زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وللبقوليات جنون
عندما كان السودان بلدا واعدا، حظينا فيه بتعليم نوعي، وتولت حكومته أمر تعليمي وسكني وطعامي من المرحلة المتوسطة حتى الجامعية، وفي جامعة الخرطوم لم أكن أفوِّت وجبة غداء يوم الأربعاء، لأن الإدام فيها كان معشوقتي، الفاصوليا البيضاء، وختامها «باسطة» التي يسميها غيرنا بقلاوة.
عشت في بريطانيا حينا من الدهر موزعا على عقدين مختلفين، وزرتها نحو سبع مرات، وبحمد الله أفلت خلال زياراتي المتكررة لها من كيد أبقارها المجنونة، (وفي زمن العجائب صار الجنون يصيب البهائم ويجعل لحمها ساماً). وكنت على الدوام أعتقد أنني أستطيع ممارسة حرية الاستطعام من دون قيد أو شرط، ولكن الصحف خرجت علينا مؤخرا بنبأ عجيب: عدة أشخاص لقوا حتفهم في نيجيريا بعد أن تنالوا فاصوليا اتضح أنها «مجنونة»، ودليل جنونها أنها عند الطبخ تصدر رائحة «نفطية». ماذا أصاب هذا العالم؟ هل من المستبعد أن تصدر هيئة الصحة العالمية بياناً تحذر فيه من تناول البطيخ لأنه يعاني من «الإمساك» أو تنصحنا بتجنب الموز لأنه مصاب بـ«الاكتئاب»؟ وإياكم والطماطم لأن لونه الأحمر ناجم عن إصابته بالبواسير؟ تصوروا ما سيلحق بالعالم العربي إذا تردد أن الأرز الآسيوي مصاب بالإيدز، وأن القمح الأمريكي يعاني من الزهايمر؟ كل شيء ممكن، طالما أن الأبقار والفاصوليا صارت تصاب بالجنون. وقد تردد قبل بضع سنوات أن أعراض الجنون ظهرت على بعض الحمير في أنحاء مختلفة من العالم! أي هراء هذا؟ كيف يصاب الحمار بالجنون وهو أساساً «حمار»؟ يعني ناقص عقل وفهم. والجمل والناقة والبعير والإبل والهجن أيضاً غير قابلة للجنون، فهي أغبى من أن تنفعل بشيء أو تأتي برد فعل. ولكن كله «كوم» والفاصوليا كوم آخر، فقد توقفت عن تعاطي الفول المصري «المدمس» لأنه «يدمس» الجهاز العصبي، ولأن إدمانه يسبب فقدان الذاكرة المؤقت، وقد عثر العلماء أخيراً على ورقة بردي تفيد بأن حكام وادي النيل القدماء شجعوا شعوبهم على أكل الفول صباحاً ومساء لتبقى حواسهم معطلة معظم ساعات اليوم، وهناك أدلة علمية بأن الحضارة المصرية القديمة انتكست عندما حاول بعض الحكام اكتساب «الشعبية» بمجاراة الشعب في أكل الفول!! على كل حال كان لابد من تطليق الفول للأسباب آنفة الذكر، ولكن وبما أن الفول يدخل في التركيبة الكيميائية للإنسان السوداني، فقد لجأت إلى الفاصوليا كبديل للفول.. ونِعْم البديل!! فإذا كان الفول يسبب النعاس، فالفاصوليا عكسه تماماً، فما أن تتناولها وتستقر في بطنك حتى تبدأ حباتها، (أي الفاصوليا) في القفز والنط، وتختلج جدران البطن، حتى ليُخيَّل إليك أن حبات الفاصوليا تحولت إلى بهلوانات سيرك! فلولا قيام الفاصوليا بذلك الدور «التنبيهي» لما نجح فقراء العالم الثالث في الإبقاء على عيونهم مفتوحة لرصد البلاوي التي ترتكبها حكوماتهم من أجل رفاهيتهم ورقيهم وازدهارهم، فإذا كان النازي غورنغ قد قال إنه يتحسس مسدسه كلما سمع بكلمة «ثقافة» فإن حكام العالم الثالث يتحسسون مفاتيح «الزنازين» إذا شاهدوا حبة فاصوليا على شاشة التلفزيون (مثلاً). ولا شك عندي في أن الفاصوليا النيجيرية فقدت عقلها بفعل فاعل. فالفاصوليا مشهود لها بالصلابة والقوة ولا يمكن أن تفقد عقلها إلا تحت التعذيب الشديد.
إن شعوب العالم الثالث تتعرض إلى مؤامرة غريبة. هذه الشعوب عادة تأكل «الزلط» من دون أن تصاب بالإمساك. وجميع المعلبات واللحوم المجمدة التي تستوردها الدول الفقيرة منتهية الصلاحية، وفاسدة بالمعايير الأوروبية، ولكن شعوبها تأكلها هنيئاً مريئاً من دون شكوى أو ململة. يعني إصابة الأغذية بالأوبئة وتلوثها بالبكتيريا والكيميائيات ليست مشكلة، ولكن أن تصاب باضطرابات عقلية فتلك مصيبة، فالفاصوليا تتصرف داخل البطن وهي في كامل قواها العقلية وكأنها في «كرنفال»، فكيف يكون حالها وسلوكها وهي تعاني من الجنون! ألا يكفينا الفاليوم اللفظي الذي تصرفه لنا أجهزة الإعلام الرسمية، حتى نتعاطاه أقراصاً مع الأكل لتهدئة الفاصوليا؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك