العدد : ١٧٤٥٨ - الجمعة ٠٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٥٨ - الجمعة ٠٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رجب ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

العمل النسائي الأهلي في البحرين.. كيف نبقي التجربة حية؟

بقلم: نبيلة رجب

الخميس ٠٨ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬شكَّلت‭ ‬الجمعيات‭ ‬النسائية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلا‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬المجتمع‭ ‬نحو‭ ‬التعليم‭ ‬والوعي‭ ‬والمشاركة‭ ‬العامة‭. ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الجمعيات،‭ ‬تبلور‭ ‬حضورا‭ ‬نسائيا‭ ‬رائدا‭ ‬حمل‭ ‬قضايا‭ ‬الناس‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مراحل‭ ‬التحول‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيه‭ ‬المسارات‭ ‬ممهدة‭ ‬ولا‭ ‬الفرص‭ ‬متاحة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭.‬

تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬اتسمت‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الصعوبات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬إصرار‭ ‬النساء‭ ‬البحرينيات‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الأهلي‭ ‬النسائي‭ ‬نواة‭ ‬لنهضة‭ ‬امتد‭ ‬أثرها‭ ‬عبر‭ ‬العقود‭. ‬وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬عاما،‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬علامة‭ ‬مضيئة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين،‭ ‬وتدعونا‭ ‬إلى‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمراريتها‭ ‬بما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬الزمن‭ ‬وتطلعات‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭.‬

وعند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬بدايات‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬تحضر‭ ‬أسماء‭ ‬الجمعيات‭ ‬النسائية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬رسَّخت‭ ‬مفهوم‭ ‬العمل‭ ‬الأهلي‭ ‬المنظم‭ ‬في‭ ‬البحرين‭. ‬من‭ ‬بينها‭ ‬جمعية‭ ‬رعاية‭ ‬الطفل‭ ‬والأمومة‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬1953‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬الارتقاء‭ ‬بالأسرة‭ ‬والطفل،‭ ‬وجمعية‭ ‬نهضة‭ ‬فتاة‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬1955‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬المنصات‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬للمرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬المشاركة‭ ‬المجتمعية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الجمعية‭ ‬النسائية‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬عام‭ ‬1974‭ ‬وجمعت‭ ‬النساء‭ ‬البحرينيات‭ ‬والمقيمات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬إنساني‭ ‬واجتماعي‭ ‬مشترك‭.‬

هذه‭ ‬النماذج‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬بحرينية‭ ‬طويلة‭ ‬تعكس‭ ‬وعي‭ ‬المرأة‭ ‬ومسؤوليتها‭ ‬تجاه‭ ‬مجتمعها،‭ ‬وتبقى‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬جهد‭ ‬وطني‭ ‬نسائي‭ ‬متواصل‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭.‬

خلال‭ ‬مشاركتي‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬إحدى‭ ‬الجمعيات‭ ‬النسائية‭ ‬العريقة،‭ ‬شعرت‭ ‬بامتنان‭ ‬عميق‭ ‬لتجربة‭ ‬جيل‭ ‬نسائي‭ ‬قدّم‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬جيل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يواصل‭ ‬العمل‭ ‬بروح‭ ‬حاضرة‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬السنين‭. ‬كانت‭ ‬اللقاءات‭ ‬مشبعة‭ ‬بالذكريات‭ ‬والمواقف‭ ‬التي‭ ‬تختصر‭ ‬تاريخا‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬المتراكم‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬غياب‭ ‬الوجوه‭ ‬الشابة،‭ ‬حيث‭ ‬بدت‭ ‬أغلب‭ ‬الحاضرات‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬عاش‭ ‬التجربة‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭. ‬توقفت‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬بتساؤل‭ ‬هادئ‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬بقاء‭ ‬المسيرة‭ ‬متصلة‭ ‬لا‭ ‬متقطعة،‭ ‬فالعطاء‭ ‬الإنساني‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بعمر‭ ‬محدد،‭ ‬لكنه‭ ‬يحتاج‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يواصل‭ ‬حمله‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬لمسته،‭ ‬بدا‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ ‬ابتعاد‭ ‬الشابات‭ ‬عن‭ ‬الجمعيات‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬ضعف‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬التطوع‭ ‬أو‭ ‬العمل‭ ‬المجتمعي‭. ‬فحضورهن‭ ‬في‭ ‬المبادرات‭ ‬البيئية‭ ‬والريادية‭ ‬والثقافية‭ ‬يؤكد‭ ‬وعيا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬نشطا،‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ ‬يفضلنه‭ ‬للمشاركة‭.‬

تميل‭ ‬الشابات‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬المبادرات‭ ‬السريعة،‭ ‬والمشروعات‭ ‬المرنة‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى،‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للحركة‭ ‬والتعبير‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بعض‭ ‬البنى‭ ‬التقليدية‭ ‬داخل‭ ‬الجمعيات‭ ‬تعتمد‭ ‬أساليب‭ ‬عمل‭ ‬لا‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬إيقاع‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬أو‭ ‬أدواته‭ ‬اليومية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬جاذبيتها‭ ‬لهن‭.‬

يرتبط‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أيضا‭ ‬بتغير‭ ‬مفهوم‭ ‬الانتماء‭ ‬ذاته‭. ‬فالشابة‭ ‬قد‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬حملة‭ ‬إنسانية‭ ‬عبر‭ ‬منصة‭ ‬رقمية،‭ ‬وتترك‭ ‬أثرا‭ ‬واسعا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عضوا‭ ‬في‭ ‬جمعية‭. ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬لا‭ ‬تنتقص‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الجمعيات‭ ‬النسائية،‭ ‬لكنها‭ ‬تفرض‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬التواصل‭ ‬وأساليب‭ ‬الاحتواء‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬مساحات‭ ‬جديدة‭ ‬للمشاركة‭.‬

إن‭ ‬تجديد‭ ‬حضور‭ ‬الشابات‭ ‬داخل‭ ‬الجمعيات‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية،‭ ‬وإنما‭ ‬مقاربة‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬العمل‭ ‬والتفاعل‭. ‬الجمعيات‭ ‬التي‭ ‬اعتادت‭ ‬اللقاءات‭ ‬المباشرة‭ ‬والأنشطة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬قادرة‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬أكثر‭ ‬حداثة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬هويتها‭ ‬أو‭ ‬رسالتها‭.‬

قد‭ ‬يبدأ‭ ‬ذلك‭ ‬بتشكيل‭ ‬فرق‭ ‬عمل‭ ‬شبابية‭ ‬تُمنح‭ ‬مساحة‭ ‬حقيقية‭ ‬لاقتراح‭ ‬المبادرات‭ ‬وتنفيذها،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬شراكات‭ ‬مع‭ ‬الجامعات‭ ‬والمدارس‭ ‬تتيح‭ ‬للطالبات‭ ‬خوض‭ ‬تجربة‭ ‬التطوع‭ ‬المنظم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬مرنة‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬لبعض‭ ‬الأنشطة‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬رقمية‭ ‬تفاعلية‭ ‬توثق‭ ‬الجهود‭ ‬وتُظهر‭ ‬أثرها‭ ‬بوضوح،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬التجربة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬وتوقعاته‭.‬

الحديث‭ ‬عن‭ ‬التطوير‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬أسس‭ ‬هذه‭ ‬الجمعيات،‭ ‬وإنما‭ ‬يمثل‭ ‬امتدادا‭ ‬طبيعيا‭ ‬لمسيرة‭ ‬بدأت‭ ‬بنساء‭ ‬حملن‭ ‬رسالة‭ ‬الوطن‭ ‬بإخلاص‭. ‬فالتجربة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتجدد‭ ‬تفقد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬والتجديد‭ ‬الواعي‭ ‬يحفظ‭ ‬الجذور‭ ‬ويمنحها‭ ‬فرصا‭ ‬جديدة‭ ‬للحياة‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬جمعية،‭ ‬يمكن‭ ‬للخبرة‭ ‬المتراكمة‭ ‬أن‭ ‬تلتقي‭ ‬الحيوية‭ ‬الشابة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬مشتركة،‭ ‬حيث‭ ‬تعرف‭ ‬الأولى‭ ‬الطريق،‭ ‬وتبحث‭ ‬الثانية‭ ‬عن‭ ‬أفق‭ ‬أوسع‭. ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬تتحول‭ ‬الاستمرارية‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬واعٍ‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬تكرار‭ ‬شكلي‭.‬

يبقى‭ ‬العمل‭ ‬النسائي‭ ‬الأهلي‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬أحد‭ ‬أجمل‭ ‬تجليات‭ ‬الوعي‭ ‬الوطني،‭ ‬لأنه‭ ‬نشأ‭ ‬من‭ ‬إرادة‭ ‬صادقة‭ ‬هدفت‭ ‬إلى‭ ‬خدمة‭ ‬المجتمع‭ ‬وصون‭ ‬كرامته‭. ‬والجيل‭ ‬الذي‭ ‬أسس‭ ‬هذه‭ ‬الجمعيات‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬مباني‭ ‬أو‭ ‬أنظمة‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬أورث‭ ‬معنى‭ ‬المسؤولية‭ ‬والمبادرة‭.‬

واليوم،‭ ‬وقد‭ ‬تبدّلت‭ ‬الأدوات‭ ‬وتغيّر‭ ‬الإيقاع،‭ ‬فإن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة‭ ‬بروح‭ ‬جديدة‭ ‬يظل‭ ‬أصدق‭ ‬وفاء‭ ‬لذلك‭ ‬الجيل،‭ ‬وأقرب‭ ‬طريق‭ ‬لاستمرار‭ ‬رسالة‭ ‬آمنت‭ ‬بدور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬وطنها‭ ‬ومجتمعها‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا