأتي «من باطن الأرض»، مُتباهيًا بكيفية تأثير الشركات الأمريكية الكبرى على الصناعة. وإذا لم تتمكن صناعة النفط الفنزويلية من العودة إلى العمل خلال 18 شهرًا، فإن الفائدة الوحيدة ستعود على فنزويلا نفسها والشركات الكبرى التي تدعم الهجمات الخارجية على منافسيها الاقتصاديين.
أما بالنسبة إلى تأثير هذا السيناريو على سوق الطاقة العالمية، فقد أشار آرني لومان راسموسن، رئيس قسم الأبحاث في شركة «إدارة المخاطر العالمية»، إلى أن هذه التطورات قد «تؤدي إلى زيادة المعروض من النفط مع مرور الوقت». ومع ذلك، أوضحت كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة «كريستول إنرجي» الاستشارية في لندن، أن أي نمو فوري «سيقتصر إلى حد كبير على تثبيت الإنتاج الحالي»، بينما سيحتاج النمو الكبير إلى «رأسمال مستدام، ونقل للتكنولوجيا، وإصلاحات مؤسسية». وقدّر توماس أودونيل، خبير قطاع الطاقة في «مركز ويلسون»، أن فنزويلا لن تتمكن من العودة إلى ذروة إنتاجها إلا في «أفضل الظروف» خلال خمس إلى سبع سنوات.
إذا تمكنت إدارة ترامب من الضغط على النظام الفنزويلي المتبقي، فإن إحدى النتائج قصيرة الأجل ستكون تغيير مسار تدفقات النفط الخام من أمريكا الجنوبية. كما أوضح دانيال ستيرنوف، الباحث في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، فإنه «إذا ظل الإنتاج مستقرًا على المدى القصير»، فقد «يتم إعادة توجيه صادرات النفط الفنزويلي بعيدًا عن الصين نحو الولايات المتحدة»، وهو ما سيكون «خبرًا سارًا لمصافي التكرير الأمريكية التي تتنافس على الإمدادات المحدودة من النفط الخام الثقيل».
أما بالنسبة إلى تأثير ذلك على الأسعار العالمية، ففي أعقاب الهجوم الأمريكي، انخفض سعر خام برنت إلى حوالي 60 دولارًا للبرميل، بينما انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى أقل من 58 دولارًا للبرميل. وهذا لم يكن مفاجئًا بالنظر إلى أن تصعيد إدارة ترامب السابق، الذي شمل فرض حصار على صادرات النفط الفنزويلي، لم يؤثر بشكل كبير على الأسعار العالمية، لأن ما بين 500 ألف و800 ألف برميل يوميًا استمرت في التصدير.
تتوقع وكالة الطاقة الدولية وجود فائض كبير بين العرض والطلب العالمي على النفط خلال عام 2026، يبلغ حوالي 3.84 ملايين برميل يوميًا. ورأت بلومبيرغ أن هذا الفائض الكبير سيمنح السوق مجالًا للتعامل مع أي اضطراب في إنتاج فنزويلا. وبينما قيّم بوردوف التأثير القريب على الأسعار بأنه «محدود»، أشار ستيرنوف إلى أن التأثير الأكبر سيشمل «هوامش التكرير» و«أسعار الشحن».
ورغم اتفاق المعلقين الغربيين على ذلك، حذر توني فرانجي، رئيس قسم أساسيات الطاقة في شركة سينماكس إنتليجنس بولاية تكساس، من «التقليل من شأن قدرة شركات النفط الأمريكية على زيادة الإنتاج الفنزويلي بسرعة أكبر مما يتوقعه البعض»، ما قد يؤدي إلى انخفاض سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى أقل من 50 دولارًا في سوق تعاني من فائض في المعروض.
إن انخفاض أسعار النفط الخام قد يؤثر على باقي أعضاء تحالف أوبك بلس، بما في ذلك دول الخليج العربي. ورغم أن استجابة هذه الدول يمكن أن تتكيف مع زيادة أو نقصان في حجم البراميل الفنزويلية في السوق -نظرًا إلى أن فنزويلا تمثل جزءًا صغيرًا من الإمدادات العالمية- فإن الأعضاء الرئيسيين مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة «لا يمكنهم تحمل كلفة الاضطرابات السياسية المطولة». كما أشار بوردوف إلى أن «الفائض» بين العرض والطلب كان عاملًا مؤثرًا في جهود إدارة ترامب «لممارسة الضغط على منتجي النفط مثل فنزويلا وإيران وروسيا من دون الخوف من ارتفاع الأسعار».
وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي قد صرّح الآن كما لو أن إدارته قد أطاحت بنظام مادورو بالكامل وتسيطر على موارد فنزويلا، فإن هذا ليس دقيقًا. فقد أشار بوردوف إلى أن ترامب لم يقدم «وضوحًا يُذكر» بشأن مستوى السيطرة الحالية، كما أن افتراضات الانتقال السياسي لا تزال «غامضة إلى حد كبير».
كما أشار خورخي ليون، رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة «ريستاد إنرجي»، إلى أن «التاريخ يُظهر أن تغيير الأنظمة بالقوة نادرًا ما يؤدي إلى استقرار إمدادات النفط بسرعة»، مستشهدًا بحالتي العراق وليبيا كـ«سابقتين واضحتين ومقلقتين». وأضاف مونتغمري أن «الشركات الأجنبية لن تُسارع إلى دخول سوق يعاني من اضطرابات أمنية وسياسية». لذلك، وفقًا لنيفييو، إذا فشلت الولايات المتحدة في إدارة سياسة تصدير النفط الفنزويلي كما وعد ترامب فمن المرجح أن تواصل واشنطن الضغط على حكومة كاراكاس. ورغم أن هذا الضغط قد فاقم الأزمة الاقتصادية في فنزويلا، فإنه لم يُفضِ إلى تراجعها أمام مطالب واشنطن.
وفي السياق الاستراتيجي الأوسع لمنتجي النفط خارج الغرب، بما في ذلك أعضاء منظمة «أوبك»، أقرّ نيفيو بأن السياسة الاقتصادية الأمريكية ستُعتبر، كما كان متوقعًا، أكثر عدوانية وجشعًا وتوجهًا نحو القومية؛ إذ يعزز هجوم ترامب على فنزويلا فكرة أن جوهر السياسة الخارجية الأمريكية كان وسيظل دائمًا مبنيًا على استخراج الموارد. وقد وصف سانكاران هذه العقلية في عهد ترامب بأنها «إمبريالية الوقود الأحفوري»، فيما اعتبرها بوردوف «قديمة».
ورغم ذلك، فإن نوايا الولايات المتحدة الواضحة في السيطرة على صناعة الطاقة في فنزويلا ونهب مواردها لصالح الشركات النفطية الأمريكية تؤكد أن موقف واشنطن تجاه خصومها الاقتصاديين والسياسيين سيبقى في نهاية المطاف منصبًا على الهيمنة والاستغلال.
بلا شك، إن تداعيات الهجوم الأمريكي على فنزويلا ستشكل علامة فارقة في تاريخ سياسات الطاقة العالمية. وعلى الرغم من أن الأسواق قد أظهرت استقرارًا نسبيًا على المدى القصير، فإن التغيرات التي قد تحدث في السيطرة على موارد النفط الفنزويلي ستؤثر حتما على مجريات الاقتصاد العالمي في المستقبل القريب. فالأمر لا يتعلق فقط بالسيطرة على الاحتياطات النفطية، بل بالتحكم في مستقبل التوازن الجيوسياسي والاقتصادي، وهو ما قد يفتح المجال لتحولات غير مسبوقة في سوق الطاقة العالمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك