منذ خمسينيات القرن الماضي، شكَّلت الجمعيات النسائية في البحرين جزءًا أصيلا من حركة المجتمع نحو التعليم والوعي والمشاركة العامة. عبر هذه الجمعيات، تبلور حضورا نسائيا رائدا حمل قضايا الناس وأسهم في بناء مراحل التحول الاجتماعي، في زمن لم تكن فيه المسارات ممهدة ولا الفرص متاحة كما هي اليوم.
تلك المرحلة اتسمت بكثير من الصعوبات، غير أن إصرار النساء البحرينيات جعل من العمل الأهلي النسائي نواة لنهضة امتد أثرها عبر العقود. وبعد أكثر من سبعين عاما، تبقى هذه التجربة علامة مضيئة في تاريخ البحرين، وتدعونا إلى التأمل في كيفية الحفاظ على استمراريتها بما ينسجم مع روح الزمن وتطلعات الأجيال الجديدة.
وعند الحديث عن بدايات هذا المسار، تحضر أسماء الجمعيات النسائية الأولى التي رسَّخت مفهوم العمل الأهلي المنظم في البحرين. من بينها جمعية رعاية الطفل والأمومة التي تأسست عام 1953 وأسهمت في الارتقاء بالأسرة والطفل، وجمعية نهضة فتاة البحرين التي تأسست عام 1955 وكانت من أوائل المنصات التي أتاحت للمرأة البحرينية المشاركة المجتمعية، إضافة إلى الجمعية النسائية الدولية التي ظهرت عام 1974 وجمعت النساء البحرينيات والمقيمات في إطار إنساني واجتماعي مشترك.
هذه النماذج تعبّر عن تجربة بحرينية طويلة تعكس وعي المرأة ومسؤوليتها تجاه مجتمعها، وتبقى شاهدا على جهد وطني نسائي متواصل لم ينقطع.
خلال مشاركتي في أنشطة إحدى الجمعيات النسائية العريقة، شعرت بامتنان عميق لتجربة جيل نسائي قدّم الكثير في صمت، جيل ما زال يواصل العمل بروح حاضرة رغم مرور السنين. كانت اللقاءات مشبعة بالذكريات والمواقف التي تختصر تاريخا من العطاء المتراكم.
في الوقت ذاته، لفت انتباهي غياب الوجوه الشابة، حيث بدت أغلب الحاضرات من جيل عاش التجربة منذ بداياتها. توقفت عند هذا المشهد بتساؤل هادئ نابع من الحرص على بقاء المسيرة متصلة لا متقطعة، فالعطاء الإنساني لا يرتبط بعمر محدد، لكنه يحتاج دائما إلى من يواصل حمله.
من خلال ما لمسته، بدا واضحا أن ابتعاد الشابات عن الجمعيات لا يعكس ضعف الرغبة في التطوع أو العمل المجتمعي. فحضورهن في المبادرات البيئية والريادية والثقافية يؤكد وعيا اجتماعيا نشطا، مع اختلاف في الشكل الذي يفضلنه للمشاركة.
تميل الشابات اليوم إلى المبادرات السريعة، والمشروعات المرنة قصيرة المدى، والمنصات الرقمية التي تمنح مساحة أوسع للحركة والتعبير. في المقابل، لا تزال بعض البنى التقليدية داخل الجمعيات تعتمد أساليب عمل لا تنسجم مع إيقاع هذا الجيل أو أدواته اليومية، وهو ما يقلل من جاذبيتها لهن.
يرتبط هذا التحول أيضا بتغير مفهوم الانتماء ذاته. فالشابة قد تسهم في حملة إنسانية عبر منصة رقمية، وتترك أثرا واسعا دون أن تكون عضوا في جمعية. هذه التحولات لا تنتقص من قيمة الجمعيات النسائية، لكنها تفرض إعادة النظر في أدوات التواصل وأساليب الاحتواء بما يفتح مساحات جديدة للمشاركة.
إن تجديد حضور الشابات داخل الجمعيات لا يتطلب تغييرات جذرية، وإنما مقاربة مختلفة في طريقة العمل والتفاعل. الجمعيات التي اعتادت اللقاءات المباشرة والأنشطة الاجتماعية قادرة اليوم على الانفتاح على أدوات أكثر حداثة، من دون التخلي عن هويتها أو رسالتها.
قد يبدأ ذلك بتشكيل فرق عمل شبابية تُمنح مساحة حقيقية لاقتراح المبادرات وتنفيذها، أو عبر شراكات مع الجامعات والمدارس تتيح للطالبات خوض تجربة التطوع المنظم في بيئة مرنة. كما يمكن لبعض الأنشطة أن تتحول إلى مشاريع رقمية تفاعلية توثق الجهود وتُظهر أثرها بوضوح، بما يجعل التجربة أقرب إلى وعي الجيل الجديد وتوقعاته.
الحديث عن التطوير لا يعني القطيعة مع الجيل الذي أسس هذه الجمعيات، وإنما يمثل امتدادا طبيعيا لمسيرة بدأت بنساء حملن رسالة الوطن بإخلاص. فالتجربة التي لا تتجدد تفقد قدرتها على الاستمرار، والتجديد الواعي يحفظ الجذور ويمنحها فرصا جديدة للحياة.
في كل جمعية، يمكن للخبرة المتراكمة أن تلتقي الحيوية الشابة على أرض مشتركة، حيث تعرف الأولى الطريق، وتبحث الثانية عن أفق أوسع. عند هذه النقطة، تتحول الاستمرارية إلى فعل واعٍ لا إلى تكرار شكلي.
يبقى العمل النسائي الأهلي في البحرين أحد أجمل تجليات الوعي الوطني، لأنه نشأ من إرادة صادقة هدفت إلى خدمة المجتمع وصون كرامته. والجيل الذي أسس هذه الجمعيات لم يترك مباني أو أنظمة فقط، وإنما أورث معنى المسؤولية والمبادرة.
واليوم، وقد تبدّلت الأدوات وتغيّر الإيقاع، فإن الحفاظ على هذه المسيرة بروح جديدة يظل أصدق وفاء لذلك الجيل، وأقرب طريق لاستمرار رسالة آمنت بدور المرأة في خدمة وطنها ومجتمعها.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك