في شهر سبتمبر الماضي قُتل الناشط السياسي الأمريكي المحافظ تشارلي كيرك أثناء إلقائه كلمة في تجمع جماهيري في حرم جامعي بولاية يوتا، وكانت ردود الفعل على مقتله فورية ومتواصلة، ما يعكس الانقسامات العميقة التي يعاني منها المجتمع الأمريكي اليوم.
وفي حين اتسمت تعليقات ومواقف منتقدي آراء كيرك المتطرفة بشأن قضايا العرق والنساء بالاحترام واللياقة إثر حادثة الاغتيال، إلا أنهم تعرضوا مع ذلك للمضايقات والترهيب عبر الإنترنت من قبل المعجبين المخلصين من أنصار كيرك.
وفي إطار هذه الحملة المتصاعدة تم إعداد قوائم بأسماء الأشخاص الذين نشروا تعليقات تنتقد مواقف كيرك على وسائل التواصل الاجتماعي، مع دعوات لأصحاب العمل لفصلهم.
ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو مدى تمجيد هؤلاء الأنصار والمعجبين بتشارلي كيرك وعمله ومواقفه، بل إنهم لم يكتفوا بذلك بل إنهم راحوا يستخدمون عبارات دينية بطبيعة الحال في وصف الرجل.
فقد وصل الأمر بأحد الكرادلة الكاثوليك المحافظين المعروفين أن وصف تشارلي كيرك بأنه إنجيلي، مُشبّهًا إياه بالقديس بولس، فيما قارن آخرون مقتله بصلب يسوع المسيح.
أما أكثر ما يُقلقني في هذا كله ليس مجرد اختلافي مع آراء تشارلي كيرك، بل إنني أُدين آراء تشارلي كيرك وتصريحاته التي يتحدث فيها عن دونية الأمريكيين السود والمسلمين واليهود وزعمه أنهم يفتقدون أي مصداقية، كما أدين حديثه عن حاجة النساء للخضوع للرجال، وغير ذلك الكثير من الآراء والمواقف المثيرة للجدل، ما يُقلقني أكثر من أي شيء آخر هو الطريقة التي يُسيء بها مؤيدو آراء تشارلي كيرك استخدام اللغة الدينية.
على سبيل المثال، يرى هؤلاء الأنصار والمعجبين أنه يحق لهم أن يدافعوا عن مواقف تشارلي كيرك بشأن المسائل المثيرة للجدل أو حتى يتهموا منتقديه بعدم الحساسية لانتقادهم آراءه وأعماله بعد وقت قصير من مقتله.
لكن الأمر الذي يثير الحفيظة هو اتهامهم لمنتقدي آراء تشارلي كيرك بـما يعتبرونه «تجديفا» أو «تدنيسا» للرجل؛ فمثل هذه المصطلحات تحمل معاني محددةً للغاية، وتشير إلى أقوالٍ أو أفعالٍ تُسيء إلى الرب أو إلى المقدسات.
إن تشارلي كيرك أبعد ما يكون عن القداسة، كما أن قيامه بتغليف آرائه ومواقفه المحافظة باستخدام عبارات ورموز مسيحية لا يجعل من رسالته مسيحية بأي شكل من الأشكال.
كثيرًا ما يستخدم الأمريكيون (أو بالأحرى يسيئون استخدام) اللغة الدينية في حياتهم اليومية. قد نصرخ «يا إلهي» عندما نضرب إبهامنا بمطرقة عن طريق الخطأ، أو نهتف «يا إلهي» عندما نُفاجأ.
عندما نفعل ذلك، فإننا لا نُعلن إيماننا، بل نفعل ذلك لأن ثقافتنا قد منحت هذه المصطلحات الدينية مضمونًا عاطفيًا عميقًا. وعندما نستخدمها، فإننا في الواقع لا نقول سوى «أنا غاضب جدًا» أو «أنا متحمس جدًا».
وبعبارة أخرى، فإن استخدام اللغة الدينية لوصف المعتقدات أو الأفعال غير الدينية هو ببساطة طريقة لإضافة التأكيد. وينطبق الأمر نفسه على استخدام المتحدثين أو الحركات السياسية لغةً دينيةً في محاولةٍ لتبرير آرائهم أو تعزيزها. وهذا ينطبق على القوميين المسيحيين، أو حتى القوميين المسلمين أو الهندوس أو اليهود أو البوذيين.
إنهم يتبنون آراءهم السياسية ويغلفونها بالروح المسيحية لإضفاء المزيد من التأكيد. وبعد ذلك، تجرأوا على إدانة من يتحداهم ووصفهم بـ«الكفار»، في حين أن المعتقدات التي يروجونها لا تعكس إرادة ربانية بقدر ما تعكس معتقداتهم التي فرضوها بأنفسهم.
ورغم أن مسألة إساءة استخدام اللغة الدينية ليست جديدة، فإنها تتزايد في وتيرة وكثافة. في ستينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، كان الأمريكيون منقسمين بشدة حول قضايا الحرب والعرق. فبينما قاد القس مارتن لوثر كينغ والزعماء الدينيون المرتبطون بمؤتمره للقيادة المسيحية الجنوبية الاحتجاجات وقاموا بأعمال عصيان مدني مطالبين بالحقوق المدنية، واجههم وعاظ مسيحيون بيض في الجنوب، حذّروا من مخاطر انتهاك إرادة الرب بتجاهل العقاب الذي نزل على «نسل حام».
وبينما سافر الكاردينال فرانسيس سبيلمان من نيويورك إلى فيتنام ليبارك القوات الأمريكية في معركتها ضد «الشيوعية الملحدة»، قاد قس يسوعي يدعى دانييل بيريجان زملاءه من رجال الدين والنساء في احتجاجات ضد الحرب، ما أدى في كثير من الأحيان إلى اعتقالهم وسجنهم (في إحدى الحالات، بسبب حرق ملفات الخدمة الانتقائية للشباب الذين كان من المقرر تجنيدهم للخدمة في الجيش).
وخلال هذه الفترة بأكملها، لا أذكر أن قادة الحقوق المدنية أو مناهضي الحرب أو دعاة الفصل العنصري أو مؤيدي الحرب وُصفوا بأنهم قادة مسيحيون، كما لم تُطلق وسائل الإعلام أو الثقافة السياسية الأمريكية على الآراء التي عرضوها اسم المسيحية.
ولم ينخرط الأمريكيون في نقاشات لاهوتية مطولة سعياً لتحديد أي تفسير للمسيحية هو الصحيح؛ أي من هم المسيحيون «الصالحون» أو «الفاسدون». بل عرّف الأمريكيون هؤلاء الأفراد بما فعلوه، فكانوا إما «مؤيدو الفصل العنصري» أو «قادة الحقوق المدنية»، أو «مؤيدو الحرب» أو «نشطاء مناهضون للحرب».
قد يكون الأمريكيون قد فهموا في ذلك الوقت، ضمنيًا على الأقل، أن مجرد قيام شخص أو مؤسسة باستخدام لغة دينية لتحديد أو التحقق من صحة معتقدات أو سلوكيات سياسية معينة لا يجعل هذا الاعتقاد أو السلوك «دينيًا».
في ظلّ المناخ السياسيّ شديد الاستقطاب الذي يطغى حاليا على المجتمع الأمريكي، ينبغي على الأمريكيين أن يتجنبوا إساءة استخدام اللغة الدينيّة ظنًّا منهم أنها تُضفي ثقلًا ويقينًا على سياساتهم، وعدم الانشغال بالنقاشات الدينيّة. بل يجب عليهم أن يتخلّصوا من القناع المُشتّت للانتباه الذي يُحيط بالدين، وأن يُناقشوا مزايا السياسة الكامنة وراءه.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك