على الرغم من أن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد رفعت شعارا أساسيا في سياستها الخارجية وهو إطفاء الحرائق وإنهاء الحروب والصراعات الدولية إلى درجة أن الرئيس ترامب أعلن أكثر من مرة انه قد نجح في إنهاء 8 حروب ويعمل على إنهاء بقية الصراعات في العالم، وعلى الرغم من كل ذلك فإن الإدارة الأمريكية حاصرت فنزويلا وطبقت عليها حصارا شاملاً في البحر والسماء وضربت سفنها وقواربها وناقلات النفط وانتقلت مع بداية العام الجديد إلى ضرب موانئها والتهديد بغزوها وقلب نظام الحكم الشرعي في هذا البلد، وقادت حملة شرسة غير مسبوقة سياسيا وإعلاميا واقتصاديا وعسكريا لإخضاع النظام السياسي اليساري وإجباره على التخلي عن الحكم والخروج من البلاد وتسليم السلطة الى المعارضة الموالية للولايات المتحدة الأمريكية خاصة والغرب عامة. وعليه فإن الحديث عن السلام والتصرف بغير منطقه يجعل شعارات الرئيس ترامب الذي صدع آذاننا بها متناقضة لدرجة كبيرة تجعله لا يختلف كثيرا عن سابقيه من الرؤساء الأمريكان الذين أشعلوا الحروب كجزء من استراتيجيتهم التي أدت في النهاية إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي الشرعي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما قسرا خارج فنزويلا وهي ممارسة غير شرعية مناقضة للقانون الدولي وسوف تكون سابقة غريبة ومنكرة بحيث يصبح اعتقال واختطاف رؤساء وزعماء الدول أمرا عاديا طالما أن القيادة الأمريكية ارتأت ذلك مشروعا وشرعيا.
فقد أعلن الرئيس ترامب منذ منتصف شهر ديسمبر الماضي حصارا بحريا شاملا على ناقلات النفط الفنزويلية ضمن العقوبات التي فرضها من جانب واحد ومنعها من مغادرة الموانئ الفنزويلية أو التوجه إليها وقد قرر الرئيس الأمريكي بكل بساطة أن النظام الفنزويلي منظمة إرهابية في تصعيد غير مبرر للضغط على الرئيس مادورو معتقدا أن مثل هذا الضغط سيؤدي إلى سقوط النظام بشكل آلي ومن دون مقاومة.
ومن الغريب خاصة محاولة فهم الأسباب التي أدت إلى اعتقال الرئيس مادورو من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ترتكز على 3 نقاط أساسية من المنظور الأمريكي لتبرير عملية الاعتقال هذه:
الأول: أن نظام مادورو اليساري معاد للولايات المتحدة الأمريكية وهذا أمر يخالف الواقع تماما، فأكثر من مرة نادى الرئيس مادورو باستعداد بلاده الدائم للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وعقد صفقات اقتصادية بما في ذلك ما يتعلق باستخراج واستغلال النفط الفنزويلي، ما يعني أن هذا القول هو مجرد سبب لإثارة الشعب الأمريكي وتبرير هذا الاعتقال غير المشروع في القانون الدولي.
الثاني: ان فنزويلا أصبحت مصدرا رئيسيا للمخدرات في أمريكا اللاتينية ولذلك برر الرئيس الأمريكي الضربات المتكررة على البوارج والزوارق البحرية الفنزويلية استنادا إلى الأوهام بأنها تحمل مخدرات في حين أن الواقع يختلف عن ذلك تماما، فأغلب المخدرات موجودة في كولومبيا تحديدا وتدخل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من نافذة أخرى غير فنزويلا خاصة أن الرئيس مادورو كرر أكثر من مرة استعداد بلاده للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة الاتجار بالمخدرات ومحاصرتها وضربها في أي مكان.
الثالث: ما يتعلق بالثروة النفطية عندما قامت الحكومة الفنزويلية بتأميم الصناعة النفطية حيث طالب الرئيس ترامب بما يسميه استعادة حقوق الشركات النفطية التي اضطرت للخروج من فنزويلا وبالفعل قامت القوات الأمريكية بمصادرة عدد من ناقلات النفط الفنزويلية من خلال عمل يشبه القرصنة البحرية واستخدام القوة العسكرية ضد سفن مدنية وأخذ شحناتها وإيقاف أطقمها وعليه اعتبرت فنزويلا ان ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية نوع من الاستعمار الجديد للسيطرة على ثرواتها من النفط والغاز والذهب، حيث تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفط في العالم.
إن هذا التوجه الأمريكي من شأنه بحسب معظم المحللين أن يزيد من التوترات في منطقة الكاريبي وبشكل خطير قد يؤدي إلى اندلاع حرب جديدة قد تشعل المنطقة كلها خاصة بعد حشد الولايات المتحدة الأمريكية والقوات الامريكية في البحر الكاريبي وضرب أكبر ميناء فنزويلي.
ومن الواضح أن السرديات الأمريكية في تبرير هذا الاعتقال لا تقنع أحداً حتى في الداخل الأمريكي ولا يمكن تصنيفه في منطق السياسة الدولية إلا خروجا عن القانون الدولي وتناقضا مع سعي الرئيس الأمريكي لإنهاء الحروب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك