العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

بين واشنطن وبروكسل.. ملامح التحول في العلاقات الدفاعية الخليجية الأوروبية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

السبت ١٠ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

يشهد‭ ‬المشهد‭ ‬الأمني‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬ودول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬تحولًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مع‭ ‬سعي‭ ‬الطرفين‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬شراكاتهما‭ ‬الدفاعية‭ ‬وتوسيع‭ ‬آفاق‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬الشكوك‭ ‬حول‭ ‬الالتزامات‭ ‬الأمريكية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬بأمن‭ ‬المنطقة‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬رغبة‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالًا‭ ‬ومرونة‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬المتسارعة‭.‬

في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تزايدت‭ ‬الشكوك‭ ‬بشأن‭ ‬موثوقية‭ ‬التزام‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ -‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عامة‭- ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬بأمن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وخاصة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬وقد‭ ‬دفع‭ ‬ذلك‭ ‬المراقبين‭ ‬الإقليميين‭ ‬والغربيين‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬تمكين‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬مصالحها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬واحتياجاتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬على‭ ‬أفضل‭ ‬وجه‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أكدت‭ ‬كاتارزينا‭ ‬سيدلو،‭ ‬محللة‭ ‬شؤون‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لدى‭ ‬معهد‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬للدراسات‭ ‬الأمنية،‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬المكون‭ ‬من‭ ‬27‭ ‬دولة‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يكن،‭ ‬ولا‭ ‬يطمح‭ ‬أن‭ ‬يكون،‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬الأمني‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬أشارت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬تزايد‭ ‬‮«‬الزخم‭ ‬للتعاون‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

يتجلى‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الروابط‭ ‬الدفاعية‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬والخليج‭ ‬العربي‭. ‬وذكر‭ ‬د‭. ‬جون‭ ‬كالابريس،‭ ‬زميل‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬أن‭ ‬اعتماد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬على‭ ‬الإمدادات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الغربية‭ ‬أصبح‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬داخل‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬مسؤولية‭ ‬استراتيجية‮»‬‭. ‬كما‭ ‬استشهد‭ ‬ألبرت‭ ‬فيدال‭ ‬ريبي،‭ ‬محلل‭ ‬أبحاث‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬بكيفية‭ ‬قيام‭ ‬الشركات‭ ‬الأوروبية‭ ‬بـ«دور‭ ‬تكميلي‮»‬‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الأمنية‭ ‬للخليج‭ ‬العربي،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬‮«‬دعم‭ ‬توطين‭ ‬الدفاع‮»‬‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬القاعدة‭ ‬الصناعية‭ ‬الدفاعية‮»‬‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

وبفضل‭ ‬المكاسب‭ ‬المالية‭ ‬الواضحة‭ ‬للحكومات‭ ‬والشركات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬نفسها‭ ‬تحديات‭ ‬عدم‭ ‬اعتماد‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭ ‬لتلبية‭ ‬احتياجاتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬قام‭ ‬ريبي‭ ‬بتحليل‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬العلاقة‭ ‬المتغيرة‮»‬‭ ‬تعزز‭ ‬أيضًا‭ ‬‮«‬المرونة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‮»‬‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مشهد‭ ‬إقليمي‭ ‬يسوده‭ ‬الشك‭ ‬والتنافس‭ ‬المتصاعد‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يهدد‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬الموثوقة‭ ‬لأحدث‭ ‬أنظمة‭ ‬ومعدات‭ ‬الدفاع‭.‬

لم‭ ‬يقتصر‭ ‬تعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬فقط،‭ ‬إذ‭ ‬حظيت‭ ‬اتفاقية‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬الموقعة‭ ‬بين‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬وباكستان‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025‭ ‬باهتمام‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬الغربيين،‭ ‬واعتبرتها‭ ‬إليونورا‭ ‬أديماني،‭ ‬الباحثة‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬الإيطالي‭ ‬للدراسات‭ ‬السياسية‭ ‬الدولية،‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬‮«‬تطور‭ ‬الحسابات‭ ‬الاستراتيجية‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬المتزايدة‭ ‬بشأن‭ ‬التزام‭ ‬واشنطن‭ ‬بأمن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بعد‭ ‬الهجمات‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬على‭ ‬قطر‭ ‬صيف‭ ‬2025،‭ ‬استجابت‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بضمانة‭ ‬أمنية‭ ‬موسعة‭ ‬للدولة،‭ ‬التي‭ ‬اعتبرها‭ ‬محللون‭ ‬غربيون‭ ‬بمثابة‭ ‬حماية‭ ‬مشابهة‭ ‬لما‭ ‬يُمنح‭ ‬لحلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭. ‬وأشارت‭ ‬منى‭ ‬يعقوبيان،‭ ‬مديرة‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والدولية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬‮«‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬عربية‮»‬‭ ‬ويربط‭ ‬أمن‭ ‬قطر‭ ‬مباشرة‭ ‬بمصالح‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭.‬

في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬وبعد‭ ‬انضمامها‭ ‬إلى‭ ‬اتفاقية‭ ‬التكامل‭ ‬الأمني‭ ‬والازدهار‭ ‬الشامل‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والبحرين‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬وصفت‭ ‬كاسيدي‭ ‬ماكجولدريك‭ ‬من‭ ‬المجلس‭ ‬الأطلسي‭ ‬ذلك‭ ‬بأنه‭ ‬يعزز‭ ‬‮«‬نموذجًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للتعاون‭ ‬الأمني‭ ‬المتعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬وقعت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬اتفاقية‭ ‬دفاعية‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬قطر‭ ‬لتعزيز‭ ‬التوافق‭ ‬في‭ ‬البر‭ ‬والجو‭ ‬والبحر،‭ ‬فيما‭ ‬أوضح‭ ‬وزير‭ ‬دفاعها‭ ‬جون‭ ‬هيلي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬حملة‭ ‬حكومة‭ ‬السير‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬لإبرام‭ ‬صفقات‭ ‬دفاعية‭ ‬جديدة‭ ‬لتعزيز‭ ‬تحالفاتنا‭ ‬وصناعة‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‮»‬‭.‬

وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬السياسي،‭ ‬أكدت‭ ‬سيدلو‭ ‬أن‭ ‬إطلاق‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مفاوضات‭ ‬اتفاقية‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬الثنائية‭ ‬مع‭ ‬الإمارات‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2025‭ ‬يمثل‭ ‬تحولًا‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬القارة‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬استراتيجية‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمنية‭ ‬مدعومة‭ ‬بـ«الحوار‭ ‬الأمني‭ ‬الإقليمي‮»‬‭ ‬لعام‭ ‬2024،‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬‮«‬إضفاء‭ ‬الطابع‭ ‬المؤسسي‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬والأمن‭ ‬البحري،‭ ‬والتهديدات‭ ‬السيبرانية‭ ‬والهجينة،‭ ‬والاستجابات‭ ‬المشتركة‭ ‬للكوارث‮»‬‭.‬

وعند‭ ‬تقييم‭ ‬حالة‭ ‬التعاون‭ ‬الأمني‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬تُظهر‭ ‬بيانات‭ ‬معهد‭ ‬ستوكهولم‭ ‬الدولي‭ ‬لأبحاث‭ ‬السلام‭ ‬أن‭ ‬قطر‭ ‬كانت‭ ‬أكبر‭ ‬مشترٍ‭ ‬منفرد‭ ‬لصادرات‭ ‬الأسلحة‭ ‬البريطانية‭ ‬بين‭ ‬2020‭ ‬و2024‭ (‬28%‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الصادرات‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬مشترٍ‭ ‬للصادرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الفرنسية‭ ‬بنسبة‭ ‬9.7%‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬باريس‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬كانت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬أكبر‭ ‬شريك‭ ‬لإسبانيا‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬مستحوذة‭ ‬على‭ ‬24‭% ‬من‭ ‬صادراتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬فيما‭ ‬جاءت‭ ‬29‭% ‬من‭ ‬واردات‭ ‬الكويت‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬من‭ ‬إيطاليا،‭ ‬و7‭.‬1‭% ‬من‭ ‬فرنسا‭.‬

وأقرّ‭ ‬ريبي‭ ‬بسيطرة‭ ‬الإمدادات‭ ‬الأوروبية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬البحري،‭ ‬إذ‭ ‬تُظهر‭ ‬بيانات‭ ‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬72‭% ‬من‭ ‬الفرقاطات‭ ‬والطرادات‭ ‬التابعة‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬تُصنّع‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬مقابل‭ ‬14‭% ‬فقط‭ ‬مصدرها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬وقّعت‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2024‭ ‬عقدًا‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬نافانتيا‭ ‬الإسبانية‭ ‬لبناء‭ ‬السفن‭ ‬لتوريد‭ ‬ثلاثة‭ ‬طرادات‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬أفانتي‭ ‬2200،‭ ‬تُضاف‭ ‬إلى‭ ‬الخمسة‭ ‬العاملة‭ ‬حاليًا‭ ‬لدى‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬السعودية‭.‬

وفي‭ ‬شرحه‭ ‬لتطور‭ ‬العلاقات‭ ‬الدفاعية‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬ودول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬أشار‭ ‬ريبي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬تحوّلت‭ ‬من‭ ‬نموذجٍ‭ ‬يركّز‭ ‬على‭ ‬كون‭ ‬أوروبا‭ ‬مجرّد‭ ‬‮«‬مورد‭ ‬للأسلحة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬‮«‬توطين‭ ‬إنتاج‭ ‬الأسلحة‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬قدّم‭ ‬كالابريس‭ ‬تقييمًا‭ ‬لكيفية‭ ‬انخراط‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬حققت‭ ‬تقدمًا‭ ‬سريعًا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬صناعة‭ ‬أسلحة‭ ‬محلية‭ ‬ضخمة‭ ‬ومتطورة‭ ‬تقنيًا،‭ ‬تميّزت‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬نطاقها‭ ‬وسرعتها‭ ‬وطموحها‭ ‬التكنولوجي‭.‬

وأوضح‭ ‬كالابريس‭ ‬أن‭ ‬الشراكات‭ ‬الدولية‭ ‬مازالت‭ ‬عنصرًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬الإمارات‭ ‬لتوطين‭ ‬الإنتاج‭ ‬الدفاعي،‭ ‬مستشهدًا‭ ‬بتوقيع‭ ‬مجلس‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬أبوظبي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬اتفاقية‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬دفاعية‭ ‬عالمية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬رايثيون‭ ‬الأمريكية‭ ‬وبي‭ ‬إيه‭ ‬إي‭ ‬سيستمز‭ ‬البريطانية‭ ‬وتاليس‭ ‬الفرنسية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تواجه‭ ‬الشركات‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬منافسة‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬أخرى؛‭ ‬إذ‭ ‬سجل‭ ‬معهد‭ ‬واشنطن‭ ‬لسياسة‭ ‬الشرق‭ ‬الأدنى‭ ‬أن‭ ‬استعداد‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬لتقديم‭ ‬نقل‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وتنظيم‭ ‬إنتاج‭ ‬محلي‭ ‬مشترك،‭ ‬وعقد‭ ‬شراكات‭ ‬مرنة‭ ‬سياسيًا،‭ ‬يجعلها‭ ‬بديلاً‭ ‬جذابًا‭ ‬لمورّدي‭ ‬المنطقة‭ ‬التقليديين‭.‬

وتُسهم‭ ‬العلاقات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الوثيقة‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬والخليج‭ ‬العربي‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الدفاع‭ ‬الأوروبي‭. ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬ريبي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حكومات‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬زادت‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬من‭ ‬استثماراتها‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الدفاعية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وكانت‭ ‬مجموعة‭ ‬إدج‭ ‬الإماراتية‭ ‬أبرز‭ ‬اللاعبين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬وتركزت‭ ‬استثماراتها‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬أوروبية‭ ‬صغيرة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أنافيا‭ ‬السويسرية‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الطائرات‭ ‬المروحية‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬وميلريم‭ ‬روبوتيكس‭ ‬الإستونية‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬المركبات‭ ‬البرية‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬وزانزوتيرا‭ ‬الإيطالية‭ ‬المنتجة‭ ‬لمحركات‭ ‬المركبات‭ ‬الجوية‭ ‬غير‭ ‬المأهولة‭.‬

وللتدليل‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬الأوروبي،‭ ‬افتتحت‭ ‬شركة‭ ‬ميلريم‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2024‭ ‬منشآت‭ ‬جديدة‭ ‬زادت‭ ‬من‭ ‬طاقتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬أضعاف،‭ ‬كما‭ ‬وسّعت‭ ‬شركة‭ ‬أنافيا‭ ‬عملياتها‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬بافتتاح‭ ‬مقر‭ ‬جديد‭ ‬ومركز‭ ‬للأبحاث‭.‬

وعند‭ ‬تحليل‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمنية‭ ‬والدفاعية‭ ‬المتنامية‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬ودول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬وضعها‭ ‬ضمن‭ ‬السياق‭ ‬الأوسع‭ ‬لدور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المتواصل؛‭ ‬فبين‭ ‬عامي‭ ‬2020‭ ‬و2024‭ ‬استحوذت‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬43%‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬صادرات‭ ‬الأسلحة‭ ‬العالمية،‭ ‬ووفقًا‭ ‬لبيانات‭ ‬معهد‭ ‬ستوكهولم‭ ‬الدولي‭ ‬لأبحاث‭ ‬السلام‭ (‬سيبري‭)‬،‭ ‬كانت‭ ‬الصادرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬هي‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للأسلحة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬السعودية‭ (‬74%‭)‬،‭ ‬والإمارات‭ (‬42%‭)‬،‭ ‬وقطر‭ (‬48%‭)‬،‭ ‬والكويت‭ (‬63%‭).‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬إمدادات‭ ‬الطائرات‭ -‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المقاتلات‭ ‬والطائرات‭ ‬الناقلة‭ ‬والمروحيات‭- ‬فقد‭ ‬أوضح‭ ‬ريبي‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تزوّد‭ ‬حاليًا‭ ‬بما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلثي‭ ‬احتياجات‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تؤمن‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬مجتمعة‭ ‬الثلث‭ ‬المتبقي‭.‬

ورغم‭ ‬التساؤلات‭ ‬المتكررة‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬التزام‭ ‬واشنطن‭ ‬بأمن‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬الصفقات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الكبرى‭ ‬استمرت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تأثر؛‭ ‬فقد‭ ‬وقّع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬مع‭ ‬الرياض‭ ‬في‭ ‬ولايته‭ ‬السابقة‭ ‬مايو‭ ‬2017‭ ‬اتفاقية‭ ‬دفاعية‭ ‬بقيمة‭ ‬142‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وُصفت‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬صفقة‭ ‬مبيعات‭ ‬دفاعية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‮»‬‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬حجم‭ ‬صادرات‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يُغفل‭ ‬الدور‭ ‬المهم‭ ‬الذي‭ ‬يلعبه‭ ‬الموردون‭ ‬الأوروبيون؛‭ ‬فقد‭ ‬أشار‭ ‬ريبي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الموردين‭ ‬يتيحون‭ ‬لحكومات‭ ‬ووزارات‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬إمكانية‭ ‬اقتناء‭ ‬المنصات‭ ‬والأنظمة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬توفيرها‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬ذلك،‭ ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬يُسهّلون‭ ‬التعاون‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التقنيات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الجديدة‭.‬

وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬ترى‭ ‬سيدلو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العلاقة‭ ‬المتطورة‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬ومجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‮»‬‭ ‬تعكس‭ ‬فرصًا‭ ‬وحدودًا‭ ‬للتعاون‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬سريع‭ ‬التغير،‭ ‬حيث‭ ‬يتمثل‭ ‬التحدي‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬تفضيل‭ ‬القادة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬للأطر‭ ‬المتعددة‭ ‬الأطراف،‭ ‬وميل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬النهج‭ ‬المرن‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬الدولة‭.‬

وحذّرت‭ ‬سيدلو‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الانقسامات‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬التيارات‭ ‬الشعبوية‭ ‬اليمينية،‭ ‬والاستقطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬تحد‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬القارة‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬كفاعل‭ ‬استراتيجي‭ ‬موحد‭. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬تطوّرت‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمنية‭ ‬لأوروبا‭ ‬مع‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القنوات‭ ‬الثنائية‭ ‬والمفاوضات‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬الشركات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭.‬

وأشار‭ ‬كالابريس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬علاقات‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مع‭ ‬أوروبا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬مورّدين‭ ‬آخرين‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬والبرازيل‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تمثل‭ ‬نهجًا‭ ‬عمليًا‭ ‬لتنويع‭ ‬الشراكات‭ ‬الدفاعية‭ ‬عبر‭ ‬قطاعات‭ ‬غربية‭ ‬وغير‭ ‬غربية‭.‬

ويتضح‭ ‬أن‭ ‬التعاون‭ ‬الأمني‭ ‬الأوروبي‭ ‬الخليجي‭ ‬بات‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يواجهه‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬سياسية‭ ‬وتباينات‭ ‬في‭ ‬المصالح‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬التغيرات‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬العالمية،‭ ‬يبقى‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬خيارًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬يحقق‭ ‬للطرفين‭ ‬مكاسب‭ ‬متبادلة‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الأمن‭ ‬والتنمية‭ ‬والاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا