يشهد المشهد الأمني بين أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي تحولًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، مع سعي الطرفين إلى تنويع شراكاتهما الدفاعية وتوسيع آفاق التعاون في ظل تزايد الشكوك حول الالتزامات الأمريكية طويلة الأمد بأمن المنطقة. ويعكس هذا التوجه رغبة مشتركة في بناء منظومة أكثر استقلالًا ومرونة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة.
في الآونة الأخيرة، تزايدت الشكوك بشأن موثوقية التزام إدارة ترامب -والولايات المتحدة عامة- طويل الأمد بأمن الشرق الأوسط، وخاصة دول الخليج العربي. وقد دفع ذلك المراقبين الإقليميين والغربيين إلى التساؤل عن كيفية تمكين دول المنطقة من تعزيز مصالحها الاستراتيجية واحتياجاتها الدفاعية على أفضل وجه.
وفي هذا السياق، أكدت كاتارزينا سيدلو، محللة شؤون الشرق الأوسط لدى معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، أن الاتحاد الأوروبي المكون من 27 دولة «لم يكن، ولا يطمح أن يكون، بديلاً عن الدور الأمني للولايات المتحدة في المنطقة»، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى تزايد «الزخم للتعاون متعدد الأطراف» خلال السنوات الأخيرة.
يتجلى هذا الزخم في تعزيز الروابط الدفاعية بين أوروبا والخليج العربي. وذكر د. جون كالابريس، زميل بارز في معهد الشرق الأوسط، أن اعتماد دول الخليج العربي طويل الأمد على الإمدادات الدفاعية الغربية أصبح يُنظر إليه داخل المنطقة على أنه «مسؤولية استراتيجية». كما استشهد ألبرت فيدال ريبي، محلل أبحاث الدفاع في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، بكيفية قيام الشركات الأوروبية بـ«دور تكميلي» في البنية الأمنية للخليج العربي، يتمثل في «دعم توطين الدفاع» وجذب الاستثمارات إلى «القاعدة الصناعية الدفاعية» في أوروبا.
وبفضل المكاسب المالية الواضحة للحكومات والشركات الأوروبية، التي تواجه نفسها تحديات عدم اعتماد إدارة ترامب على واشنطن لتلبية احتياجاتها الدفاعية طويلة الأمد، قام ريبي بتحليل كيف أن هذه «العلاقة المتغيرة» تعزز أيضًا «المرونة الاستراتيجية لدول مجلس التعاون الخليجي» في ظل مشهد إقليمي يسوده الشك والتنافس المتصاعد الذي قد يهدد سلاسل التوريد الموثوقة لأحدث أنظمة ومعدات الدفاع.
لم يقتصر تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الخليج العربي على الاتحاد الأوروبي فقط، إذ حظيت اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين المملكة العربية السعودية وباكستان في سبتمبر 2025 باهتمام واسع من المراقبين الغربيين، واعتبرتها إليونورا أديماني، الباحثة البارزة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، مؤشرًا على «تطور الحسابات الاستراتيجية» في المنطقة.
وعلى الرغم من المخاوف المتزايدة بشأن التزام واشنطن بأمن الخليج العربي بعد الهجمات التي شنتها إيران وإسرائيل على قطر صيف 2025، استجابت إدارة ترامب بضمانة أمنية موسعة للدولة، التي اعتبرها محللون غربيون بمثابة حماية مشابهة لما يُمنح لحلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي. وأشارت منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن هذا الالتزام «غير مسبوق لأي دولة عربية» ويربط أمن قطر مباشرة بمصالح الأمن القومي الأمريكي.
في المملكة المتحدة، وبعد انضمامها إلى اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل مع الولايات المتحدة والبحرين خلال عام 2024، وصفت كاسيدي ماكجولدريك من المجلس الأطلسي ذلك بأنه يعزز «نموذجًا جديدًا للتعاون الأمني المتعدد الأطراف في الشرق الأوسط». وفي نهاية أكتوبر 2025، وقعت الحكومة البريطانية اتفاقية دفاعية جديدة مع قطر لتعزيز التوافق في البر والجو والبحر، فيما أوضح وزير دفاعها جون هيلي أن هذه الخطوة تأتي في إطار «حملة حكومة السير كير ستارمر لإبرام صفقات دفاعية جديدة لتعزيز تحالفاتنا وصناعة الدفاع في المملكة المتحدة».
وعلى الصعيد السياسي، أكدت سيدلو أن إطلاق الاتحاد الأوروبي مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة الثنائية مع الإمارات في أبريل 2025 يمثل تحولًا في نهج القارة تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، نحو «استراتيجية أكثر مرونة». ومع ذلك، تظل العلاقات الأمنية مدعومة بـ«الحوار الأمني الإقليمي» لعام 2024، الذي أسهم في «إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، والتهديدات السيبرانية والهجينة، والاستجابات المشتركة للكوارث».
وعند تقييم حالة التعاون الأمني على جميع المستويات، بما في ذلك البحث والتطوير، تُظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن قطر كانت أكبر مشترٍ منفرد لصادرات الأسلحة البريطانية بين 2020 و2024 (28% من إجمالي الصادرات)، كما كانت ثاني أكبر مشترٍ للصادرات العسكرية الفرنسية بنسبة 9.7% من إجمالي باريس. ومن جهة أخرى، كانت المملكة العربية السعودية أكبر شريك لإسبانيا خلال الفترة نفسها، مستحوذة على 24% من صادراتها العسكرية، فيما جاءت 29% من واردات الكويت من الأسلحة من إيطاليا، و7.1% من فرنسا.
وأقرّ ريبي بسيطرة الإمدادات الأوروبية على دول الخليج العربي في المجال البحري، إذ تُظهر بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن أكثر من 72% من الفرقاطات والطرادات التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 2010 تُصنّع في أوروبا، مقابل 14% فقط مصدرها الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، وقّعت وزارة الدفاع السعودية في ديسمبر 2024 عقدًا مع شركة نافانتيا الإسبانية لبناء السفن لتوريد ثلاثة طرادات إضافية من طراز أفانتي 2200، تُضاف إلى الخمسة العاملة حاليًا لدى القوات البحرية الملكية السعودية.
وفي شرحه لتطور العلاقات الدفاعية بين أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 2018، أشار ريبي إلى أن هذه العلاقات تحوّلت من نموذجٍ يركّز على كون أوروبا مجرّد «مورد للأسلحة» إلى علاقة تقوم على «توطين إنتاج الأسلحة» داخل دول الخليج. وفي هذا الإطار، قدّم كالابريس تقييمًا لكيفية انخراط دول الخليج في هذه العملية، مشيرًا إلى أن الإمارات العربية المتحدة حققت تقدمًا سريعًا في بناء صناعة أسلحة محلية ضخمة ومتطورة تقنيًا، تميّزت بها على مستوى المنطقة من حيث نطاقها وسرعتها وطموحها التكنولوجي.
وأوضح كالابريس أن الشراكات الدولية مازالت عنصرًا محوريًا في نموذج الإمارات لتوطين الإنتاج الدفاعي، مستشهدًا بتوقيع مجلس التوازن الاقتصادي في أبوظبي أكثر من عشرين اتفاقية مع شركات دفاعية عالمية، من بينها رايثيون الأمريكية وبي إيه إي سيستمز البريطانية وتاليس الفرنسية.
ومع ذلك، تواجه الشركات الأوروبية في هذا المجال منافسة متزايدة من أطراف أخرى؛ إذ سجل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن استعداد كوريا الجنوبية لتقديم نقل التكنولوجيا، وتنظيم إنتاج محلي مشترك، وعقد شراكات مرنة سياسيًا، يجعلها بديلاً جذابًا لمورّدي المنطقة التقليديين.
وتُسهم العلاقات الدفاعية الوثيقة بين أوروبا والخليج العربي أيضًا في تعزيز الاستثمارات الخليجية في قطاع الدفاع الأوروبي. وقد أشار ريبي إلى أن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي زادت منذ عام 2022 من استثماراتها في المنظومة الدفاعية الأوروبية، وكانت مجموعة إدج الإماراتية أبرز اللاعبين في هذا المجال. وتركزت استثماراتها على شركات أوروبية صغيرة، من بينها أنافيا السويسرية المتخصصة في إنتاج الطائرات المروحية غير المأهولة، وميلريم روبوتيكس الإستونية التي تصنع المركبات البرية غير المأهولة، وزانزوتيرا الإيطالية المنتجة لمحركات المركبات الجوية غير المأهولة.
وللتدليل على أثر هذه الاستثمارات في تطوير البحث والتطوير الأوروبي، افتتحت شركة ميلريم في مايو 2024 منشآت جديدة زادت من طاقتها الإنتاجية إلى خمسة أضعاف، كما وسّعت شركة أنافيا عملياتها خلال عام 2025 بافتتاح مقر جديد ومركز للأبحاث.
وعند تحليل العلاقات الأمنية والدفاعية المتنامية بين أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي، من المهم وضعها ضمن السياق الأوسع لدور الولايات المتحدة المتواصل؛ فبين عامي 2020 و2024 استحوذت واشنطن على نحو 43% من إجمالي صادرات الأسلحة العالمية، ووفقًا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، كانت الصادرات الأمريكية هي المصدر الرئيسي للأسلحة في كل من السعودية (74%)، والإمارات (42%)، وقطر (48%)، والكويت (63%).
أما فيما يخص إمدادات الطائرات -بما في ذلك المقاتلات والطائرات الناقلة والمروحيات- فقد أوضح ريبي أن الولايات المتحدة تزوّد حاليًا بما يقارب ثلثي احتياجات دول الخليج، في حين تؤمن الدول الأوروبية مجتمعة الثلث المتبقي.
ورغم التساؤلات المتكررة حول مدى التزام واشنطن بأمن الخليج، فإن الصفقات الدفاعية الكبرى استمرت من دون تأثر؛ فقد وقّع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب مع الرياض في ولايته السابقة مايو 2017 اتفاقية دفاعية بقيمة 142 مليار دولار، وُصفت بأنها «أكبر صفقة مبيعات دفاعية في التاريخ».
ومع ذلك، فإن حجم صادرات الأسلحة الأمريكية إلى الخليج العربي لا يُغفل الدور المهم الذي يلعبه الموردون الأوروبيون؛ فقد أشار ريبي إلى أن هؤلاء الموردين يتيحون لحكومات ووزارات الدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي إمكانية اقتناء المنصات والأنظمة التي قد لا ترغب الولايات المتحدة في توفيرها أو لا تستطيع ذلك، كما أنهم يُسهّلون التعاون المباشر في تطوير التقنيات الدفاعية الجديدة.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، ترى سيدلو أن «العلاقة المتطورة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي» تعكس فرصًا وحدودًا للتعاون الاستراتيجي في عالم سريع التغير، حيث يتمثل التحدي الأساسي في الموازنة بين تفضيل القادة الأوروبيين للأطر المتعددة الأطراف، وميل دول الخليج إلى النهج المرن القائم على قيادة الدولة.
وحذّرت سيدلو من أن الانقسامات الداخلية في الاتحاد الأوروبي، الناتجة عن تضارب المصالح الوطنية، وتصاعد التيارات الشعبوية اليمينية، والاستقطاب السياسي، تحد في نهاية المطاف من قدرة القارة على التحرك كفاعل استراتيجي موحد. وفي ضوء ذلك، تطوّرت العلاقات الأمنية لأوروبا مع الخليج العربي من خلال القنوات الثنائية والمفاوضات المباشرة مع الشركات الدفاعية الأوروبية، بما يخدم مصالح دول مجلس التعاون الخليجي.
وأشار كالابريس إلى أن علاقات هذه الدول مع أوروبا، إلى جانب التعاون مع مورّدين آخرين مثل الصين والبرازيل وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، تمثل نهجًا عمليًا لتنويع الشراكات الدفاعية عبر قطاعات غربية وغير غربية.
ويتضح أن التعاون الأمني الأوروبي الخليجي بات ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي، رغم ما يواجهه من قيود سياسية وتباينات في المصالح. ومع استمرار التغيرات في موازين القوى العالمية، يبقى تعزيز هذا التعاون خيارًا استراتيجيًا يحقق للطرفين مكاسب متبادلة على صعيد الأمن والتنمية والاستقلال الاستراتيجي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك